أخبار عاجلة

صراع السلطة والمال والحب يؤطر عروض مهرجان المسرح العربي الدورة الثانية عشرة (الجزء الثاني) – د.عزة القصابي

الجزء الثاني من مقال : صراع السلطة والمال والحب يؤطر عروص مهرجان المسرح العربي الدورة الثانية عشرة

عروض عربية حاولت الإجابة على أسئلة وجودية وفلسفية واجتماعية

 ضمن تنوع جمالي وفني في مهرجان المسرح العربي، وتحت رعاية الهيئة العربية للمسرح،  الدورة الثانية عشر في العاصمة الأردنية عمّان من 10 إلى 16 يناير2020م،   قدمت   خمسة عشر عرضا مسرحيا عربيا ، منها تسعة عروض تنافست على جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي للحصول على مركز أفضل عمل مسرحي عربي للعام 2019، أما بقية العروض في المسار الثاني، فقد كانت كعروض موازية  عرضت  خارج اطار مسابقة الجائزة في مهرجان المسرح العربي .

     تنافست في  المسار الأول على جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي تسع عروض مسرحية، وهي: مسرحية (جي بي اس)  من الجزائر، ومسرحية (النمس) من المغرب، مسرحية (الجنة تفتح ابوابها) من الأردن، ومسرحية (سماء مفتوحة) من تونس، ومسرحية (مجاريح) من الامارات، ومسرحية (بحر ورمال) من الجزائر، ومسرحية (قاعة الانتظار) من المغرب، ومسرحية (الصبخة) من الكويت، ومسرحية (خرافة) من تونس.

   وشارك في المسار الموازي، كل من:  مسرحية (رهين) من الجزائر، ومسرحية (أيام صفراء) من مصر، ومسرحية (ثلاث حكايا) من سوريا، ومسرحية (على قيد الحلم) من الكويت، ومسرحية (سماء بيضاء) من تونس، ومسرحية (كميا) من سوريا.

    ورافقت  فعاليات  المهرجان  ندوات فكرية وجلسات ومؤتمرات صحفية، اضاءة عتمات الفرجة المسرحية، وسطرت بكلماتها الرؤى الفكرية والفنية، وأوجدت جوا تفاعليا بين الوفود المشاركة. ولابد من الإشادة بالنقلة النوعية في الملتقى الفكري، الذي حرص على تغيير آلية عمل الملتقيات الفكرية المعتادة، ومحاولة إيجاد مناخ احتفالي، يناقش ويجيب على أسئلة العروض، إضافة إلى التطبيق العملي، وكسر أجواء الندوات المتعارف عليها.

    وفيما يلي قراءة تحليلية نقدية للعروض المسرحية  المشاركة، والتي تمايزت في الرؤى الجمالية  للصورة البصرية  والأطر الشكلية والاطروحات الفكرية والاجتماعية والسياسية .

أولا: عروض المسابقة (المسار الثاني)

 

ثانيا: عروض المهرجان (المسار الأول)

1- مسرحية (سماء أخرى)
قامت (فرقة أكون) بإعداد نص الكاتب الإسباني كارسيا لوركا يدعى (يرما)، الذي كتب عام 1934، والذي يتحدث عن سيدة متزوجة من رجل يعاني من الضعف الجنسي ويتسبب ذلك في حرمانها من الانجاب. في حين أن المجتمع يتهمها بأنها السبب في عدم الانجاب!.. وتعيش (يرما) صراعا ذاتيا أولا مع نفسها، وصراعا خارجيا مع الحياة والناس، وصولا إلى النهاية المأساوية وموت زوجها جوان..
قام الكاتب محمد الحر بإعداد النص والمعالجة الدرامية والذي خرج بعنوان (سماء مفتوحة) وقام الحر بتقديم رؤية مغايرة ذات توليفة فنية مركبة ومنسجمة من الصور، مع الاستدلال بشفرات الرموز وأبعادها المرئية والخفية ذات المعاني والدلالات الشاعرية المتباينة.

وتتحدث هذه المسرحية عن (يرما) سيدة جميلة في مقتبل العمر تعاني من الحرمان من الأمومة، وتحاول ان تعيش عزلتها مع هوايتها التصوير الفوتوغرافي . أما زوجها هو مهندس معماري مشغول بعمله في تصميم المباني المعمارية ، و يتعامل معها بقسوة وجفاف وانعدام المشاعر والحب، وهذا يتسبب في استحالة الحياة الزوجية بينهما .
وفي ظل توتر الاحداث ورغبة الزوجة الحثيثة لكي تصبح أما، فإنها تلجأ إلى العرافة لتخبرها أن زوجها عاجز جنسيا ، وعليها أن تبحث عن رجل آخر لكي تنجب منه طفلا. حينئذ تعيش الزوجة صراعا مع ذاتها ، لكونها ترغب في الأمومة ، وبين الشروع في التفكير في خيانة الزوج مع الآخر. وفي خضم الاحداث يتسلل إلى حياة الزوجة شاب، لديه علاقة سابقة معها، الذي يبعث الأمل والحب في قلب الزوجة المحرومة، مبددا عنها الممل والاحساس بالضياع .

وتبرز (يرما) كبطل تراجيدي يعاني من قدره، وتلجأ إلى العرافة التي هي بمثابة (الآلهة) التي يمكن أن تمدها بالحل ! في محاولة للتملص من واقعها . فيما كانت الشخصيات الثانوية تساعدها في الكشف عن شخصيتها واطراف الصراع معها . وجاء العرض على هيئة قصيدة شعرية، حالمة ، تسرد أبعاد قضية اجتماعية في ظل عذاب الذات الانسانية.
سادت في العرض الكثير من المونولوجات الذاتية للتصريح بمشكلة الزوجة المكلومة. وتعد المونولوجات وسيلة للتعبير عن الحوار الذاتي، عندما تتفاقم الأزمة لدى الزوجة فإنها تعبر عن ذاتها بواسطة (المونولوج ) .

وتنتهي ثورة (يرما) الأنثى المحرومة والمحاطة بتابوهات المجتمع بقتل زوجها، ورميه في المياه التي وضعها المخرج على اعتاب المسرح . بذلك تنهزم الخرافة وتكهنات العرافة الغارقة في الوثنية ، لتعلن انهزامها أمام هذه الزوجة الحائرة من الألم والفرقة .
تمكن المخرج المغربي من ابتكار السينوغرافيا التي تحاكي واقع الانثى الحائرة، والمهزومة التي خذلها زوجها . ويظهر الزوج وهو يضع قدميه في نهر ماء جاري في مقدمة خشبة المسرح. وهي بذلك تحاول أن تتخلص من أوجاعها وعذابتها وتغتسل بالماء الجاري. عبر تاريخ البشرية، فإن (الماء) يحمل دلالات التطهر والاغتسال من الآثام والذنوب، ولا تزال الانهار مكانا للعبادات المقدسة عند الكثير من الديانات السماوية والوثنية.
ومن الملاحظ أن المخرج لم يدخل الماء جزافا في الاحداث، ولكنه ربطه بالتخلص من عذابات الحياة والتطهر. كما كان (النهر الجاري) الملاذ الأخير للزوج بعد موته. وعندما أراد الشاب العشيق الوصول إلى قلب الزوجة الشابة فإنه كان يستحم في الماء. وعندما كانت الزوجة ترغب عن التنفيس عن ذاتها أمام العرافة، فإنها تقترب من الماء الجاري.

تقوم الزوجة بدحرجة (ثمار البرتقال) على خشبة المسرح، عندما تتأزم الحياة ويشتد النزاع بينها وبين زوجها، فإنها تقوم برمي الفاكهة لتسقط في الماء مرة أخرى. وهذ يؤكد أن الماء وسيلة لانزياح الذات، وأقرب إلى الطقوس والعبادات التي تؤدى قرب الماء، بهدف التطهير.
ولم يغفل المخرج في هذا العرض خلفية المسرح، عندما استغله لوضع شاشة تجسد معاني الحزن والانكسار، كما كانت تظهر “صورة حصان” لدلالة على عدم قدرة الزوج! .. هذا جعل العرض يختزل الكثير من الدلالات المتضادة بين القوة والانهزام والحب والجفاف والخير والشر. كما أكدت أزياء الممثلين الذين كانوا يرتدون اللونين الأبيض والأسود، صراع الحياة بين واستحالتها بين الزوجين.
9- مسرحية (خرافة)
مسرحية (خرافة) من تأليف علي عبد النبي الزيدي، وإعداد رضوان عيساوي، وإخراج أيمن نخيلي. وتبحر هذه المسرحية إلى عالم ما بعد الموت، بأسلوب ساخر يكشف غربة الإنسان العربي في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية بأسلوب عبثي ووجودي. وهذا جعل المواطن غير قادر على تحرير عقله، أو محاولة الانتفاضة على (الأنظمة) التي تتحكم بمصيره.

وتعكس الاحداث الراهن العربي الذي يعاني من الشتات وعدم الوحدة العربية، في ظل مزيد من صراعات الكثير البلدان العربية، لذلك فأن عرض مسرحية (خرافة) يجسد ضياع الديمقراطية، وثورات الربيع العربي التي لم تسطع أن تحقق الديمقراطية السائدة في عالم الأموات، ناهيك عن البلاد الأخرى التي تعاني من تشرد الأبناء وسرقة أحلامهم

تبحث مسرحية (خرافة) عن الواقع الخرافي بين الأموات والقبور، عندما تلقي الضوء على خمسة أموات بعد مغادرتهم للحياة، والذين أصبح حالهم أفضل عما كان عليه سابقا، مع إثارة تساؤلات فلسفية عن الموت والحياة في وسطى يصعب التكهن بواقعها المبهم، هربا من واقع الحياة المتأزم والمتعثر. واستطاع الكاتب الزيدي، أن يستوحى من عالم الأموات موضوعات حية لمسرحياته، تعمل على بعث الأموات من القبور لكي تتمسرح، وتعبر عن واقعها الصعب عندما كانوا احياء في أوطانهم ولم تحفظ كرامتهم.

وتفتح المسرحية بظهور (ملكا القبر) يقومان بزيارة قبر (ناجح ولد خضراء) لأخباره أن اسمه غير موجود في قائمة الشهداء، لذا كان عليه العودة؟!! ونتيجة لذلك نراه يثور ويغضب مؤكدا بأنه مات شهيدا! وكان يظن أن قبره سيصبح روضة من رياض الجنة! لذلك فإنه يسعى إلى نيل الشهادة، ليصبح ضمن مراتب الصديقين والابرار!

ويظهر الحزن على الميت عندما يجلس ليفكر بواقعه الحزين!.. سرعان ما تظهر شخصية (ابليس) يرتدي زيا ابيضا واسودا، ليخبره الميت أنه يجب عليه الرجوع إلى الحياة الدنيا وترك القبر فارغا.

كما تظهر شخصية السكير/العربيد الذي استشهد بعد ان اخترقت قلبه رصاصة تسببت في موته ونيله الشهادة، في حين أن شخصية (الناجح الحي) يرغب في العودة للقبر، ويطلب من الميت الآخر أن يترك مكانه لينال الشهادة للتكفير عن ذنوبه. لكي يدخل الجنة الموعودة حيث الحوريات في جنات الفردوس.

ويقع صراع بين (ولد خضرا) الذي يريد أن يظل ميتا وينال المراتب العلا في الجنان، مع أموات آخرين يرغبون في الفرار من عالم الأموات، بسرعة، تخوض الشخصيات الصراع مع الميت في قبره، وهذا جعل الأموات يتصارعون من أجل الخروج من المقبرة، بينما (الميت) – الذي كان يعتقد أنه شهيد- يظل متشبثا بقبره ولا يريد العودة إلى حياة الدنيا! لأن حياة الأموات أرحم بكثير من مشاكله في الحياة.

وتظهر ضمن عالم الأموات زوجة الميت/ الشهيد، ترتدي فردة واحدة من كعب عال احمر اللون ، للدلالة على عدم الاتزان والخلل . ويغلب على الديكور والازياء ضبابية الموت وأجواء المقبرة، أما الزوجة هي الأخرى تريد العودة إلى الدنيا!

وفي المجمل، أكدت شخصيات مسرحية (خرافة) أن واقعنا المعاصر أصبح مثارا للسخرية والانتقاد، باستثناء الميت/ الشهيد الذي اختار حياة (القبر) على الدنيا، لانّ الحياة مجرد خرافة! ، و في المقابل، فإنه في القبر الضيق يستمتع بإنسانيته وحريته .

قامت الإضاءة بإبراز ملامح الحياة ما بعد الموت، ونشاهد الضوء الأصفر الذي يتسلل إلى المسرح وسط العتمة، بمصاحبة نشيد الموت والموسيقى الحدادية، لخلق جو يوحي بالموت الذي يحاصر المكان الذي خرجت منه سبع شخصيات(نساء ورجال)، وهي ترتدي الأكفان الموتى، حيث البياض الذي غطى أجسادهم ووجوههم، و يتخلل العرض صوت (صفارة انذار، اسعاف، صوت حركة الأجساد على الركح) .
ويظل الأموات/ الأحياء ينتقلون بين عالمي الاحياء والاموات.. وبعد استقرار الأموات يتضح بأن هناك (دولة الأموات الديمقراطية) التي يتوفر فيها، ما يفتقده الناس في الحياة!

ارتدت معظم الشخصيات زيا أبيض اللون، متشابه في التصميم كنوع من توحد وتساوي مواطني المقبرة في الحقوق والواجبات. وكان ملكا الموت يرتديان زيا ابيضا مع شال وقفازات باللونين الأسود والأحمر . قام بالأداء التمثيلي في هذا العرض، كلا من : أسامة كشكار وجوهر الحسناوي وفاتن الشوايبي واميمة المحرزي ورضوان عويساوي وخالد ناصف ومكرم الغزي.

———————————————-
2- مسرحية (رهين)

ولدت مسرحية (رهين) للمخرج شوقي بو زيد من رحم الثورة الجزائرية، الذي قام بإعداد نص (لفافة وطن) للكاتب محمد بويش، الذي أخرج شخصية (الرهين) ليضعها أمام الجمهور، لتثور وتتمرد على الأوضاع السياسية الراهنة .
ظهرت شخصية (رهين ) كبطل شعبي تراجيدي ، يتشكل أفقه عبر حراك سياسي شعبي يتجسد عبر الفضاء المسرحي. واستندت الاحداث الدرامية في هذه المسرحية على مواقف (رهين) ، كشخصية محورية تسعى إلى تحقيق العدالة والحرية. وهو يسعى إلى التغيير والتحرر من النظام السياسي الذي يكبل حريات الناس، والذي ينطلق من الشارع لمحاولة تغيير السلطة التي تحتاج إلى سنوات ومزيد من الوعي السياسي.
وتظهر جماليات الرؤية البصرية لهذا العرض من خلال توظيف الإضاءة لإبراز مواطن الحدث والصراع الدرامي. وعكست الإنارة اللونين الأبيض والأسود ، إضافة إلى اللون الأحمر الذي يوحي بقتامة الاحداث والعنف الذي يتخلله التنكيل بالرهين الثائر الذي يطالب بالحرية . كما أن الثائرين استغلوا الفضاء المسرحي من الخشبة وحتى صالة المشاهدين ، وهذا مكنهم من كسر العلبة الإيطالية. مع سيادة الفضاء الأسود الذي يحمل دلالة تشير إلى الغموض، والتي كانت مسرحا لتشكل الإضاءة حسب الموقف الدرامي.
وارتدى الممثلون الأزياء التي تنسجم مع زي شخصية (الرهين) الأحمر للدلالة على العنف والغضب، أما الرهين كان يرتدي اللون الرمادي، لدلالة على منطقة وسطى تتحقق العدالة الصادقة بين الشعب والحكومة. وجاء أداء الممثلين منسجما متعاطفا مع القضية، لأنهم جميعا عاشوا تجربة الثورة والتمرد، لذا فإنهم يحاكون الواقع، وينتصرون لذواتهم المقهورة من ظلم الأنظمة السياسية التي تحكمهم، كما أن ردود أفعال الممثل الذي يقوم قام بدور رهين، عبرت بصدق عن مرارة الواقع …
————————————————– 

3-مسرحية (كيميا)

عبر فضاءات افتراضية اجتماعية جاءت مسرحية (كيميا)، من إخراج عجاج سليم، الذي قام بإعداد نص (مجالات مغناطيسية) للكاتب الروسي الكسندر اوبرازتسوف. وانبلجت احداث هذه المسرحية في ظل عدم الاستقرار وانعدام الأمان ، عندما أصبح الإنسان المعاصر يبحث عن الجانب الإنساني (العاطفة) في ظل طغيان المادة، وتحكمها في تفاصيل حياته اليومية، وهذا ما جعل العرض يفتتح بكلمات محمود درويش “على هذه الأرض ما يستحق الحياة”.
وتظهر الفتاة في مستهل الاحداث وهي تستعد للزواج من الشاب الذي لا تحبه، في حين هو يراها فتاة أحلامه ، الحب يكون من طرف واحد ، وهي لا تزال في القفص الذهبي مع زوجها.
يسود العرض مجموعة من المواقف والتوترات الدرامية عندما يتحول الحب من اعجاب إلى علاقة غرامية عبر المجال المغناطيسي الذي يتحكم بمصير الكثير من المحبين . وهذا الانجذاب الإنساني جعل الإنسان يعبر عن مشاعره بعيدا عن الزيف الاجتماعي… لذلك فهو لا يرغب أن تعيش ابنته في نفس التجربة، لذا كان الأب عاملا مساعدا للكي تعيش ابنته مغامرة الحب!
وفي احداث حكاية مسرحية (كمياء) نجد ظلالا للمدرسة الرومانسية التي ظهرت في القرن السادس عشر مثل مسرحيات شكسبيرية . وعادة الحكاية تغادر العالم المادي ، لتعانق القلوب المرهفة. ورغم تفاصيل الاحداث، وتعدد الشخصيات، إلا أن المخرج عجاج تمكن من إجلاء الفضاء للممثلين، واكتفى بوجود (كرسي) .
وقسم المخرج عجاج الفضاء المسرحي في هذا العرض إلى: عمق المسرح، خشبة المسرح، كما أنه تمكن من المزاوجة بين هاتين المنطقين ، لتكملان بعضهما الآخر…عبر رؤية بصرية وجمالية تفصح عن مشاعر المرأة المتزوجة التي كانت تحب رجلا متزوجا خارج اطار اللاوعي، بسبب كيمياء الحب العجيبة !
وسادت الحوارات الذاتية (المونولوج ) للعشيقين لتعبير عن حبهما ولوعة الهوى ، وكان هناك تماثل بين خشبة المسرح من الامام وعمق المسرح، الذي كان يجسد اللاوعي والمكبوت!
بالإضافة إلى ظهور الشخصيات الثانوية، التوضيحية في العمق، فقد ظهرت (فتاة) بمثابة (كيوبيد) الآلهة الذي قد يصيب القلوب بسهام الحب لا اراديا ، لذلك ظلت الشخصيتين في ( المجال المغناطيسي ) دون أن تجد حلا لعلاقاتها التفاعلية.

تضمنت مسرحية (كميا) على رؤى بصرية جمالية متناغمة من المشاعر مع الإضاءة والموسيقى، والتي توافقت مع طبيعة الديكور والأزياء والستائر المُسدلة والتصاميم الحركية الجرافيكية التي ظهرت على الشاشة في عمق المسرح. وقامت الموسيقى بدور فعلي في رفع وتر الموسيقى، وتكثيف الاحساس بالمشاعر الجميلة، ضمن مقترح لمسرح حديث يركز على المعنى.شارك في التمثيل : مأمون الفرح وزامل الزامل وعلا سعيد د وسلوى حنا وسليمان قطان وفادي حموي وطارق نخلة.

4-مسرحية (أيام صفراء)

وسط غوغائية الحياة المعاصرة، وضعف العلاقات الإنسانية بين البشر، والحروب والدمار جاءت رائعة الكاتبة السويسرية دانييلا يانيتش، بعد اعد النص الكاتب عمر توفيق، لتصبح بعنوان (أيام صفراء) والتي أخرجها أشرف سند، وهي من إنتاج مركز “الهناجر” للفنون .
تناقش هذه المسرحية قضية الاختلافات الأيدولوجية بين أفراد الأسرة الواحدة، وعدم قبول الرأي الآخر من خلال سرد قصة زوج وزوجة وشقيقها، ينتمي كل واحد منهم إلى اتجاه فكري مختلف، كما أن كل واحد منهم يبحث عن ذاته وفكره وموضوعاته .
عبرت السينوغرافيا العامة للعرض المسرحي عن رؤية جمالية ، عندما تحول المسرح إلى ملعب كرة، وظهرت (شبكة) الملعب معلقة في أعلى المسرح ، بصورة كاريكاتيرية تعكس الواقع بسخرية سوداوية .
وظهر (الكومبارس) من الراقصين والاستعراضيين في عمق المسرح، يتخلله التفاعل والاستعراض والأداء الحركي الذي يؤديه الممثلين الذين انقسموا إلى فريقين، متنافسين ومتناقضين في الأفكار والاتجاهات، وهذا ما حدث لبطل المسرحية عندما حاول الانغماس في الحزب المناضل ولكنه فشل في الاندماج معهم.
مع تطور الاحداث، يظهر الزوج غير قادر على التفاهم مع زوجته، وذلك لاختلاف الرؤى الفكرية والثقافية، حينئذ قرر الهرب وتشكيل حزب مغاير فكريا ، ليتكشف أن أعضاء هذا الحزب مختلفين. لذلك يقرر مرة أخرى البحث عن أحزاب أخرى ، ولكنه لم ينجح في الانضمام لأي حزب سياسي ، لذا يقرر العودة إلى منزله وزوجته ليتكشف أنه مختلف عنها أيضا!
حفلت هذه المسرحية بكثرة الشخصيات وتعدد قطع الديكور والحوار السردي ، وهذا جعل إيقاع العرض يعاني من الاطالة ، وكان الاجدى تكثيف الحدث المسرحي، والتركيز على الفعل المسرحي الذي يوضح الفكرة الأساسية للمسرحية. وهذه المسرحية من بطولة كل من : رباب طارق، رامي الطمباري، عابد عناني، مخرج منفذ رمضان موسى.

5-مسرحية (ثلاث حكايا)

منذ الوهلة الأولى أعلن الممثلون بقيادة (الراوي) بأنهم ممثلين متجولين من الشارع يرغبون في تمثيل حكاياتهم، بهذه العبارة افتتح المخرج السوري أيمن زيدان عرضه الفرجوي.
تقدم مسرحية (ثلاث حكايا) بأسلوب قصصي يصف حياة الناس البسطاء ومعانتهم الاقتصادية والاجتماعية، وسط فرجة يتوسطها (الراوي) الذي كان يحكي القصة الواحدة تلو الأخرى . وهذا العرض من إخراج أيمن زيدان، وأعده محمود الجعفوري عن نصّ المسرحي الأرجنتيني أوزوالدو دارجون ، الذي قدم العديد من الأعمال بعد انضمامه لمسرح فاري موتشو سنة 1956، مثل الثلاثية المسرحية العبثية (قصص تروى) و (ضربة شمس) و(حكاية صديقنا بانشو) و(قصة الرجل الذي صار كلباً). كما أنه دأب على كتابة أعمال ذات طابع سياسي ونال جائزة من دار الأميركيتين عام 1962.
يرتكز موضوع مسرحية (ثلاث حكايا) حول ثلاث حكايات تدور حول ثلاثة رجال، يعانون من العوز والفقر . وفي الحكاية الأولى: يظهر رجل فقير يبيع الحلويات في الشارع، يضع بضاعته في صندوق يجوب بها الشوارع باحثا عن لقمة العيش، حتى يموت من العوز والفقر والمرض دون أن يلتفت أحد إليه.
وفي الحكاية الثانية يظهر رجل آخر يعاني من العوز والفاقة الذي يدفعه إلى المغامرة للمساهمة في صفقة تصدير لحوم الجرذان إلى أفريقيا، ومن سوء الحظ أن يكون ذلك سببا في انتشار الطاعون ليتحمل الخطيئة بنفسه، بعد أن تخلي المسؤولين عنه، وكان ذلك سببا في الموت شنقا.
تتصف الحكاية الثالثة بأنها ذات طابع ساخر حول الانتقاص من آدمية الإنسان. وهي تتحدث عن رجل يعاني من الظروف المالية التي تجعله غير قادر على الانفاق على زوجته، ويبدأ في البحث عن مصدر رزق . في النهاية لا يجد سوى وظيفة ( مساعد حارس)، ولكن المطلوب منه أن يتحول إلى كلب. وتحت طائلة الفقر والحاجة، يوافق الرجل ويؤدي حركات الكلاب بدون تردد، حتى أنه يتطبع بسلوكها و يقبع في منزل كلب، وهو يرتدي طوقٌا في عنقه كدليل على العبودية والفقر والبؤس، وتدني المستوى الإنساني عندما يوافق على وضع طوق للكلاب حول رقبتها ! و كان ذلك بمثابة الصدمة للمتلقي ، إذ كيف يوافق الرجل لكي يعمل ككلب حراسة؟!
وبذلك تفصح ثلاث حكايا عن واقع المواطن العربي المتأزم ماديا ، الذي لا يجد ما ينفقه على أسرته، و هو ضحية للأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وتتحول الشخصيات الثلاث إلى مجرد أجساد أنهكها البحث عن لقمة عيش حتى نسيت إنسانيتها ليعود الممثلون في النهاية، وبعد انتهاء حكاياتهم إلى عربتهم المتنقلة وسط أصوات القصف، بأسلوب ساخر يقترب من الكوميديا السوداء، التي تضحك وتبكي في آن واحد.
اتسم الأداء التمثيلي بالتقمص والتشخيص دون الادماج في الدور، وكان الراوي هو الذي يحدد بداية التمسرح والفرجة المسرحية، وكان الممثلون ينتقلون من حكاية إلى أخرى، مرتدين الأقنعة ويقلدون أدوار المدراء ورؤساء الشركات .
سادت الفرجة الاحتفالية الفضاء المسرح، وظهرت الشخصيات وهي تتقمص الادوار وترتدي الأقنعة وتحاكي الدمى . وكان الديكور يتشكل حسب تفاصيل الحكاية ومضمونها امام الجمهور، ترافقها الإضاءة والازياء والموسيقي كعناصر مهمة في الفرجة في الفضاء المسرحي.

ارتدى الممثلون زي المهرجين لدلالة على السخرية من الحياة ومن الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتدني، حيث كانت الشخصيات تقوم بأكثر من دور يمزج بين التراجيديا والكوميديا.

6- مسرحية (على قيد الحلم)

يتحدث عرض مسرحية (على قيد الحياة) عن قصة حب تتمرد على قيود رقابة الأحلام، التي تتحول إلى رؤية تحمل في طياتها الحب والسعادة. وهذه المسرحية من تأليف تغريد الداود وإخراج يوسف البغلي، لفرقة مسرح الشباب التابعة للهيئة العامة للشباب.
وتحكي هذه المسرحية عن قصة شاب رومانسي يعيش بعيدا عن واقع مجتمعه، حيث عالم الحلم في اللاوعي، وفي هذه المنطقة يتحقق ما يتخيله الإنسان، عكس الواقع الذي يتناقض ويختلف عن احلامه وتطلعاته .
وتطور الاحداث لنجد هذا الشاب يعيش قصة عاطفية مع فتاة لا تتناسب مع مستواه الاجتماعي ، ويظل هذا الشاب الذي يعيش في صارع ذاته. ويعطي لنفسه الحق ليعيش لحظات الحب والتجلي مع فتاة اختارها قلبه، إلا أن العالم الافتراضي الذي أوجدته مخيلته ، أصبح لا يتناسب مع حراس/ رقابة الحلم، والذين سرعان ما يلقون القبض عليه بتهمة تجاوز الحد المسموح من (جرعة الحلم) بأسلوب كوميدي ساخر .
يظهر في بداية المسرحية مجموعة من الناس، يحملون نعش/ جنازة يسيرون بها، بينما الميت على قيد الحياة، يسترق السمع لحديثهم !! وسرعان ما يخرج من النعش بأسلوب عبثي ساخر ليتحدث مع المعزين، وهم مستمرين في البكاء.. في حين أن الرجل، يبرر موقفه ذلك، بأنه أراد أن يهرب من واقعه، ليعيش عالما مختلفا يقترب من عالم الحلم واللامعقول.
ووظف المخرج مشهد الجنازة بأسلوب كاريكاتيري ساخر، عبثي، عندما نشاهد الميت يستيقظ من فراشه، ويتحدث مع المعزين دون أن ينتبه إليه أحد بأنه المتوفى حي يرزق! وإنه يتحدث بلغة عبثية فلسفية تعبر مأساة الإنسان العربي.
جاءت مشاهد العرض على هيئة لوحات متتابعة بأسلوب ملحمي، حيث كان هناك عنوانا لكل لوحة قبل ظهورها. وفي المشهد الأخير تداخلت الصور والاحداث في الصور لذهنية التي توالت على مخيلة الفتاة، وهذا اربك المشاهد وجعله غير قادر على التمييز بين الحلم والواقع .
استطاع المخرج أن يقسم المسرح إلى مستويين : مستوى الأعلى، ومستوى أعلى. يظهر في أعلى المسرح النجوم والسماء العالية، حيث الشخصيات لا تزال تحلم دون أن تحقق أحلامها، لذلك فأنها تعيش في عالم افتراضي بعيدا عن الواقع.

واقترن الحدث في خشبة المسرح بالواقع ، وحياة الإنسان المقهور والسجين. وساهمت المرايا في رصد التحولات بين الحلم والواقع، عبر مشاهد جمالية، بالإضافة إلى الإضاءة المركزة.
تنوعت جماليات العرض المسرحي، التي انطلقت من السواد العام الذي ينتشر في المسرح، في حين كانت الإضاءة بمثابة الفيصل بين المتناقضات، الحلم والواقع، الخير والشر، وكان الممثلون يرتدون ملابس تمزج بين السواد والبياض عبر لوحة بصرية جمالية .
شارك في التمثيل كوكبة من نجوم الفن الكويتي، مثل: من حمد أشكناني، حسين المهنا، خالد السجاري، آية الغمري، أريج الخطيب ومحمد عبد الرزاق.

7- مسرحية (سماء بيضاء)

تختزل مسرحية (سماء بيضاء) من تأليف وإخراج وليد دغسني، الصراع الأزلي بين المرأة والرجل في ثنايا حبكتها الوجودية، مع استغلال الفضاء المسرحي للتعبير عن موضوع المسرحية. ومن الملاحظ أن عنوان المسرحية يخالف لون السماء الأزرق المتعارف عليه، الذي كان يتغير ليصبح لونه ابيضا ، فهل استطاع هذا العنوان التعبير عن عالم الشخصيتين حواء وآدم ؟!

ساهم الفضاء المسرحي في جعل الحدث الدرامي يحلق عبر سماوات المسرح التي تعددت ردهاتها ومخارجها. وهذا جعل الشخصيتان تتحركان بكل يسر وسهولة عبر الأفق الممتد في منطقة تتوسط الفضاء المسرحي في الاتجاهات المختلفة. وكانت المرأة تثير الجدل مع الرجل، حيث ظهرت الشخصية المحورية (المرأة) تتحرك في المسرح، مرتدية اللون الأبيض، بينما يتبعها الرجل مرتديا زيا أسودا …وكان يتحاوران بطريقة متوازية دون يتقابلان وجها لوجه ، للتأكيد أن الحوار بينهما حورا ازليا يناجي الذات .

ومع تصاعد الاحداث وتطورها يحاول الرجل اقناع المرأة لكي تذهب معه، ولكنها تظل تنتقل بين السماوات البيضاء، بكامل عنفوانها الانثوي، متحدية الرجل. حتى تحولت إلى رمز يتناقض مع ( الرجل/ الكاهن) والذي اخترقت محاربه الذي كان يقدس الالهة ، ويقدم القرابين لها. ورغم قدرته على الانتصار على المرأة، إلا أنه يبقيها ويحاول اخفائها عن أعين الالهة، بينما تظل المرأة تصول وتجول في سماء المسرح، تدفع بالأحداث قدما، لتؤكد بأنها هي (حواء) التي عصى ادم الله من أجلها عندما سمع كلام ابليس !..يتبع ذلك ظهور (التفاحة) التي تتدرحج لتأخذها المرأة، وتكون في الوقت نفسه، سببا في فناء الرجل !
وفي أقصى يمين خشبة المسرح ظهرت مشنقة، كنهاية مأساوية للرجل، بعد أن سمع كلامها، وكان هذا سببا في هلاكه وإخراجه من الجنة لأنه أكل التفاحة!

وتمكنت الممثلة التي أدت دور المرأة في التعبير والأداء والاستعراض والرقص، وارتداء الأقنعة، والتي كانت تتمسرح وفق رؤية جمالية فلسفية. قام بأداء الأدوار كل من: منير العماري واماني بلعج.

واحتلت الإضاءة في هذه المسرحية الصدارة، نظرا لأنها ساهمت بدور فعلي في التحولات ودفع الحدث وصولا إلى لحظات التأزم . كما أنها شكلت عاملا مشتركا لضبط أرضية الركح أو خشبة المسرح . وجاء الديكور بسيطا، من خلال توسط (الرحى) خشبة المسرح، مع وجود كرسي يتوسط المسرح لدلالة على العرش. وظهرت في اليمين (مصطبة) مربعة الشكل تشبه (المعابد) التي تذبح القرابين فيها، يعلوها عمود الاله، وفي الأعلى يظهر سيف مغروس في الخشب، ويغلب على الأزياء اللون الأسود كدليل على الموت والدمار والضياع.

ساهمت الموسيقى في تصعيد الحدث المسرحي وإثارة الصخب والخوف، واشعال الصراع الدرامي بين الشخصيات، و انسابت الإضاءة على أزياء الممثلين بأسلوب فني كما هو الحال في المشهد الذي تظهر المرأة وهى تدير الرحي، وتتحدث عن الموت. ومع تغير ألوان الإضاءة حسب مواقف التي تعيشها المرأة، والتي تباينت الألوان بين الأصفر والاسود والأبيض، يظهر شبح يرتدي اللون الأسود.

ختاما، تمايزت العروض المسرحية المشاركة في الدورة الثانية عشر لمهرجان المسرح العربي، في موضوعاتها، ولكن ظل الإنسان العربي المقهور سياسيا واقتصاديا واجتماعيا محورها؛ ابتداء من الظلم الواقع على الشخصيات ابتداء من الفقر، وتقييد الحريات ومصادرة الفكر، وانتهاء بمصادرة المشاعر والاحاسيس في الحياة الاجتماعية، لتفر الشخصيات إلى عالم الحلم، باحثة عن عالم يحقق لها السعادة والرضى الابدي.

وفي ختام الدورة الثانية عشر في مهرجان المسرح العربي، فاز بجائزة أفضل عرض مسرحي متكامل عرض مسرحية (جي.بي.اس) من الجزائر.

رابط الجزء الاول من المقال

د.عزة القصابي – ناقدة وباحثة (سلطنة عُمان)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح