صفاء البيلي تكتب: سينوغرافيا العرض الجزائري”الهايشة”.. تؤسس لآفاق العبث وتحولات القطيع!

“أن تكون خرتيتاً هو أن تكون آدمياً، وأن تكون آدمياً عليك أن تكون مسخاً!” إنها على الرغم من سوداويتها إلا أنها تعبر عن عمق المأساة التي يعيشها هؤلاء البشر في ذاك الوقت والزمان الذي صنعه يونيسكو بعبثية شديدة وفق رؤاه الخاصة..

فترى الآدمي يسعى ليصير خرتيتا/ هايشة، مسخا، كما تراه يرفض ذلك من أعماقه صارخا في الفضاء المكتظ بالألم والجنون: أنا إنسان ولن أكون غير ذلك!

يصرخ “بشير” حينما يتحول مَنْ حوله إلى “هايشة / خرتيت” فيصعد إلى أعلى سُلّمَةٍ في سموات روحه، مواجها الكون/ الجمهور” بتحديه المعلن للقبح والزيف والنزيف الروحي الذي يسببه الزيف والخداع المجتمعي وتسيطر عليه دوامات الخداع والمؤامرة.

العبث والكوميديا!

حينما يفكر مسرحيٌّ أيُّ مسرحيّ في تجسيد نصٍ على خشبة المسرح، ويُقَدّر له أن يختاره كوميديا  يعتمد على أدب اللا معقول، فإن عليه التفكير في استخدام وسائل غير عادية، وسائل لا معقولة، حتى لا يحدث أيُّ نوعٍ من التنافر ما بين الشكل والمضمون!

فقبل ما يقرب من عشرين عاما، وتحديدا في 1940 من كتابة نص المسرحية الكوميدية “وحيد القرن rhinoceros” أو “الخرتيت” كما يسميها المسرحيون العرب والتي أتم يونيسكو كتابتها عام 1959 وجد أحدهم هذا المقطع في دفتر مذكرات “يونيسكو”:

“الشرطة خراتيت، القضاة خراتيت، وأنت الإنسان الوحيد وسط كل هذه الخراتيت. كيف يمكن أن يدار العالم من قبل البشر؟ تسأل الخراتيت نفسها، إسأل نفسك أنت: هل حقيقة أن العالم قد أُدير يوماً ما من قِبل البشر؟”

مما يدل على أنّ فكرة المسرحية ظلت تعمل وتختمر في عقل يونسكو لمدة عقدين متواليين من الزمان!

أحداث مثيرة وساخرة!

الأحداث المثيرة والساخرة في آن واحد والتي كتبها “يونيسكو” تدور في بلدة فرنسية غير مشهورة يبدو أن كل من يسكنها قد أصيب بالهوس أو الجنون، فسكانها يشاهدون مجموعة من الخراتيت تتحرك فيها بحرية، وبعد محاورات عديدة فيما بين السكان المختلفين في الرؤى والشخصيات والعقليات والمواقف وبعضهم البعض يكتشف كل منهم أن الآخر قد نبتت له قرون تشبه قرون الخرتيت القبيحة الصلبة، وتحول لون جسده البشري إلى ما يشبه “الإنسان الأخضر العملاق” حتى صاروا جميعاً مسخاً بلا ملامح يعيثون في البلدة فسادا فيما يصمد شابٌ واحدٌ فقط رافضاً أن يتحول مثلهم لمسخ مقيت ويُصر على الاحتفاظ بهيئته البشرية، ربما لم يتحول لأن ماتزال تسكنه نطفة الخير والعقل والحب التي يتسم بها الإنسان الحق!

بين يونيسكو وشرشال..!

استخدم “يونسكو” الخرتيت في نصه كنوع من المجاز الشعري للتعبير بدقة عن تلك الوحشية المتأصلة في الإنسان علاوة على أنها نوع من الاستعارة للتعبير عن عبثية الكون الذي بلا أيّ معنى، فالخرتيت يشير إلى الاستبداد ووحشيته البربرية وسيادة مفهوم “غريزة القطيع” في التعامل مع الكون، كما يؤكد على لا معقولية الواقع وعبثه الذي ينتج مثل ما نرى من مسخ وتشويه!

كما تسخر المسرحية من الشخصيات غير الرئيسية حيت إنها لا يمكنها فهم معنى “الخرتتة” كنتيجة حتمية لعدم استطاعتها الوصول لنقطة التفكير والتأمل ذاتها، فتتحول البلاهة إلى سخرية حتى من أولاء الذين يدّعون امتلاك المنطق ولغة العقل فنرى “أستاذ المنطق” وهو يحول منطقهم إلى هراء فلا يتمكن من الإتيان بتبرير منطقي لتواجد أو تحولهم البشر لى خراتيت، بل يتعقد الأمر حين يتحول إلى خرتيت مثلهم!

وقد قام المخرج  محمد شرشال باقتباس النص “وجزأرته”، أيّ: تحويله إلى العربية الجزائرية، فمنح شخصياته طعما وروحا بنكهة جزائرية، بدا ذلك من:

1ـ استخدام التراث الجزائري في اختيار أقرب الكائنات الممكنة لتحل محل الكائن المتصلب والمرعب المدعو ” الخرتيت” ليكون “الهايشة” أيّ كل إنسان يقوم بتصرف غير لائق.

2ـ استبدال الأسماء العربية الجزائرية الصميمة بدلا من الأسماء المترجمة.

3ـ الإعداد الدرامي الجيد للنص والاستغناء عن كثير من التفاصيل والزيادة والإبقاء على ما يخدم الفكرة الرئيسية فقدم صورة أبسط من صورة يونيسكو، حيث اندفع شرشال إلى تسليط الضوء على نوعيات من البشر حين تتخلى عن إنسانيتها أولا ثم مبادئها قناعاتها نزوعا إلى السلوكيات الحيوانية المقززة مما يدفعها لاستخدام العنف للدفاع عن رغباتها المستحدثة، وقد استخدم كلاهما العبث والسخرية ولكن شرشال دعّم الاتجاه الكوميدي والعبثي  في الدفع بمقدرات الشخوص/ الشعوب نحو خلاصها أو هلاكها، أيهما أقرب ولكننا نراه التزم بنهاية يونيسكو في انتصارهما للإنسانية وترك ما دون ذلك!

 “الهايشة”.. 2015

على خشبة أكبر مسرح في الجزائر وعلى خشبة المسرح الوطني الجزائري شاهدت أوائل ديسمبر 2015م العرض المسرحي ” الهايشة” والذي يبدأ بأحداث تدور عبر طاولة بمقهى يطل على ميدان عام في بلدة صغيرة، يلتقي فيه كلا الصديقين “بشير وجعفر” اللّذين يحمل كل منهما شخصيته الخاصة التي تميزه فجعفر مثقف مغرور بنفسه وبما يحمله من فكر، أما بشير إنسان طيب خجول ثمل دوما، يعاني من مشكلات الحياة اليومية مثله مثل ملايين البشر على الكرة الأرضية.

يظل الصديقان في نقاشهما العبثي حتى يغلظ بشير على جعفر بسبب حالة السكر التي لا تفارقه أبدا.. وتبدأ في الظهور عدد من الشخصيات المختلفة، عامل المقهى الظريف الذي يتمتع بحس ساخر، والفيلسوف الحكيم الذي يفسر كل شيء وفق رؤاه وفلسفات الأقدمين التي حفظها عن ظهر قلب، ولم يعِ منها شيئا! والزوج الواقع تحت هيمنة وسيطرة زوجنه المتغطرسة، والفتاة اللعوب المرفهة التي تحمل كلبها ولا همّ لها سوى تدليله وهدهدته حتى تُفجع فيه بعد أن دهسته “الهايشة”.

تتصاعد الأحداث، ليبدأ فصل جديد داخل الجريدة المحلية التي يعمل بها برجنيه وحبيبته “حمامة” فهو دائم الكسل والتأخير وهى دوما تقوم بالتستر عليه والقيام بمهام عمله حتى يعود، فيما يتصاعد الحوار  بين “الحكيم” الذي يتكلم بالمنطق وزميله العنيف الذي يرى أن الخراتيت ظهرت بالفعل فيما الجميع يصدقونه ويبدون جميعا بوجوه خراتيت تقرأ الجرائد!

يتطور الأمر حين تهرع زوجة أحد الموظفين صارخة؛ أن زوجها تحوّل إلى خرتيت وقد شاهدته بعينيها وهو يحطم السلم الذي يوصل من مكتب الجريدة إلى الشارع ويحاصر الكل فيستغيثون برجال الإنقاذ لإخراجهم من مأزقهم فيما الزوجة نفسها تقرر الإلقاء بنفسها أسفل السلم لتنضم لزوجها فيما يفر الجميع من النافذة فيما عدا رجل الإنقاذ!

وتأتي ذروة الفصل الثاني ليذهب “بشير” ليعتذر لجعفر عن تصرفه معه بالأمس لكنه يلاحظ تصرفات جعفر الغريبة، خاصة حينما يتناقشان حول تحوّل من حولهم إلى خراتيت خاصة فيما يتعلق بأخلاقياتهم وتعاملاتهم ونظرتهم للحياة، ومع تطوّر النقاش، يندهش بشير من تحول لون صديقه إلى اللون الأخضر لون “الهايشة” أو الخرتيت، كما ينبت في رأسه قرن، بل ويدعو لحق الخراتيت في الحياة.

وسريعا في جو مملوء بالتوتر.. يتحول أهل المدينة إلى خراتيت في الجريدة والمصنع والشارع والبيوت، ماعدا بشير وخطيبته “حمامة “، التي تزوره في منزله، لمرضه، فتجد عنده صديقه، الذي يتحول هو الآخر بعد خروجه إلى خرتيت، وبعد لقاء عاطفي بينهما، كاشف كل منهما الآخر بحبه، يشعر بشير ” بصراع رهيب داخل أعماقه، و”حمامة” تتعلق أذناها بأصوات الخراتيت في الخارج، كأنما تتهيهأ لها، وتحاول إقناع بشير أن الخراتيت تعرف الحب أيضا وأنها تود لو تمارسه وتعيشه، وما إن يعنفها بشير لذلك حتى تنفلت منه خارجة مشدوهة باتجاه الشارع حيث  الخراتيت يملأون الفضاء ويبدون ككائنات خرافية من خلف الساتر الشفاف يشيرون لها بحركات لها معنى وتبدو كأنما مجبولة على تلبية النداء كأنما صارت الخرتتة نداء للطبيعة.

لكن “بشير” يصر على مواجهة الخراتيت، صارخا للحشود التي أمامه بشكل قاطع: “لن أستسلم!”

الرؤية الإخراجية..

استطاع المخرج الفن “محمد شرشال” توظيف جميع العناصر الإبداعية من سينوغرافيا ” إضاءة، ديكور، ملابس، كيوغراف وموسيقى” لتتكامل معا في صنع حالة من الدهشة والإبهار ولتوهج.. فعرض “الخرتيت” أو الهايشة ليس بالعرض السهل الذي يمنح فضاءات التأويل لمخرجه، وعلى الرغم من ذلك فإن “شرشال” استغنى عن المنمنمات والتفاصيل الصغيرة والهامشية في الديكور وركز على الملابس والإكسسوار والديكور المبني بحدة ” أبنية حديدية عالية، مكونة في معظم الوقت من عدة طوابق، وهو في ذات الوقت قام بالفعل نفسه مع موضوع العرض/ اللغة والحوار فقد جعلها متمرزة في عمق القضية والحدث الذي يسيطر عليه وهو قضية الإنسان في الحياة وتعامله مع المخلوقات وموقفهم من الوجود حتى لو حدث ذلك بشكل عبثي كوميدي وساخر!

فالمتتبع لأعمال يونيسكو يدرك تماما أن بطله في “الخرتيت” تخلى عن مصير من كانوا قبله من الأبطال في نصوص سابقة، حيث رفض البطل اليأس والاستسلام وأصر على مواجهة مصيره، بل وصار يطلب من الحشود أمامه أن يفعلوا مثله.. بضراوة.

السينوغرافيا:

جاءت سينوغرافيا يحى عبد الملك بسيطة ومعقدة في آن، بساطتها بدت في اختيار التفاصيل البسيطة وألوان الملابس وطرزها التي تلائم حالة العرض، ففي بداية العرض نجد ألوان الحياة، المقهى بالأخضر والأورانج، حتى ألوان ملابس الناس / البشر الجيران/ كلها توحي بالحركة والمرح ما عدا ” بشير” لأن كل ما فيه من دواخل ينضح على ظاهره وملامحه. كما جاء الديكور بعيدا عن التفاصيل الرتيبة حيث جعل عبد الملك الكتل الكبيرة هى المسيطرة لملأ الفراغ ولإعطاء مساحة تسمح بحركة الممثلين والراقصين دون المساس بتناسب العلاقات بين الكتلة والمكان والكتلة والضوء واللون، إلخ، فاعتمد على الديكور الرأسي واستخدام الأدوار المتتالية في أنساق متعددة تخدم العرض.

الكيوغراف:

إذا كان بعض المخرجين يلجأ للكيوجراف والتعبير الحركي لملأ بعد اللحظات الإخراجية الفارغة على فضاء الخشبة، فإن كوريغرافيا سليمان حابس في “الهايشة” استغلت طاقات راقصيه المبدعين صوالح حسناء – بن عبو الهادي – شرياف أسامة – حاج أحمد يحي زكرياء – محمودي صورية – حفصة الطاهر” في إثراء المشهد البصري، حيث كانوا جزءا من المشهد الدرامي، ليصوروا مدى المعاناة التي يلاقيها البشر في تحولاتهم من طور النقاء والنظافة إلى طور الفساد والابتزاز والظلم والخرتتة، وبدا ذلك جليا في المشهد الأخير حين تحوّل سكان البلدة كلها ” هايشة” من خلف العازل البصري الذي يوهم بالتكاثر والضخامة فيصير المشهد بشعا أكثر ومخيفا باستخدام الإضاءة في كل حالاتها.

الممثلون:

استطاع المخرج محمد شرشال التعامل مع معطيات العمل ببراعة وإدماج المشاهد في حالة شعور إنساني مشترك في لحظة واحدة وهى الخوف حتى لو كان خوفا ناتجا عن ثقافة الـ “سمع”

من خلاله طارق بوعرعارة في دور” بشير” الموظف البسيط الذي يعشق العزلة ويفضل الحياة وحيدا في مجتمع ملئ بالمتناقضات، يعيش بشير صراعات عديدة بينه وبين رؤسائه في العمل، وبين صديقه جعفر، وبين حبيبته  حمامة وبينه وبين المجتمع الذي يكافح من أجل ألا ينضم إليه كي لا يصير جزءا من القطيع، وفي النهاية وبعد أن يحاط به يهرب لأعلى نقطة على خشبة المسرح ليلقي بأعلى صوته قراره الأخير. فأدر دوره بعنفوانية ناعمة، وحقق المعدلة الصعبة بين حالات الأداء الدرامي المتنوع ” إلقاء وتعبيرا حركيا وإيمائيا وتنويعات صوتية، ” فكان أداء مميزا وراقيا.

أما وائل بوزيدة فأدى  دور “جعفر” الصديق العقلاني الذي تخلى عن عقلانيته وصار يدافع عن أفكار الخراتيت ويدفع باتجاه أن لهم حقا يجب أن ينالوه في الحياة بل ويتحول مثلهم في غوغائية مقيتة

وقد أبدعت الفنانة “عديلة سوالم ” في دور ” حمامة ” وكانت كالحمامة الرقيقة التي تتحرك بخفة وعمق فتملأ المسرح حياة وجمالا، لما تتمتع به من قدرة جسدية فائقة ترقص وتبكي وتعبر وتتحرك برشاقة وقد استخدمها “شرشال” في تعميق مأساة بشير، حتى كاد يهتف بلسان حاله حين تركته وحيدا لتنضم لقطيع الخراتيت: “حتى أنت يا حمامة؟!”

ولعل الفنان “عبد الكريم بن خلف الله” الذي أدى دور” أبو منطق و الحاج بوفرططو” استطاع بحنكته وخبرته صنع التباين بين الدورين فكان مقنعا إلى حد كبير خاصة في أدائه لشخصية” أبو منطق” المتحذلقة

كما أبدع الفنان “عبد الرحمن إيكاريوان” في دور “الشيخ الانيق” ونال استقبالا جيدا من الجمهور، وعلى الرغم من أن دور الفنان علي تامرت في دورالبقال  وجعفر الصغير لم يكن بالدور ذي المساحة العريضة، التي تكشف عن مواهبه في فنون الأداء، إلا أن مجهوده كان واضحا ولو أنني كنت أتمنى أن تكون مساحته أوسع خاصة وأنه من القلائل الذين يتمتعون بحس كوميدي ساخر في مثل جيله من فناني المسرح الجزائري.

كذلك قام  كل من فايزة بيبش في دور البقالة ونــضال في دور “السيدة عجمي” رضوان مرابط في دور “القهواجي” وكريم جنان في دور “محرحر” ويزيد صحراوي في دور “مكركر” وليلى توشي في دور ” الماكثة” ببراعة وإتقان.

تأليف موسيقي:

استطاع الفنان عبد القادر صوفي صنع حالة موسيقى متوترة ومتصاعدة وساهم في تأطير مؤثرات صوتية كأنما قادمة من عمق الخارج  للداخل لتعبر عن حالة الهلع والفزع الحاصل كما استطاع اختراع ما يشبه أصوات الكائنات الأسطورية المخيفة واستغلاله كرمز لظهور الهايشة من آن لآخر كما بدت رقة موسيقاه في لحظات الرومانسية القليلة التي كانت تجمع بشير بحمامة.

الإضاءة:

من أكثر عناصر السينوغرافيا تميزا “الإضاءة” فقد بدت مؤثرة على الحالة العامة للعرض وخلقت صورة بصرية ثرية، بشكل واضح حيث اعتمد مصممها الفنان “فريديريك دوريان” على الحالة النفسية والروحية والفكرية المسيطرة على الشخوص والمكان، فعبرت عن القلق والحزن والفرح والتحول والفزع، ولم تكن ذات لحظة لملأ فراغ المسرح، كما كانت فاعلة مع الكيروجراف.

موقع: المسرح نيوز

عن صفاء البيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.