طــوق الــحــمامة تعانق ستائر ركح المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط الحب من منظور حضاري وتراثي إبداعيا -عـيـن على المسرح

الساحة المغربية تواصل انتاجاتها الفنية والمسرحية ، وتشقّ طريقها إبداعيا في حقل أبو الفنون ، حيث تدأب جمعية أبي رقراق بالشراكة مع المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط على إنتاج عرض مسرحي جديد سيرى النور في عرضه الأول المزمع رفع الستار عنه يوم 03 من شهر مايو من
السنة الجارية 2016 موسوما بــ” طــوق الحمــامة ” من تأليف رائد الدراما المغربية وأحد أهم الوجوه المسرحية الفاعلة في المغرب ، بالإضافة إلى أنه أيقونة المسرح الإذاعي الأستاذ ” عبد الله شقرون” الذي يعتمد التأريخ والبحث الدؤوب في خبايا المسرح ، وأهدافه دوما كانت ولا تزال نشر التوعية وردع معالم التخلف والتبعية وهو من روّاد ومؤسسي المسرح المغربي ، ويؤمن دوما أنه لا نجاح لنص درامي ولا تحقيق للفرجة فيه ما لم يتوافر ذلكم النص على مضمون جيد يستحق البحث والدراسة ، ناهيك عن ضرورة الالمام بخبايا الكتابة الدرامية والحنكة في التعامل مع المتلقي العملة الأساس في تلقّف شتى الإبداعات ، ويعكف على إعداد وإخراج العمل الأستاذ المسرحي المخضرم ” عبد المجيد فنيش ” ، الاعلامي والباحث المجدد في الفنون التراثية ، صاحب العديد من الانتاجات المسرحية ، ومؤطر سلسلة طويلة من الورشات في التكوين المسرحي ، ناهيك عن زاده المعرفي الأكاديمي والفني الذي أهلّه لانجاز الكثير من أمّهات الأعمال المسرحية والاستعراضية بخاصة تلكم التي تعنى بالتراث .

” طوق الحمامة ” من المصدر الأم الكتاب ” طوق الحمامة في الألفة والآلاف” لابن حزم الأندلسي يعدّ من أعظم وأدق الكتب التي تصف الحب ، مظاهره وأسبابه ، وتصف الحب الانساني العذريّ وحجم التضحيات الجسام في سبيل بلوغه ، مع التركيز على البعد النفسي والمنطقي في التحليل ، ليأتي المؤلف ” عبد الله شقرون ” جاسّا لكل ذاك النبض في تناوله هته العاطفة الإنسانية وما يرافقها من صور ودلالات ركحية مبطّنا اياها بالعمق التاريخي الموغل في الأعماق وربطه بالراهن ، ويعمل على تجسيد ذلك كله المخرج ” عبد المجيد فنيش ” بمعيّة كوكبة من الفنانين المغاربة وهم :
” محمد المتوكل ” ، ” رشيدة منار ” ، ” عبد الإله بن هدار” ، ” نبيل البوستاوي” ، ” طارق بقالي” ، ” لمياء خربوش” ، مع توظيف الأزجال الشعرية
لــ” زهرة زرييق ” ، مع اعتماد ثُلّة من الموسيقيين والمنشدين وهم على الشكل الآتي :
” يحي المنصوري” ، ” عبد الإله أبيفير ” ، ” أمين البويهي” ، ” ادريس خربوش” ، ” عبد الإله حرة ” ، ” أمين فارس” .

العرض المسرحي يصوّر لنا قصّة حب درامية عرفت تفاصيلها الأندلس بألمرية خلال فترة خيران العامري ، تجمع بين المأساة والملهاة نتيجة البعد الذي يعتمده المؤلف مخالفا بذلك أمّهات الروايات التاريخية ، لتكشف أحداث المسرحية عمق التضحية ومن هم أحقّ بها ، في ظل حمّى الصراع الذي يجمع بين هشام وإسماعيل للظفر بمرجانة الجارية الحسناء التي تجمع بين الجمال الروحي ، الحسي والإبداعي ، ويكون ” هشام ” أنموذج الوفاء والإخلاص والتضحية عكس إسماعيل مدّعي الحب والنبل ، وفي ظل صراعات مشحونة تتعرى نوايا كل طرف ، فثمة صراع داخلي يجمع بين الحكمة والجنون ، بين الصدق والأكاذيب ، بين المآرب الشخصية والنوايا النبيلة العفيفة ، بين ما هو شكلي وما جوهري ، بدلالات صادحة بالإيحاءات والرموز ، في مقدّمتها حبّ الوطن ومدى التفاني بغية تحقيق وحدته على مستوى كل القواعد الحيوية ، ف” مرجانة ” أنموذج حي للأندلس في حلتها البهيّة وجمال روحها ونقاء سريرتها وصفاء أهدافها
ومآربها ، رمز لكل معاني التضحية وبذلك هي رمز الوطن الذي يصارع دوما في سبيل احتواء وفاء أبنائه ومدى استعدادهم للتضحيات الجسام .

” طوق الحمامة ” غنيّة بشخوص تتماهى بين الجانب التاريخي والإنساني ، يسعى المخرج من خلال ذلك إلى توظيف الشكل التعبيري الواقعي بالتركيز على الوجدانيات وتشخيص البعد التاريخي بتلكم الحقبة ، واستحضار الآني من خلال مشاهد ولوحات العرض ، ناهيك عن استحضار جموع العازفين والمطربين لمنح العرض خاصية التنويع مع اعتماد كذلك مقتطفات من الشعر والجزل .

يعتمد العرض اللغة العربية الفصحى الرصينة الحبلى بالشاعرية وأشكال الطرح اللغوي مع اعتماد الحوار الدرامي الدقيق الذي يكون في مستهل العرض وبوسطه لإشعال فتيل الصراع وضبط الحبكة مع الانفراج من ذلك باستعراض النهاية الخاصة بالمسرحية والتي تكون لصالح مرجانة وهشام تجسيدا لثمار العطاء ومعاني الوفاء وسموّ شاعرية الحب الانساني ، الأمر الذي يسهم دوما في إثراء المشاهد واللوحات المسرحية باعتبار الحوار نواة الدراما والنص المسرحي ، مع ملامسة الأفكار المطروحة ضمن البناء النصي لتجسيدها ركحيا حسب تصور المخرج ورؤاه وكيفية التعامل مع ذلك بمرونة ودقّة في الآن ذاته تحقيقا للفرجة المنتظرة لدى المتلقي ، كل هذا من المنتظر أن يتحقق وسط زلزال العواطف والأبعاد المتراصة للطرح الدرامي بكل أشكاله وسماته من توتر ، ترقب ، أمل ، وشاعرية محكومة هي الأخرى بشلاّل الانفعالات حسب كل لوحة ومشهد مع ملامسة شتى التناقضات وإبراز التفاوت الحاصل بأي عصر كما بتلكم الحقبة الزمنية مع رصد كل الاضطرابات .

وإذا ما اعتبرنا العرض المسرحي الذي سيرى النور في غضون أيام قلائل إضافة هامّة إلى قافلة الانتاجات المسرحية بالمغرب ، فان ذلك يرتبط بشكل مباشر بقيمة النص وأبعاده ، في تناوله أبعاد الحب ومآسيه ، ومحتواه يلامس التراث بشكل مباشر ورسالة هامة للشباب الحالي الذي لابدّ أن يبني علاقاتهم على أساس من المبادئ الثابتة وعلى صفيح من الثوابت ، وفي الربط الحاصل بين التراث والواقع حلقة وصل هامة لتعرية مكامن العطاء والتضحيات ، بحكم المواعظ ، الحكم والأشعار المتناولة ذات الأبعاد الهادفة ، لتقديم توليفة مسرحية بشتى زواياها يحرص عليها المخرج حاليا وطاقم التمثيل في ملامستهم ذاك السحر والعشق الكامن جرّاء الممارسة الواقعية للأحداث والتي تفصلنا عنها قرون مقارنة بالسابق ، وهذا لا يمنع من تجسيدها ركحيا في حلّة تربط ما مضى بالحاضر مع إضفاء لمسة المتعة وحمل المتلقي على الاستمتاع دونما ملل مع التركيز على مخاطبة وجدانهم وعقولهم .

وعليه ، من المنتظر أن يحقق العرض” طوق الحمامة ” لكاتبه ” عبد الله شقرون ” ومخرجه
” عبد المجيد فنيش” غايته ويلامس شغف المتلقين وينثر ربيع عطاءاته ، ويطوّق المشاهد بطرحه الجادّ والهادف ، وليكن طاقم الممثلين في أبهى حلله إبداعيا ، حضورا وتشخيصا .

بــقــلــم : عــبـاســيــة مــدونــي – ســيــدي بــلــعبــاس –الــجــزائــر

عن عباسية مدوني

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.