عام بلا مسرح .. عام بلا حياة! – عبد الستار ناجي

الخريف
من مسرحية خريف

تفاوتت وجهات نظر عدد بارز من صناع ونقاد المسرح في العالم العربي حول تداعيات جائحة كورونا – كوفيد 19 على المسرح في العالم العربي وإن ظل الاتفاق على أن عام بلا مسرح هو في حقيقة الأمر عام بلا حياة . ففي الوقت الذى يرى به عدد من أهل المسرح بأن عام يختلف شكلا ومضمونا عن بقية الأعوام يرى البعض به دعوة لمزيد من التحرك والتأمل والتجتوز لكل ما هو مستعاد ومكرر .

يتحدث الينا في المحطة الأولى المسرحي المغربي عبد الجبار خمران قائلا :

يعني عام بلا متعة فريدة.. عام بلا خيال حي على خشبة، هي بمثابة معمل للأسئلة والفكر والجمال.. عام سنستثمره في التأمل وشحن الذاكرة المسرحية بإعادة قراءة النصوص الكبرى والنصوص الجديدة ولما لا مشاهدة العروض المسرحية المصورة بتقنية عالية وبمهارة تخلق متعة من نوع خاص : قد لا تعوض تجربة المشاهدة الحية المباشرة وسحرها طبعا – خاصة أمام عرض يستحق الوقت الذي ننفقه عليه وأكثر – لكن تمنحنا القدرة على التدقق أكثر في المعروض أمامنا وربما إعادة اللقطة للتقرب من كيفية صنع المشهد والتمكن من الأداء …الخ

عبد الجبار خمران

ويتابع خمران :

المسرح فن حي الآن / هنا لكنه يتلبس بلبوس أخرى، في اعتقادي، تخرجه من جوهره وقد تنفي هذا الجوهر بالبت والمطلق.. لكننا لا نمنع أنفسنا من مشاهدة المسرح على الوسائط .. فكثيرا ما أسمع مسرحيين يتفاخرون بأنهم حصلوا على مسرحية ماهابهارتا لبروك مثلا مصورة على قرص مدمج أو ماراصاد أو القسم الميت لكانتور..الخ هذا لا يعوض العرض الحي لكنه يلبي الرغبة في مشاهدة عروض لن نتمكن من مشاهدتها حية ما حيينا..

ويتحدث المخرج الجزائري الكبير  محمد شرشال :

حالة خاصة. ظرف عابر. و هي فرصة للتزود و التحضير. يا ما مرت على الانسانية ظروف توقف فيها المسرح لسنوات ثم عاد. يجب استثمار هذا الوقت ل ما بعد العام .

محمد شرشال

ويقول المخرج الكويتي المتميز فيصل العميري:

يعني عام من الحزن عام يسوده جهل عام من الفوضى عام تنقصه المتعة هذا هو عام الفقد بالنسبة لي ودمتم سالمين

فيصل العميري

وتتحدث المخرجة المغربية أسماء هوري :

خسارة  كبيرة…  فراغ قاتل… وغصة ألم لمن لا يتصور الحياة بدونه… طبعا أستميت لخلق فرص أخرى للعمل و البحث  ونسيان الخشبة كالقراءة و الكتابة و الإشتغال على نصوص درامية جديدة … لكن بدون جدوى… أظنني أحن إلى الخشبة أكثر من أي وقت مضي . 

أسماء هوري

وقالت :

نحن لا نملك حلا آخر سوى الانتظار… ربما يرجع المسرح بعد هذه الجائحة بأفكار و تساؤلات أكثر عمقا و إثارة و لم لا تأسيس لحقبة مسرحية جديدة بقواعد وقوالب و توجه مختلف.

ويتحدث المخرج والممثل الأردني علي عليان قائلا :

جماد الصخر تطرق عليه فيرتد الطرق فتسمع رجع الصدى جافا صلبا يوتر فيك دماغ الرأس وتشعر بانقباض القلب فلا رقة هنا ولا حس لا روح ولا دفيء ، انه الصخر الصلب يرتد ويقف عند حدود الصمت، صمت مطبق بلا حياة ، هذا هو صخر العام الذي بلا مسرح بلا فن بلا خلق بلا إبداع بلا روح فكل هذه وأكثر من صفات تجدها في المسرح فالمسرح راح.

