صراع “عائلة توت” الصامت ضد عبثية الحروب في مسرحية استفان أوركيني #مصر

 

بعد أن أصبحت المجر واحدة من دول المحور أثناء الحرب العالمية الأولى، توسعت سياستها الخارجية بزيادة الحركة التجارية مع ايطاليا الفاشية وألمانيا النازية، وأثناء غزو القوات المجرية للاتحاد السوفيتي قامت بعقد هدنة مع أمريكا وبريطانيا مما اعتبره النازي الألماني هتلر خيانة، فقامت القوات الألمانية المسلحة باحتلال المجر عام 1944 وانتهت بذلك أحداث الحرب العالمية الثانية بتعرض المجر للإحتلال بعد أن كانت قد استعادت زمام الأمور وبدأت عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي مما تسبب في آثار سلبية كثيرة، على العائلات والجنود وأهمها الأثر النفسي كالاضطراب والقلق وهو الجانب الذي إستطاع الكاتب المجري إستفان أوركيني أن يناقشه في مسرحيته  “Tóték” أو “عائلة توت” والتي تم نشرها رسميًا عام  ١٩٦٦، وهي عائلة تعيش في قرية من المفترض أنها قرية هادئة بعيدًا عن جبهة الحرب إلى أن جاء قائد الكتيبة التي يخدم بها ابنهم “جيولا” لزيارتهم وكان عليهم الاستعداد للقائه بما يتناسب مع انفعالاته المتوترة وما يعانيه من عصبية حادة نتيجة ضوضاء القتال على الجبهة والتي تجعل الجميع على حافة الجنون.

محرك الأحداث

استعان اوركيني داخل العرض بشخصية “المعتوه” وهو المتعارف عليه في الأدب الشعبي بإسم “عبيط القرية”، وجاء في الأحداث كساعي البريد الذي يقوم بتوصيل البطاقات والرسائل من الجبهة للعائلات بعد أن يقوم بقراءتها ويقرر هو توزيعها حسبما يتراءى له وكيفما يرغب في تسيير الأحداث، وبذلك فهو يمتلك الكثير من الحقائق مما يجعله شخصية ملهمة للجمهور؛ كما ان لديه قدرة تعبيرية قوية قادرة على تجريم الحرب في عقول المتفرجين فعندما قام بتقطيع دعوة حفل الحديقة الذي يقيمه المحافظ قال: “لماذا أجعلهم يستمتعون وهناك ابن المدرس وقد جُرح في جبهة القتال؟!” ، كما استطاع ساعي البريد مما يمتلكه من حقائق عن وضع الجنود في الجبهة أن  يوضح الواقع العبثي للحروب فبعد وفاة “جيولا” ، والتي قرر هو اخفاءها، تعتبر كل محاولات “عائلة توت” في الإهتمام بقائد الكتيبة عبثية بلا جدوى فقد انقلبت حياتهم رأسًا على عقب دون فائدة.

سطوة عسكرية وحياة غير طبيعية

وسط توتر يشوبه الحذر من كل العائلة يحضر قائد الكتيبة “الميجور” لمنزل عائلة توت كمحاولة للاستجمام في فترة أجازته في قرية هادئة بعيدًا عن ضجيج المقاومة على الجبهة، وبعد الترحيب الشديد من الأسرة والاستعداد لأن يكون المنزل أكثر هدوءًا مما هو عليه بدأ “الميجور” في الهيمنة على أجواء البيت برفضه سماع أي أصوات فهو حساس جدًا تجاه الأصوات المزعجة لدرجة أن العائلة طلبت من سائق الأتوبيس ألا يطلق أبواقه عند المنحنى وأن يأخذ ساعي البريد نفسًا عميقًا عندما يحضر الرسائل ولا يتنفس حتى يتجاوز منزلهم، فرض “الميجور” أجواء من الهدوء التام متذكرًا عندما كان يضع له الجنود أكوام من الصباغ حول مقر إقامته بالجبهة وذلك لتوفير بعض الهدوء في الليل ، حتى النوم ليلاً أصبح ممنوع للعائلة فخطر المقاومة في الظلام ينتابه حتى في تلك القرية مما جعله يُلزم الأب توت بوضع بطارية صغيرة في فمه لأنه غير مسموح له بالتثاؤب الذي قد يجعله يشعر بالنوم!

اضطراب في الأفكار ومعركة أمة

في تناسق بديع قام الكاتب بتوظيف العديد من الرموز لكي يعطي لنصه الأدبي دلالة مأساة الحروب وما تتعرض له الشعوب من تحديات؛ ففي سخرية تامة أراد “الميجور” من رجل المطافئ أن يعدل من وضع خوذته بحيث تغطى رأسه والتي يلتزم الأب “توت” دائمًا بوضعها على زاوية ٩٠ درجة بين الخط الرأسي والأفقي ، وذلك طبقا لدليل الجمعية الوطنية لقوات فرق المطافئ، في إشارة من الكاتب بفقدان التوازن في كل شيئ وعدم وجود معنى للاستقامة وقت الحروب ، كما بعث الابن برقية أخرى قبل وفاته يحذر فيها العائلة من أن يتحدثون إلى “الميجور” وهم ينظرون فوق رأسه إذ أن قامته أدنى من المتوسط فـ “الميجور” لا يكاد يصل إلى كتف الأب توت على الأكثر وهو ما أوضحه طبيب القرية النفسي أن في هذه الأيام كل “ميجور” صغير يعتقد أنه مهم ويثار غضبه اذا اضطر لرفع بصره إلى أعلى لكي ينظر إلى شخص ما ، يأتي ذلك التحليل في تمثيل واضح للنظام العسكري الذي يخلف شعوبًا خائفة مرعوبة لا تشعر بالحرية.

أما بالنسبة لعملية تصنيع العلب في المنزل وتقطيع الورق المقوى بقطاعة الهوامش وأن عليهم أن يصنعوا قطاعة أكبر في اشارة إلي الإحتياج لعالم أكبر يستوعب كل الدول لكي تستطيع كل دولة العمل بالتساوي في سلام ووقف نزيف الحروب وهو ما ألمح إليه الكاتب بتكرار الحديث عن الأرقام المتساوية مما يساعد على فهم ضرورة تقسيم الدول والأراضي بالتساوي والبعد عن المعارك وعدم تجاوز الحدود ، كما حاول  الكاتب داخل الأحداث لفت انتباه الجمهور بمسألة ارتباط الدين بالسياسة وتأثير ذلك على الشعوب، مما يجعلهم يطيعون الأوامر العسكرية؛ حيث قام راعي الأبرشية بتعنيف الأب توت بشدة فكيف له أن يشتكي من قائد عسكري يقيم في منزله “فهناك حربًا دائرة وعلينا جميعًا أن نقاتل”.

قراءات مختلفة عن النص المجري

في عام ٢٠٠٦ قدمت فرقة المسرح الحديث بالشارقة العمل من خلال تناول الكاتب المسرحي اسماعيل عبد الله للعائلة توت تحت اسم “قوم عنتر”، أضاف الكاتب تعديلات على الشخصيات ليحمل معادلات موضوعية للبيئة الحديثة.

قام المخرج المصري مراد منير بتقديم العرض المسرحي “زيارة سعيدة جدا” على مسرح الهناجر في عام ٢٠١٤ الماخوذ عن الرواية الأصلية “عائلة توت” لافتًا إلى أنه قام بتعديل كبير في الأحداث بما يتناسب مع الأوضاع السياسية في مصر ومواجهتها للإرهاب.

نورهان حجازي

https://www.maspero.eg/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

error: حقوق النشر والطبع محفوظة