أخبار عاجلة

صراع  السلطة والمال والحب  يؤطر عروض مهرجان المسرح العربي الدورة الثانية عشرة (الجزء الأول) – د.عزة القصابي

عروض عربية حاولت الإجابة على أسئلة وجودية وفلسفية واجتماعية

 ضمن تنوع جمالي وفني في مهرجان المسرح العربي، وتحت رعاية الهيئة العربية للمسرح ،  الدورة الثانية عشر في العاصمة الأردنية عمّان من 10 إلى 16 يناير2020م،   قدمت   خمسة عشر عرضا مسرحيا عربيا ، منها تسعة عروض تنافست على جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي للحصول على مركز أفضل عمل مسرحي عربي للعام 2019، أما بقية العروض في المسار الثاني، فقد كانت كعروض موازية  عرضت  خارج اطار مسابقة الجائزة في مهرجان المسرح العربي .

     تنافست في  المسار الأول على جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي تسع عروض مسرحية، وهي: مسرحية (جي بي اس)  من الجزائر، ومسرحية (النمس) من المغرب، مسرحية (الجنة تفتح ابوابها) من الأردن، ومسرحية (سماء مفتوحة) من تونس، ومسرحية (مجاريح) من الامارات، ومسرحية (بحر ورمال) من الجزائر، ومسرحية (قاعة الانتظار) من المغرب، ومسرحية (الصبخة) من الكويت، ومسرحية (خرافة) من تونس.

   وشارك في المسار الموازي، كل من:  مسرحية (رهين) من الجزائر، ومسرحية (أيام صفراء) من مصر، ومسرحية (ثلاث حكايا) من سوريا، ومسرحية (على قيد الحلم) من الكويت، ومسرحية (سماء بيضاء) من تونس، ومسرحية (كميا) من سوريا.

    ورافقت  فعاليات  المهرجان  ندوات فكرية وجلسات ومؤتمرات صحفية، اضاءة عتمات الفرجة المسرحية، وسطرت بكلماتها الرؤى الفكرية والفنية، وأوجدت جوا تفاعليا بين الوفود المشاركة. ولابد من الإشادة بالنقلة النوعية في الملتقى الفكري، الذي حرص على تغيير آلية عمل الملتقيات الفكرية المعتادة، ومحاولة إيجاد مناخ احتفالي، يناقش ويجيب على أسئلة العروض، إضافة إلى التطبيق العملي، وكسر أجواء الندوات المتعارف عليها.

    وفيما يلي قراءة تحليلية نقدية للعروض المسرحية  المشاركة، والتي تمايزت في الرؤى الجمالية  للصورة البصرية  والأطر الشكلية والاطروحات الفكرية والاجتماعية والسياسية .

أولا: عروض المسابقة (المسار الثاني)

1.عرض مسرحية (جي بي إس)

      في خضم الزخم الكبير من الموضوعات والقضايا والرؤى الإخراجية التي تقدم في المسرح والسينما، أبى المخرج الجزائري محمد شرشال، إلا أن  يبحث عن قالب جديد، يطرح من خلاله موضوعات مختلفة تركز على  التقنية الرقمية، وتبيان أثرها على الإنسان المعاصر، بأسلوب  بصري يقصي الكلمة، ويمزج بين تقنيات السينما والمسرح معا.

    وتلزم شخصيات هذه المسرحية  الصمت منذ البداية، معتمدة على التعبيرات الحركية والاستعراضية التي  تجسد حكاية المسرحية في ظل غياب الحبكة التقليدية، وتقترب من مسرح ما بعد الدراما أو ما بعد الحداثة.  وشاعت  تيمة (الانتظار)، التي تفتقد وجهتها وتبحث عن (جي.بي. اس) في اللازمان واللامكان. وتظهر مشاهد العرض على هيئة لوحات تعتمد على الفرجة والفكاهة.  ويبرز الممثلون  بجسدهم وصوتهم للتعبيرعن أداورهم. وفي ظل غياب الحوار، فإن ذلك يتطلب جهدا مضاعفا من الممثلين  الذين يستخدمون التعبير الجسدي  لإيصال رسالة العرض.

ورغم غياب الحوار عن احداث المسرحية، إلا أن  المخرج  استبدل  ذلك بالتركيزعلى الصورة البصرية، لتقديم نبذة مختصرة عن واقع الأجيال المتعاقبة  التي تعيش في ظل  الطفرات التقنية والتقدم التقني حتى تحولوا  إلى مسخ بشري، يتشابهون في ملامحهم ووجوههم !