علي عليان

وروح وريحان وخيال ففيه تجد النفس التائهة نفسها ويعثر البوح على متنفس القلم ويتطور ليصبح روحا حية على الخشبات ممثلوان بالوانهم وممثلات تختال وراقصين يملؤون الخشبة صخبا واختيالا فيما الموسيقى تصدح وتأخذك الى عوالم خفية وتكتمل الحكاية بالصورة كلوحة فنية رسمها سلفادور او رامبرانت تدعوك الى البهجة والتحليل لكيفية انعتاق الضوء وابهاره وهنا سيطرة على العقل على الروح على الخيال ، يقف المشاهد يصفق بحرارة شديدة فاحترام عقل المتلقي يحدث حالة انعتاق للروح وهيامها وتماهيها مع من على الخشبات يرسمون ويغنون ويمثلون ويرقصون ، هذا هو المسرح فهل نعود اليه الى حد الشغف ؟ هل نعي وندرك بفعل الجائحة مقدار النعمة التي كنا بها وابعدتنا وباعدتنا والقت بنا في غياهب الذكريات وافرزت ميولا لنبش الذكريات وتسميتها بلقب التحدي في ابراز صورة ؟  هل طبيعة المرحلة تفرز الغث وتذهب به الى طي النسيان ؟ الخشبة مقدسة لا يدنسها الى من يحترم المرور من امامها ، انها جهاز كاشف دقيق للمعادن فلا معدن صديء يبقى ولا متملق كاذب يصمد ولا متربص منتفع يكمل الحكاية ، حكاية الضحك على فعل الحياة باختصار شديد الخشبة هي ايضا جهاز لكشف الكذب !!اتمنى ان نعود الى الخشبات بعد غربلة الغرباء وابتعادهم الفطري عن ارواح من يمتشقون صهوة الخيال.

ويقول المخرج الاماراتي حسن رجب :

باختصار شديد هو عام بلا حياة عندي وعند اهل المسرح وصناعة وعشاقة ..

حسن رجب

ويتحدث الناقد المسرحي اللبناني عبيدو باشا :

لابأس من عام بلا مسرح ، ما دام المسرحيون العرب وجدوا أن المسرح ، بالسنوات الأخيرة ، ينوء بحمل كل شيء. لا بأس، من وقفة طويلة ، من أجل مراجعة عميقة. لأن المسرحي بالعالم العربي ، تعود منذ مدة أن يتعاطى مع المسرح كما لو أنه مكالمة بين شخصين ، مكالمة تشرب الأصوات ، بدون أن يحس أصحاب الاصوات بذلك ، لم بعد المسرحي مطواع بالعلاقة بالمسرح ، بعد أن مسح المسرح عرق المسرحي بمناديله، كل مناديله. قفز المسرحي فوق كل جمل الوصايا ، حين راح يقصد المسرح كما يقصد السوبرماركت . بكسل عظيم ، كما لو أن المسرح يحاصره بدعوته إلى إجراء قراءة في محطات الحصاد .

ويتابع :

حين وقع المسرحي بالعادة ، بعلاقته بالمسرح ، حين وقع المسرحي بالعادة وقع المسرح بالموت . أخطر ما لا تنطق به العيون من اعترافات هو العادة . أن تذهب إلى المسرح بحكم العادة ، يعني أن تذهب بأنفاس لا تستطيع إستعمالها كمسرحي في عجينة مسرح جديد. علمنا المسرح الحياة ، وهب المسرحي المسرح الموت ، من تفكيره الأطرش بحاجات المسرح . المسرحي اليوم أمام فرصته التاريخية في رصف طرق المسرح بالبلاطات الجديدة . لا على هذا الزمن أن يعلمنا الكتابة بالكمامات . على الزمن أن يعلمنا إعادة إكتشاف مصادر عشق المسرح . لأن مصادر عشق المسرح لا تخرج إلا من العينين. بأصواتها العادية وضحكاتها ومطواعاتها ومناديل دموعها وترتيلاتها وإنشاداتها وتلاوتها .

ويستطرد الناقد عبيدو باشا :

لا نستطيع بعد أن نقف متظاهرين بحب المسرح بالحب القديم . لم يعد الحب القديم يفيد . أغلق المسرح أبوابه على المسرحيين خوفاً من سعار الفيروس وتأثيراته القاتلة. دفأ الفيروس الشرور ، إلا أنه دفع المسرحي إلى الإنحناء أمام بوابات المسرح لكي يرى من خلال الفتحات الضيقة فضاءاً لطالما استولى عليه بسهولة فائقة. الآن لا. امام المسرحي مهمة إيجاد طرق الدخول الجديدة إلى الصالة المسرحية ، رسم المسافات بين المشاهدين وأن يحلق بجناحين جديدين حتى يقدم مفردات العلاقة الجديدة بين المسرح والجمهور . لأن الأساس هو العلاقة بين المسرح / المسرحي والجمهور . لا كلام على مسرح افتراضي ولا على مسرح أون لاين . لأن الشيء الأساسي بالمسرح يموت حين يلتقي المسرح لجمهور المسرح عبر الأون لاين وعبر مواقع التواصل الإجتماعي .

أقول : إننا أمام فرصة لن تتكرر لإعادة النظر بالمعمار المسرحي ، بالهندسة الخرائطية للصالة المسرحية وبالخريطة الهندسية للصالة المسرحية .جلوس على تباعد من قبل المتفرجين ، جلوس بكمامة وبقفاز وبخوف واسع من إنتقال العدوى . هذا فلاح جديد. أن نقصد المسرح ، الصالة المسرحية ، من خلال مقتربات جديدة، منذ اللقاء بالآخر في ساحة الصالة ، ثم على الخطو إلى الصالة ، دخول الصالة ، واختيار نواصب المقاعد .

طبق من أيديولوجيا ؟ طبق من نار جديدة. طبق من فلسفة جديدة، على سكاكين المسرح الجديدة . لم يقتل الرصاص المسرح بالحروب الكبرى والصغرى ، أنعش حضورها بهيئاتها الجديدة . لن يقتل الفيروس القبيح جمال المسرح ، شرط الإجتهاد بطرح حياة جديدة من قلب الإضطرابات.

من مسرحية صدى الصمت

مهرجان أفينيون مولود الحرب العالمية الثانية . حين نظر جان فيلار إلى الخراب الهائل في أوروبا بعد الحرب الكونية الثانية أطلق مهرجانه مع جيرار فيليب ، لكي تجدل الأرواح حضورها بعيداً من خراب الحجارة . ثم أطلق تجربة المسرح الوطني الشعبي . تجربة مسرح العبث لا من مطواع الحرب العالمية ، من فاعليات طب المسرحيين على الحرب لا على الثورة . يونسكو وبيرنديللو وآرابال وشحاده وبيكت من اشتداد الحرب على الناس وخروج الناس من الحرب بعد إصطباغ بشراتهم بالدم . الليفنغ تياتر من الحرب الأميركية في فيتنام . البراد أند بابيت أو خبز ودمى .

تجربة الخصب المسرحي اللبنانية خرجت من قلب الحرب ، حرب شاملة لا حرب الفيروس على الجمهور . ثمة مسرح جديد يتقافز من جديلة المسرح القديمة. لا يجب على المسرحي إخراس دمائه، بعد أن صبر على جوع المسرح، لا إخراس أسئلة ولا هواجس. هذه فرصته لتعلم دخول جديد إلى مسرح جديد. سنة ، سنتان : المهم الخروج من الهشاشة ، الخروج على الهشاشة ، الخروج على العادات القديمة بالطريق إلى مسرح جدير ، جديد . ونخلص .. عام بلا مسرح بالنسبة لأهل المسرح وصناعه وعشاقة.. عام بلا حياة .

إعداد: عبد الستار ناجي – الكويت

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة