صورة الحرب في المسرحية : علي خليفة

المصدر : محمد سامي موقع الخشبة

تراث الإنسانية من الآداب والفنون شكلته الحروب على وجه الخصوص، وكانت المؤثر الأساسي فيه، ولهذا لم يكن غريبا أن نرى ملحمتي الإلياذة والأوديسة اليونانيتين تعكسان جوانب من حروب الإغريق لا سيما حرب طروادة، ولا عجب أيضا أن نرى أن أكبر غرض شعري كتب فيه العرب شعرا هو غرض الحماسة أي وصف المعارك والحروب، ولهذا سمى أبو تمام مختارة الكبير من الشعر القديم بديوان الحماسة
وهذا الإنسان الذي خلقه الله في كبد يعيش في حالة صراع دائم مع الحياة، فحين تتوقف الحروب لا يتوقف صراعه فيها وكبده في معاناته بها، ويبقى السلام الحلم الجميل الذي يراوده عبر العصور المختلفة، وكثيرا ما يفشل في تحقيقه، ولكنه أحيانا ينعم به، وقد عبر الأدباء عن حلم الإنسان بالسلام لأنه المنقذ له من ويلات الحروب ومخاطرها كما نرى في مسرحية السلام للكاتب الإغريقي أرسطوفان، فقد تصور أن الحروب التي اشتعلت في اليونان سببها أن ربة السلام الوثنية قد حبسها إله الحرب الوثني في جب عميق، ويقوم تريجيوس – وهوشخص عادي- برحلة في السماء لاستنقاذ ربة السلام، ويستطيع إنقاذها، وفِي نظرة فانتازية يتخيل أرسطوفان الذي يمكن أن يحدث على الأرض حين يفك إسار ربة السلام، ويعم السلام على الأرض وتتوقف الحروب تماما، فقد أرانا أرسطوفان في هذه المسرحية أن صناع الأسلحة وتجارها لم يعودوا يجدون من يعبأ بأسلحتهم وتحولوا عن عملهم هذا لأعمال أخرى كالزراعة، وأيضا سخر أرسطوفان في هذه المسرحية من كل من يسعى للحروب التي تدمر الإنسانية
هذا هو تصوير أرسطوفان للحرب في مسرحيته الكوميدية السلام، ونرى أن أكثر المسرحيات التراجيدية التي وصلتنا عن الإغريق تصور حروبا يصطلي الناس نارها لا سيما حرب طروادة، ونرى في هذه المسرحيات تصويرا لبطولات بعض الإغريق في هذه الحروب، كما نرى في مسرحية فيلوكتيتس لسوفوكليس، وبعض المسرحيات الإغريقية ترينا فداحة هذه الحروب على المهزومين، كما نرى في مسرحية المستجيرات ليوربيديس، وهناك مسرحيات إغريقية صورت حال المهزومين من الإغريق كأهل طروادة والفرس وما جرى لهم من الشقاء بعد هذه الحروبمكما نرى في مسرحية الفرس لأيسخيلوس، ومسرحية الطرواديات ومسرحية أندروماخا ليوربيديس
ومن هنا نرى أن كتاب التراجيديا الإغريقية كان الغالب على نظرتهم للحروب هو رفضها وإظهار المصائب التي تحدث عنها لا سيما للفريق المهزوم فيها، وحتى الفريق المنتصر كان كتاب التراجيديا اليونانية يظهرون مصائب تحل بهم بعد ذلك، كما نرى في مسرحية أوريستيس ليوربيديس
هذا عن تصوير كتاب الإغريق للحروب، ولكن كتاب المسرح الروماني لا نرى فيما وصلنا من مسرحياتهم- وهي قليلة- اهتماما كبيرا بشأن الحروب مع أن الدولة الرومانية التي عاشوا فيها كانت في حروب مستمرة، وهي حروب توسعية لا تنتهي، وربما كان قلة المسرحيات الرومانية التي صورت الحروب يعود لضعف شأن المسرح عند الرومان الذين استغنوا بالمصارعات الدامية عن كثير من الفنون والآداب، ومسرحيات سينكا التراجيدية قيل إنه كتبها لتقرأ لا لتمثل، فلا يوجد دلائل قوية على أنها مثلت، والكوميديات التي وصلتنا عن الرومان لترنتيوس أفير وبلوتوس تعرض جوانب من المجتمع الروماني، ولا تهتم كثيرا بأمور السياسة والحروب
وما نلاحظه على تراجيديات شكسبير الكبرى أن الحرب ركيزة أساسية بها، ونكاد لا نرى مسرحية من هذه المسرحيات لا تعرض جانبا من حرب فيها، فماكبث طمع في ملك ابن عمه دنكان، وخاض في كثير من الدماء ليثبت ملكه، وانتهت حياته بعد خوضه حربا كبرى ضد ابني الملك دنكان وأنصارهما، والملك لير حين تخلى عن ملكه في حياته لبنتين من بناته الثلاث لاقى الهوان منهما، وجرت حرب من زوج ابنته الثالثة لإعادة الملك له، ولكنه لا يعود لملكه، ويلاقي حتفه في النهاية، وهاملت يخوض صراعات طويلة من أجل التحقق من قاتلي أبيه، وتنتهي المسرحية بموته وموت من تآمروا على والده، وخضوع الدنمارك موطنه لأمير أجنبي بعد استسلامها له، وعطيل البطل المغربي نراه في فصول مسرحية عطيل في حروب مستمرة، ومع ذلك يقع في شراك نصبها له أحد أتباعه الذين يغارون من بطولاته هو إياغو، ويجعله يتشكك في عفة زوجته فيقتلها.
وفي المسرح الكلاسيكي صور كتاب التراجيديا الفرنسية كثيرا من الحروب في مسرحياتهم، كما نرى في مسرحية السيد لكورني ومسرحية فيدر لراسين
أما في العصر الحديث فنرى أن كتاب المسرح فيه قد تناولوا الحرب من عدة وجوه، فمنهم من لم يكتف بمهاجمتها فقط ولكنه هاجم أيضا العلماء الذي يخترعون الأسلحة الفتاكة التي تتسبب في موت كثير من الضحايا بها، كما نرى في مسرحية من أجل ولدي لجون إرفن فبطلة المسرحية تقتل أخاها العالم الذي انتهى لتوه من الوصول لصناعة قنبلة مدمرة، وقد قتلته حتى لا يتم صنعها وقتل كثير من الأبرياء بسببها كابنها الشاب الصغير الذي مات في حرب كبرى بسبب قنبلة شبيهة بهذه التي اخترعها أخوها، وفِي مسرحية علماء الطبيعة لفريدريش دورينمات نرى أحد علماء الطبيعة الكبار يدعي الجنون حتى لا يضطر لاختراع قنابل مدمرة لحساب إحدى الدول العظمى، وفِي مسرحية صلاة الملائكة لتوفيق الحكيم نرى قادة إحدى الدول العظمى خلال الحرب العالمية الثانية يتجاهلون عالما كبيرا لكونه رفض اختراع أسلحة مدمرة لهم، وسعى لاختراع آلات توفر الطعام لكل فم
وكثير من المسرحيات الحديثة التي صورت الحروب كانت تهاجم قادة الدول العظمى الذين يسعون لإشعال هذه الحروب من أجل مطامعهم ومطامع بلادهم، ولاستغلال غيرهم من الدول ونهب ثرواتها، كما نرى في مسرحية محاكمة لوكولوس لبريشت، وفيها نرى الإمبراطور الروماني لوكولوس في العالم الآخر بغير صولجانه ولا ملكه بل هو يحاسب -وكل قائد مستبد مثله -على حروبه التي قام بها من أجل إظهار عظمته ولنهب البلاد الضعيفة، وأيضا نرى في مسرحية تقرير قمري لتوفيق الحكيم كيف أن بعض قادة الدول العظمى هم الذين يثيرون الحروب من أجل مصالحهم وما يرونه من مصالح تكون لبلادهم في ذلك
ولعل أهم ما صوره كتاب المسرح الحديث في مسرحهم التي عرضوا فيها للحروب – هو آثارها المدمرة على الكائنات الحية على الأرض خاصة الإنسان، وعلى العمران والحضارة، وتبدو ثورة الغضب على كثير من كتاب المسرح في العصر الحديث وهم يصورون مشاهد الخراب التي خلفتها الحروب، كما نرى في مسرحية نساء طروادة لسارتر، ففيها نرى نساء طروادة يبكين طروادة وأهلها بعد أن سحقها الإغريق، وتستعد هذه النساء للحمل على سفن الإغريق ليكن رقيقا عند رجال الإغريق بعد أن كن شريفات في طروادة قبل اشتعال هذه الحرب المدمرة، ونرى طروادة في هذه المسرحية أرضا خرابا بعد أن كانت مدينة عامرة بألوان مبهرة من العمران، ولا شك أن سارتر ينعى في هذه المسرحية البشرية بعد الذي أصابها من جراء الحرب العالمية الثانية، ومسرحية ثورة الموتى لإروين شو نرى فيها جنودا أمريكيين ماتوا في إحدى الحروب يقومون من قبرهم الجماعي، ويرفضون الدفن، لأنهم سيقوا لهذه الحرب التي منعتهم من متع الحياة وعجلت بموتهم، وفِي مسرحية الحرب القادمة للكاتب الألماني هاينز كروس نراه يتخيل حدوث حرب عالمية ثالثة تدمر اليابسة وتعيد الإنسان للحياة البدائية، فلم يعد له عيش إلا في الأنفاق التي صنعها تحت الأرض
وكان موقف كتاب المسرح مختلفا مع الحروب التي تقوم من أجل إعادة الحقوق لأهلها ولمقاومة المعتدين، فنراهم يصورون هذه الحروب معبرين فيها عن مقاومة المحتلين، وعارضين فيها لصور البطولة خلال ذلك، كما نرى في مسرحية تلميذ الشيطان لبرناردشو التي صور فيها جوانب من مقاومة الأمريكان للمحتل الإنجليزي، وكذلك صور سارتر جوانب من بطولات المناضلين الفرنسيين للمحتل الألماني لبلادهم في الحرب العالمية الثانية في مسرحية موتى بلا قبور، وكذلك فعل ألبير كامي في مسرحية ” العادلون ”
ونرى كثيرا من كتاب المسرح الأيرلندي قد صوروا جوانب من مقاومة شعبهم الأيرلندي للاحتلال الإنجليزي في النصف الأول من القرن العشرين، كما نرى في مسرحية ظل البطل لشون أوكيزي ومسرحية طلوع القمر لليدي جريجوري ومسرحية الكل في الميدان لبراين بيرد
وفي عالمنا العربي نرى أن بعض كتاب المسرح العربي عرضوا جوانب من بطولة الجنود العرب في قتالهم للإسرائيليين في الحروب التي خاضها العرب معهم، كما نرى في مسرحية مولد بطل لتوفيق الحكيم ومسرحية أغنية على الممر لعلي سالم
وكذلك صور بعض كتاب المسرح المصري حرب سنة ٥٦ ضد العدوان الثلاثي على مصر، وعرضوا جوانب من بطولات المصريين في هذه الحرب، كما نرى في مسرحية اللحظة الحرجة ليوسف إدريس
وهكذا نرى أن الحرب لها تأثير كبير على الفنون والآداب، وغالبا ما تكون هي المحرك الأساسي لضعف تيارات فنية وأدبية ولميلاد غيرها، وما كان لمسرح العبث أن يظهر لولا الحرب العالمية الثانية التي جعلت كتاب مسرح العبث يعبرون في مسرحهم عن يأسهم من أن يكون هناك تواصل حقيقي بين بني البشر، ورأى أكثرهم نتيجة هذه الحرب المدمرة أن الحياة تخلو من المعنى، ولا يمكن النظر إليها إلا بنظرتهم العبثية لها التي عكسوها في مسرحهم، ولهذا نرى يوجين يونسكو يعارض مسرحية ماكبث لشكسبير في مسرحيته ماكبت، فيعيد تصوير مشاهد الحروب والصراع فيها بأسلوب ساخر ينتقد الإنسان الذي يجره طمعه لإشعال هذه الحروب على أخيه الإنسان
ويبقى الأمل مع ما تعانيه البشرية من حروب مدمرة يسعى لها الإنسان بنفسه في أن يأتي يوم يسود السلام فيه الأرض، وتتوقف الحروب التي تقضي على الحياة فيها، وذكرنا في مقدمة هذا المقال تخيل أرسطوفان للأرض وقد توقفت الحروب فيها في مسرحية السلام، وكذلك عبر كاتبنا الكبير توفيق الحكيم عن حلمه في توقف الحروب على الأرض في مسرحية أشواك السلام، وهناك كتاب آخرون عبروا عن حلمهم اليوتوبي هذا بانتشار السلام على الأرض في مسرحياتهم.

الصورة من عرض الماني لمسرحية محاكمة لوكولوس لبرتولد بريخت

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.