صباح ومسا.. ملليمتر من الانحراف – محمد علام #مصر

ومسا
من مسرحية صباح ومسا إخراج عبد الجبار خمران

صباح ومسا.. ملليمتر من الانحراف – محمد علام #مصر

بنت وولد، وعالم غامض الفهم، شديد البرودة.. يتصادقان، وتنبت بينهما عداوة، ويتحابان بعد أن تنتقل عدوى عداوتهما إلى العالم الخارجي، ومع كل يد تفرك الصدر لعلها تبدد ألما، أو اليد التي تقبض على اليد التي عزمت على الرحيل الآن، أو الشعور العام بالضياع والانهزام، ينبت حب، ويشرق نهار جديد.

الفتاة التي ستظهر متشبثة بعامود نور وحيد في قلب المسرح الغارق في السواد، ليست إلا روحا هائمة على غير سبيل محدد مسبقا، ولن تجد سوى مقعد وحيد تستريح عليه كأنها قادمة من سفر طويل، فتنزع نظارتها وأحيانا تتخلص من معطفها الأحمر، لا كلمة واحدة ستنطق، حتى يدخل شاب يتراقص على تشكيلات توضح أنه في معركة مع خصم خفي، نحن لا نراه، لكنه يتأثر له فيتألم ويترجع ويسقط على الأرض من شدة الضربات التي وجهت إليه.

كل ذلك يتم بتناغم مع العازف الجالس على يمين المسرح وكأن الشخصيتين اللتين ستصاحبانا طوال العرض، خارجة من وعيه، أو مخلوقة من فعله (العزف).
أكثر ما يميز المسرح، أنه قادر أن يحتفظ بكونه فكرة ثقافية، فالحدث المسرحي ينشأ من أبسط الأفعال الصغيرة، وبالتالي فهو لا يثير توقعاتنا ولا يشبعها، وإنما كل ما في الأمر أنه يحدث، وبالتالي لا يسمح بإطار محدد ينكر على المتفرج الطرق العادية لتكوين المعنى. وبالتالي فإن كل ما يحدث أمامنا لا مبرر له سوى أنه يحدث وفقط.

قدم المخرج «عبد الجبار خمران» شخصيتيه لينقلا لنا جزءا من تاريخهما الشخصي الذي وقع تحت معاناة القهر والتسلط، عبر لعبة الحوار النفسي، فيمارس الفتى دور الطبيب النفسي الذي يساعد مريضه على التفتيش عن أعماقه والتخلص من كمائن اللاوعي ومكائده التي تعيقه عن الوصول لحقيقته.. وكذلك الفتاة تؤدي نفس الدور أحيانا.

كل ذلك في إطار مبهم غير محدد سواء على مستوى المكان الغارق معظم الوقت في السواد، التي لا تنجح الموتيفتان الوحيدتان على المسرح – عامود الإنارة، والاستراحة الخشبية على اليسار – في صياغة ملامح واضحة لهذا المكان. وحتى نحن لا نتعامل مع شخصيات لها أسماء محددة، بل نحن أمام أنماط بشرية عامة لا ملامح خاصة لها، في إطار من غياب حبكة بمعناها تقليدي، فالتداعي الحر سمة كثير من الحوار النفسي، فتفتيت مركزية الحدث إلى مشاهد منفصلة تعبر عن مراحل تطور الشخصية المحورية، والشخصية المحورية هنا هي الفتاة وليست الفتى، وهي التي تعاني كل أنواع العذاب النفسي خلال رحلتها التي أتت بها لتستقر على استراحة خشبية في قارعة العالم، فهي بداية الحدث وهي نهايته، ولذلك شخصية الفتى كانت أقل بناء، أقل اعتتاء من المساحة الدرامية فهو في أغلب الرحلة الدرامية تجسيد لصراعات الفتاة النفسية وليس له وجود محدد خارج عالمها النفسي.

قدم الكاتب «غنام غنام» دراما تطرح بالأساس آثار السلطة، وتبين كيف هي رؤية أحادية لفهم العالم، فإما أن يكون العاشقان زوجين، وإما فهما في فسوق كبير، وتحت السلطة تظهر الأسماء، فتدعي الفتاة أن اسمها صباح، ويدعي الفتى أنه مسا، وتفقد العلاقات براءتها الأولى، فنسقط في بئر سحيقة من الكذب والنفاق والادعاء، كل ذلك لأننا وضعنا على طاولة التبرير.

استخدام الشريط الأحمر كقيد يربط المسرح من جانبيه ويلتف حول شخصياته، عبر عن حالة القهر والتأزم التي سقطت فيها الشخصيات بلا رجعة، وأنه قيد لا مناص منه.. ولكن المونولوج الختامي لصباح جاء مكررا للمعنى ومزع تجريدية العرض التي حافظ عليها طوال 70 دقيقة بلا داعٍ.

ناسب الظلام الذي يغلف لحظات الانتقال من حالة درامية إلى أخرى مناقضة، كون هذه السلطة سحيقة الجذور، بلا مصدر محدد، ولا يبددها إلا قانون الضوء، القانون، اجتماعي وسياسي وديني، هو القانون. ويستعرض العرض مكامن الأفكار التي تتصارع مع نفسها في وعي الفتاة والفتى، فتطل الدمى المعلقة على الجانب المسموم بين مبادئنا التي اتخذناها تحت وطأة السلطة وبين القيم المطمورة في بعد سحيق من اللاوعي، فتارة يحاكم المرء نفسه، وتارة يداهن، وعندما لا يحسم هذا الصراع، يسقط في سجن أو مصحة عقلية، أو أي حدود أخرى تفي بالغرض السامي للسلطة عندما تتعامل مع كل من يختلف عن نسقها.

تتنوع لغة الحوار بين الفصحى والعامية، دون أن يكون لذلك شرط درامي صارم، فأحيانا تعبر العامية عن الصوت الداخلي، وأحيانا تعبر عن الآني. وإن كان التجريد الذي اتسمت به السينوغرافيا سيكتمل بتجريد اللغة تماما من مدلولها الاجتماعي كما فعلت العامية.

محمد علام – مصر

(مسرحنا –العدد 595)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح