.png

طوباوي التمثيل انطوان كرباج#سوريا

طوباوي التمثيل انطوان كرباج – طلال درجاني #سوريا

قرأ مسرحية “بيلاطس البنطي”، صمت لحظة، وبلطف ومن دون وعي، راح يهرس حبات المكسرات بين بياض اسنانه. رؤوس اظافره المنتظمة تنسج طرطقات لحن كلاسيكي على شرشف الطاولة وخشبها الفاتح سواداً، بينما تتنقّل مسامير حذائه الذهبية على الارض، باتجاهات واماكن مختلفة، فتشكّل هذه الايقاعات معزوفة فرحٍ بحدث غير منتظر، فرح ظاهر في عينيه وقد مزقتا بلاط غرفة طعامه.

فجأة، اخذت الكراسي تتمايل على اطرافها الدقيقة، في رقصة “بحيرة البجع”، وابتهج الاثاث كله بإيقاع سمفوني خالد، حتى ذاب الزجاج وتجمّد ثلجاً في بحر صيف بيروت. ما كان للبرادي الا ان تحوّلت الى كواليس خشبة تشارك في العيد ابتهاجاً بحدث اختيار النص المعاصر، وقد اعتلى كرسيه كمارد، بعدما ملأ كأسينا.. سالت دمعته ونطقت: “انا بيلاطس.. انا المسيح.. انا متى.. انا بولغاكوف.. “

تحوّل الخمر المعتّق الى مياه مقدّسة، الى نبعٍ يتفجّر في داخله عجائب واقعيّة في المسرح اللبناني .. التمارين يوميّة، يشرّح مطالب النص ووظائفه بين ذهنه الصافي وجسده الصلب وهما يصارعان الافعال والاحداث بلذة البحث الدائم في تفاصيل بناء الشخصية ودوام تجديد اكتشافاته في كل بروفا، لأنه يكره التكرار ويعتبره مقبرة للممثل، ويخاف صدأ العقل والاحساس والجسد .. هو يعشق فضاء الخشبة المنطلقة من جوهر فكرة الكاتب ومن البعد الفكري والفلسفي للرؤية الاخراجية وتعاليم المخرج الذكي والمبدع الحقيقي، لذا، يدمجها جميعها في عالم شخصية الممثّل ليكوّن مرجعاً للباحثين الاكاديميين، حيث يرسخ في مؤلفاتهم بين رفوف مكتبات الادب الكلاسيكي العالمي. يتحدّى نفسه باستمرار، في كل لحظات التمارين وما قبلها وما بعدها .. تحضير الشخصية هاجس متعب وشيق بالنسبة له. رغبته دائمة في تفتيت وطحن صخر حواجز الدور بهدف اعادة بناء عالم الشخصية الفنية.

هو المعبد المسرحي الذي يشعرنا وكأن التمارين تجري على خشبة مسرح ماياكوفسكي الاكاديمي في موسكو وخلف كواليسها عظمة ورشة العرض الاول احتفالا بالافتتاح. لا يغادره قلق الابداع الدائم، حتى بعد تحقيق اهداف الشخصية .. هو يحمل بين كفيه، دفاتر التربية الفنية العالية، وغير المصطنعة، وتاريخاً من الانسانية المسرحية الرائدة في تحقيق عرض مسرحي عالمي متكامل .. خوف الطفولة يظهر على وجهه دوماً، لان ما بين النجاح والفشل مسؤولية الالتزام الصادق مع نفسه، مع زملائه ومع الجمهور..

ممثل مثقف، متواضع، عنيد، كريم، حنون، مهذب، صادق، وفيّ، جريء يكره الكذب ومشتقاته، يعشق الحقيقة ويغضب من الخبث واخواته. ما يعيشه في الحياة يبصمه على سجادة خشبة المسرح من خلال ظل فكره وجسده بجماليات الفن الملتزم بالإنسان وقضاياه..

مبهر بإبداعه في كيفية تجديد حياته الفنية .. في كل لحظة، يتعاظم الفرح في داخله وبحقيقة خيالية. لا يملّ من النقاش في تحليل شخصيته، ولا في مشاكل شعبه ووطنه، ولا في مكوّنات العرض المسرحي، بل على العكس تماما، يزداد شغفه الممزوج بالقلق بطرق البحث عن اساليب جديدة ومبتكرة وشخصيات لا تتكرر.. انه المقامر الرابح دوما في الفن الطليعي..

انظر في صمته فأسمع واستمتع بطوفان لغته الاكاديمية، تجرف الجهل القابع بين جدران الجامعات، وخشبات المسارح التجارية..

بين التعب والراحة، بين السفر والوطن، بين زبوغة و رشعين بين السهر والفجر، بين الحب والمرأة، بين الحلم والسعادة، بين الهجرة والمتاحف، بين العائلة والاصدقاء كان معرض التاريخ الدائم بيننا.

لا يؤمن باستغلال الإنسان للإنسان، ولا بالحكّام ولا بالسلطات التقليدية ولا بالتقاليد الفاسدة والمهترئة، هو ابن جبران خليل جبران بثورته ضد الظلم والظالم، يعبد الحرية، يقدسها، يخشع لقوانينها، ويصلّي لأجلها “من اعماق هذه الاعماق نناديك ايتها الحرية فاسمعينا..”

انتهى العرض، جنّ التصفيق لبيلاطس البنطي: انطوان كرباح. انتشل من ايادي اليهود الكرباج الذي جُلِد به المسيح ومسمره على العرش، فتدفق الجمهور لينصبوا على الخشبة تمثالاً لانطوان، من فخر الفن النادر وجوده. جنّ التصفيق اكثر فأكثر، حتى تزلزلت جدران ومقاعد المسرح.. وما زال صدى التصفيق، الى اللحظة، يدوّي في الآذان وداخل كل فنان زائف .. وسيبقى يجرف الغباوة والجهل الفني، طالما بقيت الحضارة الفنية في متحف العظماء فقط.

طلال درجاني

في 16 تموز 2020

عن كنعان البني