عبدالله السعداوي .. الذاهب لتنظيف حقل النبع – يوسف الحمدان #البحربن

 

عبدالله السعداوي .. الذاهب لتنظيف حقل النبع

يوسف الحمدان

     عبد الله السعداوي، فنان مسرحي نادر واستثنائي على الصعد المحلية والعربية والدولية ، قدم أهم العروض المسرحية التجريبية، ويعتبر أحد أهم مؤسسي التجريب في المسرح العربي ، بدأ مغاير لسائد الحركة المسرحية التقليدية ، اقترح رؤية جديدة في قراءة النص والعرض المسرحيين ، اقترح أفضية مغايرة لأفضية العلبة التقليدية السائدة في البحرين ، قدم عروضه في البيوت القديمة والقلاع الأثرية والغاليريهات والمقاهي والسواحل والساحات المفتوحة والأندية والأسواق والأزقة وأماكن كثيرة أخرى قديمة وحديثة ،عني بالأدائين  الجسدي والصوتي اللذين طال إهمالهما في مسرحنا الخليجي تحديدا ، عني بالإيماءة والدلالة في المسرح ، لم تعوضه الأزياء والاكسسوارات وأدوات التقنيع والتجميل عن مغويات الجسد المؤدي ، عاكس لغة التلقي التقليدية ، اقترح رؤى جديدة ومختلفة لتدشين علاقة غير تقليدية بين المتلقي وفضاء العرض المسرحي ، كان ولا يزال يرى كل الإمكانات الخلاقة والمشعة تنبثق من جسد الممثل ، لذا لم يحفل بالإضاءة والمؤثرات المصنوعة ، الجسد بالنسبة إليه هو سر التجربة المسرحية وهو روحها وألقها .

السعداوي أثار دهشة متلقيه، إذ يذهب إلى اللامتوقع والمباغت في العرض المسرحي..

كثر هم المتلقون الذين يقصدون عروض السعداوي المنفتحة على ورشة لا نهاية لاختبارها الفكري والتقني والدلالي بغرض البحث عن الدهشة شبه المفقودة في عروض مسرحية أخرى..

الطقوس وغرائبيتها وإشكالاتها لها حيز مهم في تجربته المسرحية، والتي كانت أكثر عروضنا المسرحية تخلو من وهجها..

السعداوي جعل فضاءنا ورئتنا يتنفسان المسرح في كل مكان بعد أن كانا يتنفسانه في مكان واحد مغلق، السعداوي أعاد الاعتبار للمؤدي الحي والباحث، دفعه إلى التمثيل والتفكير والإخراج، دفعه إلى الحلم والاكتشاف، دفعه إلى العمل باجتهاد الرؤية، كان المؤدي مقولبا ومعلبا وملقنا، وكان المخرج لا يتجاوز ما تلقاه ولا يتمرد على ذاته ومحصلاته.

السعداوي تمرد على الزمن المُعد، على العرض الجاهز، على اللا متغير واللا متحول واللا متجدد، اقترح الإخراج اللحظي، ففي ليلة العرض تحيا التجربة، تتغير، تتجدد، تدهش، فللحظة إغواءاتها ورؤاها، ويكون السعداوي أحد عناصر اللعبة، يكون المخرج والممثل والملبس والسينوغراف، وتكون التجربة فضاء حيا متحولا معتصفا بمن فيه، مخرجا وممثلا ومتلقيا.

تجربته لم تحفل بالعرض كنتاج معد، إنها تتخلق كورشته، تفتح أفقا واسعا ومثيرا للذاكرة والجسد والمخيلة، لم تكن هناك ورشة مسرحية للتجربة في البحرين قبل السعداوي، كانت معه، لذا نلحظ أن أي تجربة هي نتاج ورشة عاجة بالتدريبات المعملية والدروس النظرية.

في ورشته استضاف تجارب مسرحية مهمة ومختلفة ومتعددة وخلاقة ومؤثرة، حاورها ودعا فريقه إلى محاورتها والاستفادة منها واستثمارها فنيا، قرأ معه أهم النصوص المسرحية ودفعه إلى تحليلها، استضاف أفلاما مختلفة ومهمة، شاهدها معه، حاول قدر الإمكان الارتقاء وإياه بالذائقة والوعي والتجربة.

كل تجربة له يعرضها تثير جدلا ساخنا ومحتدما، كُثر لم يتقبلوا تجربته في باديء الأمر، ولكنهم على مضض أصبحوا هم الكثرة التي انضمت إلى حياض تجربته.

