عبث وعنف وإحالة إلى الماضي … في عروض اليوم الثاني من «المسرح العربي»

عبث وعنف وإحالة إلى الماضي للإضاءة على الحاضر. في هذه الثلاثية أغرقت عروض اليوم الثاني جمهور مهرجان المسرح العربي، والتي قدمت من تونس صاحبة اليد الطولى في الدورة الثامنة ومصر، وتوزعت على مسارح عبدالحسين عبدالرضا وكيفان والدسمة.

على خشبة مسرح عبدالحسين عبدالرضا، أطلقت فرقة «تياترو» من تونس أسئلتها الوجودية، من خلال عرض «التابعة» من تأليف وإخراج توفيق الجبالي. وطرحت الفرقة الكثير من التساؤلات الموجودة في مجتمعنا حول الغيبيات، وعبّرت بقوة عن حالة العبث التي يعيشها الإنسان، تماماً كما هي الحال بالنسبة إلى المواطن التونسي بعد نحو خمس سنوات على الثورة الشعبية التي قام بها.

تدور الأحداث حول رجل يتعرض إلى أشبه بعملية استنطاق من الأصدقاء، لكن الأسئلة لا تخضع لأي منطق ولا ينتظر أي طرف جواباً على سؤاله، بل تتزايد الأسئلة وتتزاحم ويحتد الكلام وتتشعب المسائل ويتم الخوض في كل شيء في الوقت نفسه، من دون أن يصل أحد إلى الحقيقة. الحقيقة الوحيدة هي أن المسرحية تضع المتفرج أمام حقيقته التي وصلت إلى مرحلة العبث، حتى بات لا أحد يتحدث مع الآخر وكل مغرق في شأنه ومشغول بما يخصه، ربما هو موجود جسدياً ويتواصل بشكل مباشر مع الآخر، لكنه في الحقيقة غائب بذهنه وبفكره، ما يولد حالة غريبة عبثية تماماً. ولا تجيب المسرحية، أو حتى تحاول وضع إجابات، بل تغرق الحضور فقط في الأسئلة.

واختزلت «التابعة» جميع أنواع العنف المسلّط على الإنسان، أو لنقل على المواطن التونسي، وصوّرت مجتمعاً مريضاً لا يريد أن يعترف بما يعانيه من أمراض ويتجاهلها، وجمعت الكثير من التناقضات، وتجلّى ذلك من خلال الديكور والأضواء، التي ساهمت في توضيح سمات الشخصيات المرضية.

«سيّد الوقت»

غير بعيد زماناً ومكاناً وطرحاً، طرح العرض المصري «سيد الوقت»، الذي قدمته فرقة مسرح الغد على خشبة مسرح كيفان سؤالاً جدلياً آخر، هو هل يصلح تفسير الحاضر من دون الإحالة إلى الماضي؟!

فقد اختار مخرج العرض ناصر عبدالمنعم نص مسرحية «ليلة السهروردي الأخيرة» للشاعر والكاتب المسرحي محمد فريد أبو سعدة، محوراً لعرضه الذي تشارك بطولته وائل إبراهيم وسامية عاطف وثامر نبيل ومعتز السويفي وآخرون. وتناول العرض ما حدث للفيلسوف شهاب الدين السهروردي والذي عاصر نهاية الدولة الفاطمية، وتأسيس صلاح الدين الأيوبي للدولة الأيوبية، وإن كان سلّط الضوء على أحداث وأزمان متعاقبة، متطرقاً إلى حالة العبث والعنف وتصفية الخصوم وعدم التسامح باعتبارها أمراضاً غير قاصرة على عصر بعينه، وكأن التاريخ عاشق لتكرار نفسه.

وتعرض العرض للانتقاد خلال ندوته النقاشية التي أدارها بسام الجزاف، وعقّب فيها الدكتور حسين الحكم، فيما شارك مخرج المسرحية ناصر عبدالمنعم، بينما اعتذر الكاتب فريد أبو سعدة عن عدم الحضور. واعتبر المخرج ناصر عبدالمنعم أن النص الذي كتب العام 2001 حمل الكثير من النبوءات حول ما يدور في الوقت الراهن، مشيراً إلى أنه قرأه منذ عام، وتحمس لتقديمه في أعقاب واقعة حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة على يد «داعش»، وهي الواقعة التي دفعته للرجوع للخلف إلى قصة السهروردي، خصوصاً أن مصر تعيش معمعة تاريخية ولا بد من معرفة جذورها.

«K.O»

وعلى خشبة مسرح الدسمة، قدّمت فرقة المسرح الوطني التونسي عرض «K.O» تأليف جميلة الشيحي وإخراج نعمان حمدة، ومن بطولة مشتركة بين الشيحي وحمدة.

تمحورت أحداث المسرحية حول شخصيتين من دون أن يحدد لهما اسم، فقط تمت الإشارة لهما بأداتي أنا وأنت، وهي وهو، فكانت تلك الأدوات ترجمة لمجتمعاتنا الغارقة في عنفها ومرارتها حد الثمالة. وطاف «K.O» العبثي من خلال أحداثه في ثنايا تونس مترجماً الواقع الذي يأسر أفراد مجتمعه، حيث تحدثت شخصياته باللهجة التونسية عن نظرة المجتمع التونسي أو إن صحّ القول جزء منه.

في أحد المشاهد، كانت هناك لحظات من الصمت، لكن قطعها صوت آت من الظلام يقول: «من أرض الجهاد ونصرة خالق العباد أنا وين الجنة وين»، ثم تبعه صوت آخر: «طبق شرع الله» ليتضح بعدها أن تلك الأصوات هي محاورة بين المرأة ذات الرداء الأحمر وبين إرهابي قام بتسهيل سفر ابنها إلى سورية للجهاد، فهي لم تقبل الوضع فردّت عليه بالقول بنبرة مليئة بالتحدي: «أنا نقبل اني نموت، انت تقبل تعيش»، فيسألها بخوف وريبة «انت شكون» لتجيب «أنا المرا أنا عزيزة عثمانة أنا الكاهنة أنا السيدة المنوبية انا الجازية الهلالية انا حبيبة مسيكة انا المرا انا تونس اما انت شكون»، فيقبل الإرهابي التحدي ويحاول تقييدها وجلدها مع ارتفاع صوت التكبير ونداء الموت تنتفض وتصرخ حتى تنتصر عليه، وهو ربما ما أراد المخرج به تسليط الضوء على انتصار بلده تونس على الظلم.

وأعقب العرض ندوة تطبيقية أدارتها الكاتبة تغريد الداود، وعقب فيها الدكتور والناقد المسرحي علاء الجابر، الذي رأى أن العرض بدأ مثلما انتهى، متدرجاً في العنف متسربلاً به». بينما رأى المخرج نعمان حمده أن العمل المسرحي لا يفرض رؤية، بل يكون مفتوحاً لكثير من التأويلات، معتبرا أن سحر المسرح هو كيف تكون صادقاً وتمتلك إجادة الصنعة.

 

علاء محمود ورشا فكري وحمود العنزي

http://www.alraimedia.com/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.