صورة البحر في المسرح الحديث : علي خليفة

المصدر : محمد سامي موقع الخشبة

عالم البحر بكل ما فيه يجذب الناس إليه، ولهذا ينجذب القارئ والمشاهد للروايات والقصص والمسرحيات والأفلام التي تصور عالم البحر وما يجري فيه، ومع التقدم العلمي الكبير في عصرنا يبقى للبحر سحره في إيحائه للمبدعين والفنانين بكل جديد مبتكر.
ونرى بعض كتاب المسرح في العصر الحديث قد صوروا البحر في بعض مسرحياتهم، ومنهم من جعل أحداث مسرحيته تتم داخل سفينة أو مركب صغير، واختلفت نظرتهم للبحر من كاتب لآخر فيهم، بل إننا نرى بعضهم قد اختلفت نظرته للبحر من مسرحية لأخرى له.
وتتنوع الصور التي رسموها للبحر، ولحياة الإنسان عليه، وربما كانت الصورة الأبرز هي النظر للبحر على أنه باطش بمن يعيش فيه أو بجواره، ونرى هذه الصورة في بعض المسرحيات التي صورت حياة الناس في البحر لا سيما في النصف الأول من القرن الماضي حيث كانت بعض البلاد تعتمد في معيشتها على ما تحصل عليه من البحر أو ما تنقله في تجارتها خلال البحر، وكانوا يتعرضون خلال ذلك لعواصفه وأمواجه المهلكة مع ضعف إمكانياتهم في مواجهتها حينذاك.
وتعد مسرحية ” الراكبون البحر ” لجون ميلينجنتون سينج – في رأي كثير من النقاد- أعظم تراجيديا كتبت من فصل واحد، وفيها يعرض سينج المخاطر التي يتعرض لها سكان جزر الآران في أيرلندا من البحر، ويصور فيها مأساة موريا التي قضى البحر على خمسة من أولادها، إلى جانب زوجها ووالد زوجها، وبينما تستعد لدفن ابنها الخامس الذي غرق في البحر ترى ابنها السادس والأخير يرغب في ركوب مركب ليبيع بعض الخيول في بلد آخر، ولا تنفعها توسلاتها له بألا يقوم بهذه الرحلة، ويهلك هذا الابن، وهنا نراها تستسلم، وتخاطب البحر بأنها لم تعد تخش منه، فلم يعد عندها أبناء ذكور يمكن أن يبتلعهم بعد ذلك، وتقول إنها يمكنها الآن أن تستريح.
وفي مسرحية الصالح والشرير لفيليب جونسون يبتلع البحر أحد ولدي امرأة عجوز، ولا تعرف في أول الأمر إن كان ابتلع ابنها الطيب أم ابنها الشرير، وحتى عندما تتأكد أنه ابتلع ابنها الشرير تشعر بفداحة مصابها، وتؤنب نفسها لأنها لم تحاول أن تتفهم هذا الابن كما ينبغي.
وللبحر أثر واضح في كثير من مسرحيات يوجين أونيل، وتختلف نظرته إليه من مسرحية لأخرى، وهو غالبا ما يظهره باطشا بالأحلام مدمرا لمن يعيشون فيه، كما نرى في مسرحيته القصيرة الكنز ففيها نرى نت الشاب قد أكل البحر ذراعا له، وبسببه منعه والده من مواصلة تعليمه، ليكون مساعدا له في عمله في سفينته، وينتهي الأمر بنت أن يصاب بالجنون كأبيه كلعنة من لعنات البحر.
وأيضا نرى في مسرحية الملاح المسكين لجان كوكتو أن البحر قد غير ملامح الملاح المسكين بعد أن عمل فيه سنين طويلة بعيدا عن زوجته حتى إنه حين أتاها ولم يعرفها بنفسه لم تعرفه، وقتلته على أنه غريب لتسرق نقوده وتعطيها لزوجها الملاح الذي تنتظر عودته من حياته في البحر.
وتأتي المفارقة في أن يكون البحر في بعض المسرحيات معتدى عليه، لا أن يكون هو المعتدي، كما نرى في مسرحية الدنيا رواية هزلية لتوفيق الحكيم، ففي أحد مشاهدها نرى شخصا قد لجأ لجزيرة بعد أن دمرت السفينة التي كان يركبها، ومات كل من فيها عداه، ولكنه يعرف حين وصول سفينة أخرى لجزيرته هذه أن هناك دولة لوثت هذا البحر بإلقاء نفاياتها الذرية عليه، ولهذا أصيبت بهذه الإشعاعات الذرية كل الكائنات الحية التي فيه، وأصيب ذلك الشخص أيضا بهذه الإشعاعات الذرية لأكله من الأسماك التي به.
وقد يكون البحر وسيلة النجاة والإنقاذ في بعض المسرحيات خلاف الصورة التي عرضناها له من قبل، كما نرى في مسرحية طلوع القمر لليدي جريجوري، فبطل هذه المسرحية الفدائي الهارب يأمل أن يصل للبحر دون أن تقبض الشرطة عليه، ويتم نقله عن طريق البحر لمكان آمن، وكذلك نرى في مسرحية المحارة واللؤلؤة للكاتب الأمريكي وأيم سارويان أن الصبي كلاي صار كل أمله أن يجد محارة بها لؤلؤة على ساحل البحر في البلدة التي يعيش فيها ويبيعها بمبلغ ثلاثمائة دولار، فيعود والده الهارب من بيته لعجزه عن الإنفاق على أسرته لذلك البيت، وتتحقق أمنية كلاي، ويرى محارة، ويشتريها منه مؤلف مر بهذه البلدة بهذا المبلغ بعد أن عرف حكاية هروب والده من منزله، شفقة بهذا الصبي مع علمه بأن هذه المحارة يستحيل أن يوجد بها لؤلؤة
وقد يكون البحر مكانا للتطهير من الماضي المؤلم، كما نرى في مسرحية أنا كريستي ليوجين أونيل، فقد كانت أنا تعمل بالبغاء، وحين عاشت مع أبيها في البحر تطهرت من هذا العمل فأحبها أحد البحَّارة، وحين صارحته بأنها عملت فترة بالبغاء لم يصدقها فقد رآها تعيش بجوار البحر مع أبيها سيدة محترمة، وبعد تردد منه بشأنها يوافق هذا البحار على الزواج منها مع علمه بماضيها.
وكذلك قد يكون البحر مكانا تتحقق فيه الأحداث السعيدة التي لم تحدث على اليابسة، كما نرى في مسرحية العش الهادئ لتوفيق الحكيم، فبطل هذه المسرحية فكري المؤلف كان عازفا عن الزواج خشية أن يتزوج فتقيد زوجته حريته، وبطلتها كذلك كانت عازفة عن الزواج لأنها لم تر الشاب الذي يقنعها، ويظن هذا الشخص أن هذه الفتاة تنتحر وهي تلقي بنفسها في البحر، فيرمي نفسه خلفها، وتنقذه هي، فقد كانت تغطس في البحر، ويتم التعارف بينهما بعد ذلك ويتزوجان.
وكذلك نرى البحر المكان الذي يأتي منه الحكماء الذين يزيلون الخلافات بين بعض الناس، كما نرى في مسرحية الرجل الذي جاء من البحر لمابل كوناسترداوس وهاورد أج، ففيها نرى زوجين حديثي الزواج يختلفان حول أمور تافهة، ويأتي شبح على هيئة رجل للزوجة، وينصحها بعدم إفساد حياتها الزوجية لأسباب تافهة، وقع فيها هو في شبابه وكانت سببا في موته، وتكتشف بعد ذلك هذه الزوجة أن ذلك الرجل الذي جاءها من البحر كان شبح أبيها الذي انتحر في شبابه بعد خلافات بسيطة مع زوجته التي هي أمها.
ونرى في بعض المسرحيات تصوير البحر على أنه المنقذ من رتابة الواقع على اليابس بما يتصور فيه من عالم غرائبي خيالي، ونرى هذه الصورة للبحر في خيال بعض الأبطال الشعراء الرومانسيين في بعض المسرحيات، كما نرى في مسرحية ما وراء الأفق ليوجين أونيل، فبطلها الشاعر الحالم روبرت كان يحلم بالمغامرات التي سيقوم بها -في رحلته المنتظرة مع خاله القبطان على إحدى السفن – في البحر والبلاد التي سيصل إليها وكان يظن أن بها عجائب الطبيعة، وحين تعترف روث لروبرت أنها تحبه هو لا أخاه إيدي يتخلى عن أحلامه في العيش في البحر، ويستسلم لليابسة، ويتم قهره فيها، فيموت مريضا مهزوما.
وكذلك نرى بعض الشخصيات في بعض المسرحيات تتصور البحر على أنه المحقق لأحلامها المستحيلة، كعودة الشباب لمن شاخ منهم، كما نرى هذا في مسرحية الينبوع لأونيل.
وبعض أبطال أونيل يتصورون البحر وهم على اليابسة، كما قرأوا عنه في كتب المغامرات، كرواية الكنز لستيفينسون، ولكنهم يصدمون بعالمه القاسي حين يعيشون فيه فترة، كما نرى في مسرحية زيت الحيتان ومسرحية لسنا كالآخرين، ففي مسرحية زيت الحيتان تتصور زوجة أحد الربابة المشهورين في صيد الحيتان في البحر أن الحياة على البحر مثيرة كما قرأت عنها في قصص المغامرات، ولكنها تكتشف بشاعتها حين تسافر مع زوجها في رحلة فيه، وتصاب بالجنون لكونها لم تحتمل الحياة به، وكذلك تتصور إما في مسرحية لسنا كالآخرين أن خطيبها القبطان ليس كسائر الناس، وأنه لم يرتكب خطيئة خلال رحلاته في البحر، وحين تكتشف أنه استمتع بفتاة في إحدى الجزر التي يعيش عليها أناس بدائيون تغير نظرتها له وللرجال بصفة عامة
وتصور بعض المسرحيات الحياة القاسية التي كان يعيشها البحَّارة على السفن في البحر في النصف الأول من القرن الماضي وقبله، فهي حياة رتيبة مملة فيها مشقة ووحدة، كما نرى في مسرحية رحلة العودة الطويلة ومسرحية زيت الحيتان ليوجين أونيل، ويصبح حلم بعض هؤلاء الأشخاص الذين استعبدهم العيش على البحر أن يعودوا لليابسة منه بعد أن يجمعوا ثروة معقولة من العمل بالبحر، ويعملوا بالزراعة على اليابسة، كما نرى في مسرحية ما وراء الأفق، فقد كان إندي يحلم دائما بجمع ثروة كبيرة وترك حياة البحر وشراء أراض زراعية كثيرة يضمها لأرض أبيه، وكذلك كان أوليه بطل مسرحية رحلة العودة الطويلة يحلم بهذا الحلم، ولكن لم يحقق أي منهما هذا الحلم.
وبعض العاملين في البحر كانوا يتخيلون أنهم بعملهم المضني فيه متميزون على غيرهم من الناس، ولكنهم يصدمون حين يرون الأغنياء يسخرون من حالهم في عملهم الشاق في تشغيل السفن بالفحم.
وهكذا رأينا تنوعا في صورة البحر لدى كتاب المسرح الحديث، وكان البحر بكل ما فيه ملهما لهم في كتابة مسرحيات يعبرون فيها عن الحياة به.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.