واستهل العرض بمشهد أقرب إلى المشهد السينمائي، يجسد واقع الإنسان المعاصر عندما يتحول إلى آلة رقمية بواسطة (المخترع العجوز) الذي  يقوم بصنع  (الربوتات)،  التي  شاهدناها وهي تتشكل وفق أداء استعراضي راقص، بمصاحبة الموسيقى والإضاءة، المرسومة وفق الرؤية الاخراجية التي أراد شرشال ان  يكسر من خلالها المألوف، ويبحث عن الجديد .

كانت  الشخصيات  تقوم بالتعبير الحركي، تجسد ضياع الإنسان المعاصر وسط الكثير من المفاهيم والمواقف التي  تتحدث عن قصة أسرة  مكونة من زوج وزوج، يعيشون ضمن عالم رقمي.

تضمن العرض عددا من الدلالات الرمزية، مثلا في المشهد  الذي تدخل (الربوتات) الخيمة التي يقيم فيها الزوجان، بعد ذلك أتى مشروع انتاج الأجيال المتأثرة  بالتقنية الرقمية، الذين يظهرون وهم  يلعبون ويتصرفون كالصغار، مؤكدين الاستلاب العقلي الذي تحدثه التحولات الرقمية في العالم، وكان أداء الممثلين يخرج عن اطار المألوف، ويثير الضحك والتأمل والتفكر.

وتمكن المخرج  من الإسراع  بعجلة الزمن،  عندما  تخلصت  شخصياته من ملامحها المتشابه. ويمكن مشاهدتهم وهم  في حالة تأهب يقفون في انتظار القطار القادم، بعد أن تخلصوا من الأقنعة. ولكنهم يعيشون حالة قلق بسبب  الترحال والتنقل. غلب على أداء  الممثلين الأسلوب الساخر الكاريكاتيري والذي يكرس لغة الانتظار . وتظهر عبثية وسخرية الحياة عندما يظلون ينتظرون الوهم الذي سوف يخلصهم من واقعهم الصعب، دون الانتباه إلى ضياع الزمن… حتى يمضي عنهم  قطار  مسرعا.

    تنتهي المسرحية  ولم يتمكن المسافرون من اللحاق بالركب، ويمكن مشاهدتهم وهم يكبرون ثم يهرمون،  في حين أنهم لا يزالون ينتظرون (جي بي اس) لتحديد وجهتم المجهولة! برزت بينهم لنسخ من نماذج بشرية من الواقع، مثل: رجال  الدين، العاشقون، الأزواج ، شخصيات متحررة، وأخرى متمردة .

    برزت سينوغرافيا العرض في هذه المسرحية كعنصر محوري يحرك الاحداث والشخصيات، إذ  شكلت مفرداتها الفضاء المسرحي، مثل:  قطع الديكور  التي  انسجمت  مع الإضاءة والموسيقى، إضافة إلى الاكسسوارات  والازياء والأداء الحركي والاستعراضي.

برز الأداء التمثيلي الجماعي بشكل غير تقليدي، حيث ظهرت الشخصيات وهي تتمسرح وتقلد وتضحك وتبكي وتمكنت من إيجاد  جو تفاعلي مع  الجمهور، رغم غياب الحوار، مستخدمة لغة الجسد والمؤثرات الصوتية والموسيقية والحركية …لإيصال رسالة العرض.

 شارك في التمثيل: غرار محمد لحواس وعديلة سوالم وصبرينة بوقرعة وسارة غربي وعبد النور يسعد ومراد مجرام ومحمود بوحموم وياسين براهمي.

2.عرض مسرحية (النمس) 

      سعى  عرض مسرحية (النمس) لفرقة المسرح المفتوح من المغرب،  منذ الوهلة الأولى إلى إيجاد فرجة مسرحية، هدفها الأول إشراك الجمهور في  الحلقة  الاحتفالية كشكل فرجوي استوحى منه العرض عناصره الجمالية. وليس بغريب أن يكون عرض مسرحية (النمس) من إخراج وإعداد  أمين ناسور، متأثرا بتراث الفرجة الاحتفالية المغاربية. وهذه المسرحية مأعدها الكاتب السيناريست عبد الإله بنهدار عن رواية (هوت ماروك)  للكاتب ياسين عدنان. وتعامل المخرج ناسور مع فضاء اللعب المسرحي مستغلا الفضاء المسرحي الممتد أفقيا، والذي استوعب مجموعة من التحولات المشهدية السريعة ذات إيقاع لعب  عالي.
   منذ  بداية المشاهد الأولى يظهر ( الراوي)  وهو يتحدث بالدارجة المغاربية، بأسلوب روائي يتناسب مع الفرجة المسرحية. عندما يسرد احداث قصته عبر اداء راقص وحواري يعتمد على الفرجة المسرحية والتشخيص المسرحي ، وكان الممثلون   يقلدون  ويتبادلون   الأدوار حسب الشخصيات المناط  بهم.

   يستهل (الراوي)  التعريف بقصة الحلقة التمثيلية، والتعليق على  الاحداث، كما أنه يشارك في الأداء التمثيلي ويكون فاعلا في الفرجة. وتتوالي على  العرض مجموعة من اللوحات المنفصلة التي تناقش قضايا مختلفة تثير  تعاطف الجمهور.

في البداية   تظهر  شخصية (النمس) المحورية، تعاني من معضلة نفسية بسبب منغصات الحياة والأزمات المادية، ويعيش  (النمس ) في صراع  مع ذاته  منذ الطفولة في حي  شعبي فقير، نشأ  فيه مع أقرانه، مرورا بسنوات الجامعة وحصوله على التخرج. وهناك تبدأ رحلة أخرى تتمثل في البحث عن وظيفة، وعندما لم تحقق مطالبه  فإنه  يقرر الهرب إلى العالم  الافتراضي ، وهناك يجد ضالته عبر ثلاث حلقات يقدمها الراوي!

في الحلقة الأولى، يظهر (النمس) وقد تزوج بامرأتين، احداهما من الواقع، والأخرى من  العالم الافتراضي، والتي كانت بمثابة النموذج المثالي للزوجة التي يحلم بها الرجل، ولكنها قدمت بأسلوب مغاير للواقع، مضحك، عبثي، ساخر …يبرز التناقض بين النموذجين.

وفي حلقة أخرى، ظهر (الراوي) ليحدثنا عن الرجل الثري وزجته اللذين يعيشان حياة بذخ في العالم الافتراضي أيضا، وهما  مغرمان بالتقنية والحاسوب والانترنت حتى تحولا  إلى شخصيات افتراضية.

وفي حلقة فرجوية أخرى، عاد الراوي إلى الواقع ليطرق باب  القضايا العالمية، عندما  ظهر رجل الدين الارهابي  الذي  يقود حركتي  الجهاد والدعوة، كما أنه يسعى إلى التغرير بسيدة من أجل زواج  النكاح تحت غطاء الدين وغسل الأدمغة.

ورغم تعدد  حلقات الفرجة إلا أن (الراوي) كان يقدم قصته أمام النظارة مباشرة، وسرعان ما تبدأ الشخصيات في التقمص والتمسرح وسط عرض فرجوي موسيقي، تتخلله  الألحان الشعبية  التي كانت تعزف في المسرح.

  واستهدف ناسور في مسرحية (النمس) الممثل ذو القدرات الجسدية الأدائية  العالية.  كما أنه اهتم بالفضاء المسرحي، مستغلا السينوغرافيا لصنع رؤيةً  متكاملة قائمة على الأحاسيس  والأفكار،  مع توظيف الموسيقى والعازفين  على الركح. 

 وظفت عناصر الفرجة البصرية في هذه المسرحية بأسلوب درامي يمزج بين الماضي والحاضر، الواقع والافتراض، ويناقش معضلة  العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي  لتشكيل رؤى الإنسان المعاصر. تعد  السينوغرافيا  في هذه  المسرحية عنصرا فاعلا ، تساهم  في صنع الصورة البصرية في المشاهد،  والانتقال من مشهد لآخر بصحبة عنصري الإضاءة والموسيقى. 

——————————————–

3.مسرحية /الصبخة / الكويت

عرض مسرحية (الصبخة) من تأليف وإخراج  عبدالله العابر لفرقة مسرح الخليج العربي الكويتية، مزجت احداثها  بين ملامح  المدرسة التعبيرية والفرجة التراثية. وقدم  المخرج الاحداث مجسدة عبر السينوغرافيا العامة مشفوعة   بالموسيقى التراثية واللغة والفعل المسرحي.