كعادته فنان إشكالي ، لذا فتجربته بطبيعة الحال تؤشكل من يتحاور معها ويتلقاها أو يشاهدها ، فقد اختبر عبر تجاربه صبر المتلقين في أفضيته المعاكسة للطقس الاسترخائي المعتاد ، تجاربه أسئلة ، حواره أسئلة ، ورشته أسئلة ، كونه سؤال ملغز ومبهم ومحير ، لذا هو دائم البحث ودائب التوريط ، وبقدر ما اختبر صبر متلقيه ، بنفس القدر اختبر طاقة المؤدي في تجربته ، فهو يعمل وفق الزمن المفتوح ، تتجاوز تدريباته السنة أحيانا ، والتدريبات متراوحة بين المتعة والمشقة ، بين الحيرة والضجر ، بين الإدراك والإبهام ، والعرض في هذا الزمن ليس هو المهم بالنسبة إليه ، إنما ما تلقاه في غضون هذا الزمن من تدريبات وتجربة مغايرة هو المهم ، والأهم بالنسبة إليه هو المؤدي ، في هذا الزمن يكتسب المؤدي تجربة في المسرح والحياة تكون له زادا في تجارب أخرى سيخوضها ، إنه يهيء المؤدي المتجدد المتأمل ، لا المؤدي الساكن البليد المتكرر .

السعداوي حياته مسرح، زاهد في كل شيء، راهب في المسرح، إن لم يعثر على مؤديه اختبر غيره ممن يجالسونه أو يتحاورون معه، كثيرون لم يفكروا قط أن يكونوا مؤدين مسرحيين، ولكن السعداوي أغواهم، ورطهم، واشتغلوا في المسرح وتورطوا فيه.

السعداوي وطنه الحقيقي هو المسرح أولا وأخيرا، لذا حين يفرط المسرح من تحت قدميه يولي وجهه صوب أرض قد يعشوشب المسرح فيها ويخضر، لذا كانت الشارقة محجا لتجربته المسرحية في وقت من الأوقات، وصار واحدا من أهم مؤسسي مسرح الشارقة، ثم دولة قطر حيث أسهم في تأسيس المسرح القطري، وبعدها تعانقت تجربته مع كبار المخرجين العرب من أمثال المخرج العراقي إبراهيم جلال والمخرج المصري التجريبي الراحل عبد الرحمن عرنوس الذي تعرف عليه من خلال الأردن بجامعة اليرموك والمخرج الأردني الراحل هاني صنوبر.

السعداوي لا يقرأ كتب المسرح ولا يكتب في المسرح فحسب، تجربته واسعة، إنه يقرأ الفلسفة والرواية والكتب السردية ويكتب فيها وعنها، وكثيرا مما يرد فيها يستضيفه في تجربته المسرحية.

السعداوي لا يحتفظ بكتاب اقتناه أو أهدي له، إنه يدفعه إلى الآخر محفزا إياه على قرائته، يدعوه إلى اكتشاف أو البحث عما اكتشفه هو وذلك لاستفزاز مخيلته علها تحظى بما يمكن استثارته في تجربة مسرحية.

السعداوي دائب البحث والتنقيب في كل ما من شأنه تعضيد وإغناء تجربته المسرحية، لذا يقصد نتاجات أهم الفنانين التشكيليين والنحاتين والحرفيين والخطاطين، يستعرضهم في حواره مع التجربة، يقيم جدلا خلاقا معهم.

هو السعداوي الذي أثار بسحنته المرآوية المضيئة الشفافة التي أخالها تختزل وهج تجربته الحياتية ، والذي أثار بعينيه الطفليتين المتراقصتين دائما بتوتر والباحثتين بشغف عن فكرة مجنونة تختزل اللحظة كاستشعارات السحلية التي تغويه في غالب الأمر ، وبوجهه الجبلي التكوين الذي يترفق بسفوح لحيته الكثة الغزيرة التي يبجل بها صدر عنقه المنغرس في حوض كتفيه ، أثار بملامحه هذه مخيلة أحد أهم النحاتين المعروفين في البحرين ، وأعني به الفنان خليل الهاشمي الذي راحت أمانيه تشتعل رغبة مجنونة في جعل هذا الفنان المبدع منحوتة رائعة يحتفي بشموخها أهل هذا البلد وتاريخه وحضارته ، مثلما أثارت الفنان الفوتوغرافي وعازف الفلوت البحريني الراحل السيد علي والذي لم يهدأ له بال قبل أن يقيم معرضا فوتوغرافيا يتصدر السعداوي صوره الفوتوغرافية .

السعداوي يصغي إلى الصوت غير المنغم أو المتوافق (المهرمن) في الموسيقى، يبحث عن المثير في تجليات هذا الصوت، في حالته، لذا من الصعب أن تجد دارجا أو معتادا موسيقيا وغنائيا وصوتيا في تجربته المسرحية، وكما لو أنه هو من يؤلف موسيقى عروضه المسرحية.

السعداوي لا يطمح في شيء سوى المسرح، وعندما يدعى إلى ندوة أو محاضرة يكون هو المتحدث فيها، نلحظ حديثا آخر، قراءة أخرى، إذ الندوة أو المحاضرة تتقاطع لديه بين الأداء والفلسفة وتتشظى في شئون أخرى، وكما لو أن المسرح لا يسع حلم السعداوي ورؤاه، وإذا دعي إلى التمثيل في عرض مسرحي يغاير قناعاته وربما هو لم يقتنع به، تراه يبحث عن أكثر من فكرة تدعوه إلى النجاة بنفسه من هذه المشكلة، تارة يسْلم وينجو من هذه الورطة وتارة باسم الحب والتعاون مع من دعاه يضحي بزمن من تجربته.

السعداوي أثر في أجيال من الشباب، خلق وهجا جديدا في التجربة المسرحية، صار التجريب واقعا بعد أن كان بالنسبة إلى كثير من المسرحيين دخيلا على المسرح.

ولا يزال السعداوي يبحث ويثير ويتجدد، لا يزال بؤرة دائمة في مسرحنا البحريني والعربي بصفة عامة.

السعداوي قدم مونودراما (الجاثوم) في العام 90 لكاتب السطور، فتنفس المسرح البحريني من رئة جديدة باعتراف الأدباء والمثقفين الذين احتفوا بالتجربة والذين وجدوا أن المسرح البحريني يحيا مجددا بعد أكثر من عشرين عاما في بياته التقليدي شبه الميت ، ثم قدم (الصديقان) للكاتب العراقي الراحل محيي الدين زنكنه في فضاء رملي عمقت حالة التيه بأشكاله الدلالية المتعددة فأثارت هذه التجربة حوارا حول فضاء العرض وفلسفته، سبقت هاتين التجربتين مسرحية (الرجال والبحر) التي شاكس فيها السعداوي جغرافيا العلبة الإيطالية عبر اشتغاله في فضاء عار إلا من أربعة ممثلين هم الجسد والفضاء نفسه .

 بعد هذه العروض قدم مسرحية ( سكوريال) التي تداخلت فيها أفضية وطقوس اثارت جدلا طويلا وخلاقا ، ثم رشحت هذه التجربة للمشاركة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 93 ، فحظيت بإشادة لجنة التحكيم الدولية وعاد بعد هذا الإنجاز إلى بلده دون أدنى اهتمام إعلامي ورسمي ، ثم قدم بعدها ( الكمامة) لمؤلفها الإسباني ألفونسو ساستري في نفس المهرجان عام 94 وحاز جائزة أفضل إخراج دولي ولم يحظ بأي اهتمام حقيقي أو عارض من قبل الجهات المعنية بالمسرح ، طالبنا بتفريغه للمسرح ولم يتم ذلك إلا بعد تعاقب أجيال من الوزراء حيث لا حاجة للسعداوي بعدها لمثل هذا التفريغ .

 دعته فرق مختبرية كثيرة للعمل معها خارج البحرين ولكن السعداوي آثر العمل مع فرقته (الصواري)، وبعد (الكمامة) قدم (القربان) التي أعدها عن نص (مأساة الحلاج) لمؤلفها صلاح عبد الصبور وشارك بها في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 96، وفي عام 98 وجهت إليه دعوة للمشاركة بمسرحية (اسكوريال) في مهرجان زيوريخ ولم يستجب أحد من الجهات المعنية لهذه الدعوة، علما بأن ملتقى زيوريخ من أهم الملتقيات المسرحية والثقافية في العالم ولي شرف المشاركة في ملتقاه الفكري.

شارك السعداوي في عروض وندوات على أصعدة عربية ودولية بصفة شخصية وبدعم من الأصدقاء أحيانا..

للسعداوي مكانة كبيرة ومهمة ومتميزة في المسرح، فتجربته المسرحية تناولها دارسون كثر في وطننا العربي، وصارت محل دراسات عليا، ولكن للأسف الشديد كان أكثر ما يشغل المسئولون هو هندام السعداوي الشخصي، فكانوا ـ تخيلوا ـ يطالبونه بالهندمة وتشذيب اللحية المسترسلة أولا كشرطين أساسيين لاستجابتهم لتفريغ السعداوي آنذاك.

إنهم يخجلون ويُحرَجون من مظهره هذا ، وكما لو أنهم يعدونه لاستقبالات رسمية أو كأنتيك نموذجي للفنان المسرحي البحريني ، لم يذهبوا قط إلى السعداوي المبدع ، الرائع قلبا وروحا ، الطاهر طفلا وبراءة ونقاء، العظيم بما أعطى وأنجز وشرّف ، فالسعداوي لا يحتاج إلى صدقة كي يكون كهم ، السعداوي استقبله العالم كمبدع في الوقت الذي لم يستقبلهم هم فيه إلا بوصفهم موظفين ، السعداوي عرّف البحرين وحجز لها مكانة رفيعة في خارطة المسرح العالمي ، في الوقت الذي لم يُعرف فيه مسرحنا عالميا ولم تُعرف ـ ربما ـ الجهة التي تمول المسرح في البحرين ، فأليس من المخجل أن تماطل الجهة المعنية في شأن تفريغ السعداوي بعد عمر من التأسيس ، بعد أكثر من عقد من تتويج البحرين كبلد حظي بمكانة المسرح العالمي ؟!! .

هو السعداوي الذي نحبه كما هو وفي أي هيئة يظهر بها أو نراه فيها، فحين يرتدي السعداوي زيا لافتتاح عرض مسرحي أو حين يعتزم مغادرة البحرين للمشاركة في مهرجان مسرحي أو لتسلم جائزة أو لتكريم، تراه يختار الغريب من الأزياء والألوان، ويبدو وكما لو أنه هو الذي يصممها ويطرزها ومن ثم يقترح على بعض الأصدقاء مشاركته أيضا فيما يضيف إلى تصميمه العشوائي ما يراه وما يقترحونه عليه، وأحيانا يحتفظ بقطعة أحبها من عرض ما ويستخدمها مع أي زي يرتديه.

هكذا هي أزياؤه ، شرائط ملونة وزاهية تتدلى حرة من صوب كتافتيه وصدره وظهره ، وقبعة عريضة أو (كندورة) بلوشستانية شالية الخام ، وشال زاه وعصا ، تراه يشع من خلالها بهجة وزهوا وكبرياء ، تراه أشبه بالعريس الكردي أحيانا أو الزعيم المكسيكي أحيانا أخرى ، وفي كل ذلك يبدو كمن يؤدي دورا مسرحيا ، بل أدوارا مسرحية ، أزياؤه لا تنفصل عن هواجسه المسرحية وعن أدواره الخاصة التي يلعبها مخرجا وممثلا في عروضه المسرحية ، هي أزياء ـ على … أي حال ـ مرشحة في أية لحظة للانخلاع من جسده ، فتراه في لحظة تجلٍ بسروال فقط ، عاري الصدر وأغلب الجسد كحاله في مسرحية (اسكوريال) في عرض االقاهرة  (القربان) و(الكمامة) ، فالسعداوي حين يرتدي ازياءه لا يدعها للجمود والموت ، إنه يغير فيها وفي بعض تفاصيلها لتظل معه طيلة العرض أو طيلة إقامته في بلد المهرجان ، إنها تتغير ، تتبدل ، تزهو أكثر ، تتعتق ، يمنحها حياة جديدة ، تتملك قابلية أن تكون أكثر من هوية وتقوم بأكثر من دور ، هو دائما يبحث عن الزي الذي يتصل بجسده وروحه ، وكما لو أنه جزء منهما .

السعداوي.. إنه الصعلوك الذي لا يقبل بثوب (التزكية) ممن وجدوا ضالتهم ومآربهم فيمن طفحت نواصعهم على خوائهم، إنه السعداوي الذي عرفته في الصبا الأول والعهد الأول بالمسرح منذ عام 1970، منذ أول مسرحية يخرجه لي بمسرح نادي الرفاع الغربي وأنا لم أتجاوز الثالثة عشر من عمري وهي مسرحية (من الغلطان)، وحتى يومنا هذا وهو يمضي في عشقه للمسرح دون أدنى التفات إلى هكذا اعتبارات.

السعداوي لا ينتظر حظوة ولا وجاهة، هو كالماء الجاري.. مقدس، كما يقول المثل الإنجليزي القديم، هو هكذا أو كأني أخاله يقول كما قال روبرت فروستي:

“أنا ذاهب لتنظيف حقل النبع، سأقف فقط لأبعد الأوراق وأنظر لأشاهد الماء النقي ويمكن ألا يكون ذلك طويلا، فاحضر أنت أيضا “..

_________________________

يوسف الحمدان – البحرين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح