ضحى الورداني تكتب : خالتي تصفية والدير ..سماحة دينية مفتقدة

السامحة الدينية مع مختلفي العقيدة، هي واحدة من أكثر الأمور سذاجة التي ترتبط بأسم جمهورية مصر العربية، وذلك لأنه كان أمر حقيقي في الماضي البعيد ولعل شعار “يحيا الهلال

مع الصليب” هو دليل كاف على هذا الأمر، فمصر في الماضي كانت أرضا لمختلفي العقائد دون صراع أو تميز، ولهذا تكون رواية “بهاء طاهر” المسماة “خالتي صفية والدير” رواية صاحبة حبكة درامية يمكن قبوله في زمن طرحها والزمن الذي يسبقه، أما معاودة طرحها وإنتاجها الآن يعد أمرا نوستالجيا، يحمل باطنه حنين لهذا العصر الذي أتسم بالسماحة والمودة والمحبة، ومن تلك المحاولات عرض “خالتي صفية والدير” للمخرج “محمد مرسي إبراهيم”، وكتابة مسرحية “حمدي زيدان”، وتأليف موسيقي “محمد مصطفى”، وإضاءة “إبراهيم الفرن”، والذي تم عرضه على خشبة مسرح الهناجر في الدورة الخامسة والعشرون للمهرجان التجريبي ضمن عروض ذاكرة المهرجان.

الترانيم المسيحية وتكبيرات العيد المتكررة هما أول ما يصل لأذن المتفرج أثناء أنتظاره لأحداث العرض، وعلى المستوى البصري يجد أشخاص في عمق خشبة المسرح من يمين وشمال ووسط الخشبة يقفوا كما المنيكان المعروض خلف ستائر شفافة تسمح لنا برؤيتهم، أما باقي الخشبة ينتشر فيها نماذج متكررة من أهل القرية من رجال ونساء، وشخص يرتدي بدلة رجالية تكشف لنا أختلافه وأنفصاله عنهم حتى تبدأ الأحداث به ويقص للجمهور حكايته التي تربطه بأهل القرية والدير وخالته؛ تبدأ أحداث العرض براو يسرد للجمهور قصة الدير وموقعه والسماحة الدينية التي يغرزها الأباء في قلب أطفالهم بحثهم على مباركة الجميع وقت الأعياد، ونعلم حب الراوي الشديد للمقدس “بشاي” مسئول الدير، وأيضا تكشف لنا الاحداث عن حب الشابة “صفية” لزينة الرجال “عربي” الذي يتوسط لخاله “القنصل” من أجل الزواج بصفية، وهنا ينقلب حب صفية لكبرياءوشموخ فتقبل الزواج وتتوالى الأحداث المأسوية.

تمت معالجة الرواية مسرحيا بصورة تستحق الثناء بداية من مستوى الصورة وطريقة عرض الشخصيات والأحداث، فراوي الرواية تم تجسيده على خشبة المسرح عن طريق شخصيتين، واحدة الراوي الخارجي الذي لا يتدخل في الأحداث فقط يقص علينا قصته، والشخصية الثانية هو الراوي ابن البلد الذي يتفاعل مع أهل القرية ويتداخل معهم في الأحداث، الراوي أيضا يمتلك مكانته منذ نشأة المسرح ويمتلك وظيفة هامة وهي تمهيد الأحداث للجمهور وتخفيف وطأتها عنهم والتكثيف الزمني لما لا يسمح بطرحه؛ ومن صور المعالجة أيضا توظيف أهل القرية بصورة منعكسة عن صورة الكورس في المسرح القديم، فهم يعلقون على الأحداث ويكشفون لنا بعضها مثل تقديمهم لكل من شخصية صفية وحربي و طريقة معاملة صفية الحميمية للقنصل وحملها منه، فضلا عن غنائهم للأغاني الصعيدة الخاصة والمصصمة لتلك القصة.

ظهرت القراءة الواعية للرواية من قبل المخرج، فالطريقة التي عرض بها بهاء طاهر روايته تقاربت بشكل بصري مع طريقة عرض محمد إبراهيم لممثليه، فقد قسم بهاء طاهر روايته إلى أجزاء منفصلة يصبح كل جزء منهم قائما بذاته دون اتصال وفي حالة مستقلة، الأمر نفسه الذي تم تقديم الشخصيات المسرحية من خلاله، حيث ظلت الشخصات في وضعية الجيست في عمق خشبة المسرح، وكلما أستدعت الأحداث أحدهم، كانت الممثلين يتركون تلك الوضعية ويبدأ كل منهم بتمثيل شخصيته ثم يعاود موقعه من جديد، وقد أهتم المخرج في رؤيته بأن تكون الشخصيات الرئيسية فقط هي التي توجد في تلك الوضعية.
وبالطبع أقصد الشخصيات التي سمح لها “حمدي  زيدان” معالج الرواية بأن توجد في المسرحية، فقد أختزل بعض الشخصيات الرئيسية وبعض الخطوط الدرامية أيضا مثل تجاهل جماعة المطاريد والإكتفاء بشخصية حنين الذي أراد قتل حربي من أجل الأموال، وتجاهل حقيقة رغبة  المطاريد في مقاتلة اليهود على أ{اضي سيناء ورفض الدولة لتدخلهم كما نصت الرواية، ولكن من أجل الحفاظ على الصورة البصرية المسرحية وجعلها في حالة إيقاع مسرحي شديد الحركة والتغير والحفاظ على خطين دراميين أساسيين وهما علاقة كل من صفية وحربي والقنصل، والسماحة الدينية بين أهل القرية حتى أن المقدس بشاي قد سمح لحربي بالمكوث داخل الدير من أجل حمايته من القنص هما ما أراد كلا من المعالج المسرحي والمخرج طرحهما للجمهور من الرواية.

أثناء قراءة أسم العرض المسرحي تبدأ الذاكرة بصورة لا إرادية في اللعب معنا لما تحتويه من صور مرجعية متعددة لها بسبب الطرح المستمر لهذة الرواية، فقد سبق أن قدمت مسرحيا بل وقدمت عملا تلفزيونيا ناجحا لم يترك منزلا إلا وترك بصمة فيه، لذلك كانت الصورة المسرحية التي تم تقديمها على الخشبة هي ما ساهمت في إضافة صورة مرجعية جديدة عندما سوف يشاهد أحدهم معالجة جديدة لتلك الرواية مسرحيا، والصورة المسرحية لا تكتفي بالتشكيل فوق الخشبة فقط، بل بعنصر آخر يفسر الحالات الشعورية المختلفة للشخصيات عن طريق الإضاءة، فقد أعتمدت الإضاءة على نقل الحالة المأساوية لكل من صفية وحربي، حالة خذلان صفية من قبل حربي بتقديمه القنصل زوجا لها، وحالة خذلان حربي من قبل القنصل وتعذيبه له إلى أن أرده حربي قتيلا بعد أن تسبب له بالعار في الصعيد أمام أهل القرية.

التنقلات المكانية المختلفة من “دير إلي منزل إلى ساحة إلى مسجد” جميعها تم تشكيلها وظيفيا عن طريق أحاديث الشخصيات وطريقة تعاملهم مع بعضهم البعض فوق خشبة المسرح، فمثلا وضعية إمام المسجد أثناء خطبته وطريقة جلوس المصلين وخلع الأحذية هو ما ساهم في الكشف عن التنقل المكاني، ولذلك فرغم عدم تشكيله بأدوات صناعية إلا أن الأجساد البشرية الخاصة بالممثلين ساهمت في التشكيلات المكانية المختلفة للعرض بذكاء وحرص يتمكن المتلقي العادي من إدراكه، ويتسبب أيضا في وضع بصمة خاصة داخل الجمهور

______________________

المصدر : موقع الخشبة خاص

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.