    تناقش هذه المسرحية الكثير من القضايا الاجتماعية  من خلال طرح حكاية إنسانية ، تؤكد  أن  العاطفة الإنسانية (الحب) هي الأرقى في ظل الانغلاق والتخلف الفكري والتعنت والرفض في مختلف المجتمعات سواء المحافظة أو المنفتحة ، عندما  تتعارض مع الأعلى مرتبة  سواء كانت أبا أم  أمّا أو دينا أو غيرها. ومن جانب آخر تفضح المسرحية الآثار المترتبة عن القمع الأبوي/ الذكوري/ المجتمعي، وأثره  النفسي التراجيدي على نفسية الابناء.

    ويستهل العرض بأغاني تراثية راقصة على إيقاع الطبول التي تتصاعد موسيقاها بفعل التأزم النفسي للشخصيات، ويظهر على خشبة المسرح أربعة أبطال؛  منهم ثلاثة ممثلين وممثلة خل الحواجز .

يعاني العاشقان (فهد ومريوم) من ولايات  الحب  والنوى عندما ترفض  أسرة الفتاة هذا الحب  الذي  يتحول إلى مأساة اجتماعية . وبعد معاناة طويلة يتزوج الاثنان وينجبان مريم وأخيها منصور . ورغم تضحية الأم من أجل الزواج، إلا أن  الرجل يقابل ذلك بالنكران وسوء المعاملة. ويفاضل بين ابنته وأخيها منصور، على اعتبار أنه الرجل  الذي سيحمل  اسم العائلة، لذا فإن الأب يحسن استقباله و مثواه ويكرمه ويفضله على أخته .

    تعاني شخصية (منصور) من اضطراب نفسي، بفعل التربية غير السليمة، التي ينتهجها الأب، حيث قام بفرض  عزل قسري عليهم،  ومنعهم من الاختلاط بالآخرين، إضافة إلى الضرب والاعتداء الجسدي .

    تتفاقم الاحداث لتبلغ ذروتها عندما يكتشف الزوج/ الأب ابنته مريم ،  تحب شابا وتحلم بالزواج منه، لذا فإنه يصب جام غضبه  عليها ويسجنها . وكان لهذا السجن أثرا سلبيا على نفسية زوجته وابنه وبنته. ويظهر ذلك جليا عندما يصبح  ابنه   منصور يعاني  من  الاضطراب النفسي  يجعله على حافة الجنون جراء سطوة الأب القمعية .

تتصاعد الاحداث عندما تزداد جرعة  العنف والاعتداء الجسدي والنفسي على الأسرة من قبل الأب، والأسوأ منذ ذلك،  أن ابنه  منصور يعتدي جنسيا على أخته.  ورغم أن الأب يعتقد أن الغريب هو من هتك عرضها،  لذا يقرر قتلها.

ولقد ظهرت المرأة في هذا العرض بالصورة  النمطية للأنثى  العربية كزوجة لا حول لها ولا قوة، يمارس عليها الظلم الاجتماعي، أولا من قبل أسرتها، وثانيا من قبل الزوج ، مع استمرار سرد حالات الاعتداء الجسدي والنفسي الواقع  عليها!

      اتشح الفضاء المسرحي باللون الأسود بينما كانت أزياء الشخصيات تتوحد وتنسجم مع الإضاءة التي كانت عنصرا مهما في تشكيل الفضاء المسرحي، بل أن (الأزياء ) كشفت عن البُعد التعبيري في عالم  الشخصيات ومعانتها الداخلية…بينما كانت السينوغرافيا من إضاءة وديكور وأزياء وموسيقى ومؤثرات صوتية ورقصات إيقاعية تتلاءم على المسرح بحيوية. وساهم الديكور الأبواب و الجدران والقضبان والقطع المتحركة ،  التعبير عن واقع الأسرة تحت سيطرة الأب ، للتأكيد  على  حكاية المسرحية للأحداث .

     تميز الممثلون  بالأداء التمثيلي والاستعراضي للتعبير عن حالات  الاضطراب النفسي والجسدي، و تمكن الممثلون بأجسادهم  وحركاتهم وأحاديثهم، من أداء  رقصات إيقاعية على أنغام  الموسيقى ذات الإيقاع الموروث الشعبي.

   تميز الأداء التمثيلي بوجود نخبة من الفنانين الكويتيين، منهم الفنانة  سماح، يوسف البغلي، على الحسيني، عبدالعزيز بهبهاني، آلاء الهندي، كفاح الرجيب ومنال الجار الله. والذين استطاعوا التعبير عن ادوارهم بمرونة وعفوية صادقة بعيدة عن التكلف والافتعال، تكشف  عن الذات المعذبة التي عاشوها خلف قضبان المنزل.

——————————————-

4.مسرحية / الجنة تفتح ابوابها متأخرة

     تناقش مسرحية )الجنة تفتح أبوابها ) – تأليف الكاتب العراقي فلاح شاكر، وإعداد واخراج  يحيى البشتاوي-، المعضلات التي تواجه  الإنسان العربي في ظل الحياة الاجتماعية والسياسية المعاصرة .

تفتتح المسرحية بصوت يتسلل من الفضاء المسرحي،  عبارة عن تهليلات الفرح التي  تؤدى  في العرس الفلسطيني، سرعان ما نسمع صفارات الإنذار عوضا عن الزغاريد !.. تجثو العروس الشابة على مقعد منخفض، يعقبه صوت عقارب الساعة لدلالة على مرور الزمن على حياة العرسين ، حتى نشاهد العروس وقد شاخت، وأصبح الشيب يخط مفرقها!

 وهذا التعبير  الموجز زمنيا اختزله المخرج  من خلال الأدائيين  التمثيلي والاستعراضي  للممثلين.  و ساهم في الربط بين زمن الانتظار (الافتراضي)،  و زمن الحكاية في  الخشبة، وكان ذلك عندما دخل   العريس / الرجل الذي  يرتدي زي مقاتل، يبحث  عن عرسته.  بينما كانت (المرأة، الزوجة)  تسأل عن هوية الأسير/ الزوج العائد إلى الدار، والذي تغيرت ملامحه حتى أنها  لم تسطع أن تتعرف عليه!

وظلت الاحداث في هذه المسرحية تدور في حلقة مفرغة، منذ اختفاء  الأسير،  لذا فإن   الزوجة  تقوم بالبحث عنه ضمن دائرة مفرغة ، لتجد نفسها  في النهاية حيث ابتدأت، كونها  تدور وسط دائرة مفرغة، غاب صراع الفعل عنها ،  وكان التضاد الحوار اللفظي هو  السائد، يستدعى  صور الماضي من مخيلة الشخصيتين، لتتناثرا  في الفضاء المسرحي غير المرئي، في محاولة من  المخرج البشتاوي  لحث المتفرج على المشاركة وتكوين الرؤى البصرية، سواء الحاضرة في  الخشبة أم التي تدور  احداثها في زمن الأسير والشهيد الذي رحل وعاد.

اتسمت الشخصيات بأبعادها  التعبيرية ،  وجاء ادائها عبر  فيض متدفق بالآهات والمشاعر والعذاب الذاتي، لذا كانت   “الإضاءة” على المسرح  عنصرا فاعلا في  دفع الاحداث  الدرامية، ورسمها للفكرة المجردة خلف  قضبان الانتظار،  كما تمكنت الخيوط الضوئية من التعبير عن الهوة الفاصلة بين الزوجين، مع إبراز المضمون والموقف الأخلاقي والأفكار المجردة و الانتظار والحب الذي يختفي مع الزمن.

    وتمثل ذلك من  خلال  المشهد الذي يظهر فيه الشهيد أو الزوج  مع  زوجته  وهي  لا تزال عروسا مرتدية فستان الفرح. ورغم اجتماع قلبيهما على الحب، إلا أن توجهاتهما الفكرية والدينية جعلته  يبتعد عنها. لكي يلحق وينضم إلى الأحزاب الثورية للنضال.  وفي النهاية يقرر العودة إلى زوجته التي يختلف معها، وهذا يؤكد انفصال الشخصيات عن بعضها البعض نفسيا وفكريا.

  وجسدت احداث  المسرحية آثار  الحروب  والعنف الجسدي والتنكيل والظلم  وانتشار الفقر والجوع والمرض .. وهذا جعل الوصول إلى (الجنة) المبتغاة   أمرا صعبا ، يبدو   أقرب إلى  الحلم  البعيد المنال! بفعل التراكم العبثي القائم على الفوضى والانتظار، كما ناقشت هذه المسرحية تفاصيل الحياة الاجتماعية عندما يصيب الناس الهم والحزن اثناء الحرب.

يغلب على المسرحية السردية القائمة على الحوار التي تمزج  بين اللهجة المحلية والفصحى، وساهمت   الإضاءة في ابراز معاناة الشخصيات، لانفصالها عن الواقع. وفي نهاية المسرحية تقوم الزوجة بتمزيق (الدمية/ الزوج ).

——————————————————

5- مسرحية (بحر ورمال)

في مسرحية (بحر ورمال)  من تأليف ياسر قبيلات وإخراج عبد السلام قبيلات، ظهرت سفينة قديمة تبحر دون هدى ، سرعان ما تنير الإضاءة عن   سيدة عجوز واقفة يتبعها رجلا مسن تبدو  عليه علامات الشيخوخة، تبدو ذاكرته مشوشه، سرعان تظهر  الشخصيات التي تظل تنتظر بينما  السفينة تبحر بلا هدى، بينما ينتظر  الركاب المرفأ  .

   تتميز هذه المسرحية بأنها ذات طابع عبثي يمزج بين الملهاة والمأساة  في أطار عبثي، عندما يظهر الجميع، وهم  ينتظرون  في الميناء الذي  سترسو  فيه ، وبمرور  الزمن نشاهد   السفينة تتصدع، ويبدأ  الركاب في فقدان  رشدهم من طول مدة الانتظار!

ويضم  مجتمع السفينة جميع فئات المجتمع(العجوز، والشاب، والمرأة والرجل)، وفي عالم  الانتظار يصبح الجميع خاضعين   للواقع  الذي لا يتغير، والمصير المعلن مسبقا، وهو أقرب إلى واقع الإنسان العربي المعاصر، لتبرير أسباب امتلاء الدلو بالرمل كلما ألقي  خارج السفينة، ولكن المسافرين   في السفينة  تستمر حياتهم   على نفس الوتيرة في البحث  عن المرسى أو المرفأ  الذي طال  انتظاره!..

وتنوعت مظاهر الحياة الاجتماعية في السفينة برغم من المصير المجهول، حيث ظهر شاب وفتاه  يحلمان بالوصول  إلى مرفأ  لكي تنتهي قصتهم بالزواج، بينما الجميع ان يشاطرونهم  ذلك الحلم  في البحث عن المرفأ الذي  ترسو السفينة العائمة منذ زمن  لتبحر  لوجهة  مجهولة.

    وبعد ان تسرب اليأس إلى  ركاب السفينة، يقرر الشباب الانقلاب  على القبطان/ الحاكم، في محاولة لصنع  التغيير  والاصلاح والتمرد على  الأنظمة السائدة في  مجتمع السفينة، في المقابل فإن  البالغين يحالون اقناعهم بالرجوع، وعدم المطالبة أو محاولة نيل الحرية، والاكتفاء بتنظيف السفينة دون نقاش أو جدال .

ورغم الحوارات الصريحة والمباشرة لشعب السفينة، إلا أن  الاحداث اتسمت  بعدم المباشرة، بصورة  رمزية ذات حمولات سياسية واجتماعية للإنسان العربي المقهور في ظل الأنظمة السياسية التي لا تعطيه حقه،  عندما تقدم  المشاهد بطريقة عفوية قد تفسر وفقًا لثقافة المتلقي، هذا جعله  يحاول تأويل  المنتج الإبداعي بأكثر من رؤية اخراجية .

كما تصف الاحداث الدرامية (القبطان) الذي  كان يجلس في مقدمة السفينة التي تسير في عرض البحر بلا هدى!…بينما (ركاب / شعب) السفينة قام تصالحوا  مع واقعهم  الذي يبعث على الممل بسبب أزمة   الانتظار  التي سادة في متن  السفينة الواقفة  منذ زمن، والتي ظلت تسير في عرض البحر بدون توقف.

 ويظل الجميع ينتظرون دون جدوى ، ويزداد القلق والتوتر عندما يتحدثون عن الدلو  الذي يلقى   في البحر، ليعود محملا بالرمال عوضا عن الماء؟! حينئذ يصاب الجميع بخيبة الأمل. وتزاد الأزمة ويصيبهم الخوف والدهشة  عندما يتخيلون بأن هناك رجلا يمشي على سطح الماء؟! بشكل عام شاب يشوب حوار الشخصيات  العبث والخوف من المجهول .

وجاءت تيمة “الانتظار”  في السفينة أقرب إلى مسرحية (في انتظار جودو) وهي تيمة عالمية تأثر بها الكثير من النصوص ذات الطابع العبثي. ويظل (فلادمير واستراجون ) يعيشان  زمن  الانتظار لوصول المنقذ الذي سيقدم لهم  الحل السحري !

تتوارى رمزية (السفينة) وراء الكثير من التفسيرات المرتبطة  بالإنسان البسيط الذي هضمت حقوقه، وأصبح يعيش حياة رتيبة ، تقتصر على الوظيفة، لذا  فإن  حياته  أصبحت أشبه بالسفينة الواقفة أو السجن  القسري، لذا فإن المسافرين ألفوا المكان وتصالحوا معه.

 تتصاعد الاحداث، عندما يقوم (الرجل) الشخصية  المحورية بممارسة  القمع على سكان السفينة،  ويغتصب الفتاة حتى ينصب نفسه قائدا للسفينة و يزيح القبطان، ويسعى إلى  السيطرة    على دفة  الاحداث …وفي الوقت نفسه، يظل يؤكد  بأن هناك رجلا يمشي على سطح الماء، ولكنه لم يصل إلى بر الأمان بعد!

     وبرزت في  هذه المسرحية  الطاقات التمثيلية ذات القدرات والامكانيات الجسدية ، الذين كانوا يؤدون  اداورهم   بأسلوب  يجعل المتلقي يتابعهم  بشغف وفضول لمعرفة بقية  الاحداث الدرامية.

وساهمت المؤثرات الصوتية والموسيقية في التعبير عن حال الشعوب العربية، ومعانتها في ظل الأنظمة السياسية في الوطن العربي، مع  استمرار  عبثية الحياة  على وتيرة واحدة  منذ مرحلة الشباب حتى الشيخوخة.

—————————————–

6- مسرحية (مجاريح)

مسرحية (مجاريح) للكاتب إسماعيل عبدالله، للمخرج محمد العامري ، عرضت سابقا في العديد من المهرجانات. واصطدمت احداث هذه المسرحية بجدار العنصرية والطبقية (العبودية)  بأشكالها ومفاهيمها المختلفة، بين عبودية الذات أو عبودية التقاليد والعادات، وعقدة   اللون، وعبودية المال ، وعبودية التمييز  بين الذكر والانثى.  وسعى   العامرى إلى  توظيف الموروث الشعبي في الفضاء المسرحي، ذات الدلالات والإيحاءات الإنسانية التي تتجاوز  المحلية إلى أبعد من ذلك .

    ونددت  مسرحية (مجاريح )  بالأفكار  المترسخة  في  الفكر الاجتماعي  الجمعي ، والذي في الغالب يعرقل العلاقات الإنسانية في تحقيق أحلامها، ويشكل حاجزا اجتماعيا واقتصاديا يصعب اختراقه. 

 وتمكن الكاتب اسماعيل عبدالله من بناء شخصياته، بصورة محكمة حيث ظهرت كشخصيات مركبة، تحمل معاني ومضامين تؤكد رفضها  للعبودية  بأشكالها المختلفة ؛ المادية والاجتماعية. و جاء النص متشبع بعناصر التضاد  البشري  من خلال موضوعة (الحب)  الابدية  التي تنتصر  لروح الإنسان الفطرية ، وتكون  الاداة الاقوى لتخطي الحواجز الاجتماعية.

    نطقت سينوغرافيا العرض برؤى المفردات والإكسسوارت المحلية والتراثية وأداء الممثلين. وتمكن العامري من دمج تقنية الغرافيك بالمفردات والإكسسوارات المحلية والتراثية، فيما اعتمدت المؤثرات الموسيقية  على الآلات والفنون الموسيقية الشعبية (الهبّان). وساعد التنوع في السينوغرافيا البصرية في  الانتقال  بسلاسة بين الأزمنة المتعددة للحدث المسرحي،  ومحاولة الربط  بين مقدمة  العرض وخاتمته، وفي البداية تظهر  (عذبة)  نائمة تفزعها دقات  الطبول، وعندما  تستيقظ تشاهد حبلا يتدلى على جانبي المسرح.

 رغم ان الاحداث تفتح بقصة حب بين  الفتاة والشاب اللذين  ينتميان لطبقتين مختلفتين، إلا أنها تتكشف وينفض الغبار عن قصة والدي الفتاة، عندما ارادت أمها الزواج من رجل اسمر كان يحبها وتحبه، ولكن المجتمع والأسرة رفضوا  هذا الزواج  بحجة العادات  والتقاليد والفروق الطبقية والاقتصادية بين الاثنين، ولولا شجاعة الفتاة واصرارها على الزواج، إضافة إلى القصة التي اظهرت الأب بدور الشجاع بعد انقاذه لشرف العائلة ذات يوم.

وتضمن مسرحية (مجاريح)   عناصر الفرجة  المستوحاة  من التراث الشعبي ، والتي تجسد مشاعر الحب والزوّاج. مع توظيف الأدوات الموسيقية الحديثة والأدوات التقليدية الكلاسيكية، مثل شخصية  (الهبان)  الذي يتنقل بسلاسة تامة بين الأزمة والعصور المختلفة. شارك في الأداء التمثيلي كل من : حبيب غلوم، موسى البقيشي، محمد غانم، بدور الساعي، ناجي جمعة، سارة، وآخرون.

7- مسرحية / قاعة الانتظار
تميزت مسرحية ( قاعة الانتظار ) من تأليف وإخراج أيوب أبو نصر ، بقدرتها على مخاطبة العين قبل السمع، عندما قلصت حوار الشخصيات، وجعلت الفعل يتمركز في مجموعة من المواقف الدرامية ، تشوبها عبثية الطرح والمضمون.
تعد مسرحية (قاعة الانتظار) مساحة لبوح الشخصيات ، وهي تطرح قضيتها الحائرة التي طالما سمعنا وقرأنا عنها كثيرا في الصحافة اليومية ، وذلك لتضمنها قاسما مشتركا للتعبير عن مرارة الحياة ، وتنتهي بقرار الانتحار والهروب نتيجة قضايا /مأساوية، مثل: الخيانة والظلم ونظرة مجتمع الذي يقدس التقاليد على حساب المبادئ والقيم .
وكانت ( قاعة الانتظار) مساحة للبوح والإجابة على الأسئلة العالقة عبر أربع مونولوجات تسرد الكثير من التفاصيل المحبوكة والأحداث بأسلوب يثير فضول الجمهور بحيث تزيد من تفاعله ولا تترك فرصة للشعور بالملل أو الشرود ، وهناك مشاهد درامية موازية تعبر عن مضمون المونولوج وهي مشاهد تكميلية تصنع فرجة مسرحية ذات أبعاد اجتماعية و نفسية .
ويظهر الرجل (الشخصية المحورية) و رجل دين يتوسطان يتوسط الفضاء المسرحي، بالإضافة إلى سيدتين. وكانت الرجل/ البطل هو الذي يقود الاحداث ويقوم بتصعديها، بينما بقية الشخصيات تكميلية وتكون كأداة توضيحية تسير على النهجين الفكري والايدلوجي. بينما كان الكومبارس الاستعراضي الراقص يؤكد الاحداث ويتحرك في عمق ووسط المسرح . ابتكر المخرج فكرة العباية السوداء التي كان الممثلون يرتدونها قبل الولوج في الدور، وعندما تفتح يخرج ما بداخلها في كل مشهد مسرحي .
ظهر في منتصف خشبة المسرح (المرحاض) الذي يتمركز حوله الممثلين الذين يسيرون في مسارين اليمين والشمال . وكانت كل شخصية تقعد على المرحاض، لتلقى بحمولاتها وقصصها وهمومها ، وكأن المرحاض بمثابة (كرسي الاعتراف) ، حيث يجلس أبطال المسرحية عليه، ليسردوا قصص الفقر والحرمان!…و تناثرت الاحذية حول المرحاض بعض الأحذية ، حيث كانت كل شخصية ترتدي حذاء مختلفا.
وكانت الشخصيات تخرج من العباءة التي ترتديها الشخصيات، لتحكي قصتها الحزينة والمؤلمة بسبب الفقر وتردي الأوضاع المادية . وكانت الشخصية تقعد على المرحاض وتسرد خطوات انحرافها عن جادة الصواب ، وهذا ما حدث مع الفتاة التي القبض عليها تمارس الدعارة ، وبعد خروجها من السجن، ظلت تمارس مهنة الضياع والانحراف!
وتعبر (العباءة السوداء) عن رموز ودلالات الدينية والاجتماعية والارهابية ، كنتيجة للأثر السلبي والفهم المغلوط للدين . وبشكل عام تحمل (العباءة) دلالات ذات صلة بالمورث العربي الثقافي، عندما ترتدي المرأة العربية الشرقية (العباءة) كنوع من الستر لجسدها الذي تخفيه عن الرجال.
ساهمت الموسيقى والمؤثرات الصوتية الأخرى في العرض المسرحي ، مثل : (صوت نفث السيجارة، الاحذية ، خطوات الاقدام ) في تصعيد الحدث وتأزم الحياة. قام بأداء الادوار التمثيلية: كل من جليلة التلمسي و ساندية تاج الدين و عصام الدين محريم و منصف.

رابط الجزء الثاني من المقال : ثانيا: عروض المهرجان (المسار الأول)

د.عزة القصابي – ناقدة وباحثة (سلطنة عُمان)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح