أخبار عاجلة

صاحب “كارمينا بورانا” يموسق لغة سوفوكليس الشعرية – ابراهيم العريس

عرض لأنطيغونا في بودابست عام 2014
عرض لأنطيغونا في بودابست عام 2014

صاحب “كارمينا بورانا” يموسق لغة سوفوكليس الشعرية – ابراهيم العريس

“أنطيغونا” تنسف الاعتقاد السائد بأن أورف صاحب عمل واحد

من المؤكد أن ما من عمل موسيقي ظهر في أواسط القرن العشرين بإمكانه أن يماثل “كارمينا بورانا” في شهرتها وشعبيتها. ناهيك بأن كثيرين جداً من المعجبين بذلك العمل “القروسطي الدنيوي” بحسب توصيف ألفريد أينشتاين وآرنولد هاوزر، بالكاد يعرفون أن لهذه القطعة الساحرة مؤلفاً. فالتعامل معها يشبه التعامل مع الأعمال الفولكلورية إلى درجة أن هؤلاء الكثر يعتقدون كارل أورف مجرّد جامع للعمل أتى به من مدوّنات القرون الوسطى وقدّمه، ثم عجز عن أن يستكمل طريقه الموسيقي وغاب. والحقيقة أن هذا الكلام ليس دقيقاً إلا في جزء يسير منه هو المتعلق بعلاقة أورف بموسيقى القرون الوسطى الدنيوية، وتحديداً موسيقى الشعب والحانات التي هي المهد الذي وُلد منه ذلك العمل الموسيقي الكبير. أما مشكلة أورف فتكمن تحديداً في النجاح الأسطوري لـ”كارمينا بورانا” العمل الذي غطى على عشرات الأعمال الكبرى التي صاغها في مسار إبداعي طويل ومتقلب، وقد تكون موسيقية بعضها أجلّ شأناً من موسيقى كارمينا بورانا”. نقول هذا ونفكر مثلاً بأوبراه “أنطيغونا” المقتبسة من مسرحية الإغريقي سوفوكليس في ترجمة هولدرلين الرائعة إلى اللغة الألمانية.

الحقيقة أن أوبرا “أنطيغونا” كما لحنها كارل أورف وقُدّمت للمرة الأولى في أغسطس (آب) 1949 ضمن إطار مهرجان سالزبورغ، تعتبر واحدة من الأوبرات الكلاسيكية الكبرى أواسط القرن العشرين، حتى وإن كان أورف قد اشتغل عليها ضمن مبدأ المسرح المُغنّى أي على مَوْسَقة الحوارات أكثر كثيراً مما على الفواصل الموسيقية الطويلة التي تفوق الشعر عادة في حضورها في الأوبرا الكلاسيكية. ومن هنا جاء التوزيع “غير أوبرالي” أي يعتمد بخاصة على آلات “هادئة” تنحو إلى مصاحبة الأصوات البشرية ومساندتها أكثر مما إلى التقاطع معها والحلول مكانها. لقد استخدم أورف في تقديم العمل ستة نايات ومثلها من آلة الأوبوا وأحياناً أربع كورات إنجليزية، وستة تومبيتات و4 ألات هارب و9 كونترباص إلى جانب ستة بيانوات يعزف عليها إثنا عشر عازفاً. ولقد قيل عن ذلك التجميع للآلات بأنه كان فريداً في تاريخ الموسيقى وعلى الأقل حتى تقديم ذلك العمل.

الموسيقى من داخل اللغة

كان لافتاً أن ما اتبعه أورف هنا، وتابعه لاحقاً عدد من الموسيقيين من أمثال هونيغر، كان انقلاباً حقيقياً في العلاقة بين النص الشعري والألحان الموسيقية في العمل الأوبرالي. ففيما جرت العادة على أن يكون النص في خدمة الموسيقى، بحيث يُضحّى عادة حتى بموسيقى اللغة لخلق جمل موسيقية متكاملة، بات الأمر هنا معاكساً إلى حدّ كبير: استخرج أورف موسيقاه من قلب موسيقى اللغة نفسها. وربما يمكننا لفهم هذا الأمر وأهميته أن نتذكر العلاقة التي عرف الموسيقار محمد عبد الوهاب كيف يقيمها بين موسيقية اللغة العربية التي كان من كبار المؤمنين بها وبين الموسيقى بحيث أنه غالباً ما كان يأتي بالجملة الموسيقية من داخل اللغة نفسها فتبدوان متكاملتين بالنظر إلى أن عبقريته كانت تحوّل خضوع إحداهما للأخرى إلى تمازج خلاق، لا سيما في أغنيات اللغة الفصحى الرائعة التي خلّدته.

مهما يكن، نعود هنا إلى كارل أورف لنقول إنه حتى اليوم، وبعد رحيله بأكثر من ثلث قرن، وأكثر من ثمانية عقود مضت منذ ألّف أعماله الكبرى، لا يزال هذا الموسيقي الألماني المتميّز، موضع سجال في أوساط علماء الموسيقى الغربيين (وهو غير السجال الآخر الذي دار من حول تعاطفه مع النازيين قبل تبرئة الأميركيين له). والغريب في الأمر أن سجالهم حوله لا يطاول الأساليب التي ابتكرها لتعليم الموسيقى للأطفال، منذ صغرهم، على الرغم من ثورية تلك الأساليب، بل يطاول بعض أجمل القطع الموسيقية التي كتبها، أو أعاد كتابتها، لا سيما ثلاثية “الانتصارات” التي يشكل جزؤها الأول “كارمينا بورانا” الزاد الأساسي لكل مثقف وهاوي موسيقى في العالم أجمع.

أوف
كارل أورف

مثل كوب ماء بارد     

بعض علماء الموسيقى يرى في كارل أورف “الرجل الذي ينقض كل ما كانت الموسيقى الغربية وصلت إليه في تاريخها”، فيما يرى البعض الآخر أن “موسيقاه طازجة ونقية مثل كوب من الماء البارد”. أما الموسوعات التي تتحدث عن أورف فإنها تعرّفه بأنه أولاً “مدرس موسيقى”، ثم “قائد أوركسترا”، وبعد ذلك “عالم موسيقى”، متناسية في معظم الأحيان أنه في المقام الأول مؤلف.

كارل أورف الذي رحل عن عالمنا في مارس (آذار) 1982، هو إذاً، مؤلف كارمينا بورانا” و”أنطيغونا”، بين أعمال أخرى، وهو كتب موسيقاه انطلاقاً من أشعار وقصائد الحانات التي تعود إلى آخر القرون الوسطى، والتي تم العثور على نصوصها وبعض نوتاتها في خزائن أديرة بنديكيتة.

قدّم أورف “كارمينا بورانا” للمرة الأولى في العام 1937 بوصفها “مغناة مسرحية” وهي في الحقيقة قدمت في شكل “أوراتوريو”. ونجاحها الساحق هو الذي سيقود صاحبها لاحقاً إلى تكريس نفسه لما سيطلق عليه اسم “الموسيقى المسرحية”، وسيؤلف ضمن هذا الإطار عشرات الأعمال طوال سنوات الأربعينيات والخمسينيات وما بعدها. ومع هذا سيظل حتى النهاية معروفاً بعمله الأشهر “كارمينا بورانا” وربما أيضا بالجزءين الملحقين به في “الثلاثية”: “كاتولي كارمينا” و”انتصار إفروديت”. هل معنى هذا أن كارل أورف كان من طينة أولئك المبدعين الذين يقعون في فخ النجاح الساحق الذي يحققه عمل واحد لهم، على حساب أعمالهم الأخرى؟ ربما. لكن الرجل لم يهتم لهذا كثيراً في حياته. فهو كان من ذلك النوع الذي يعمل ويعمل من دون هوادة. وظل يؤلف حتى أعوامه الأخيرة. وهواة الموسيقى والرياضة لا ينسون بالطبع تلك القطعة الاحتفالية الرائعة التي كتبها لمناسبة الألعاب الأولمبية في ميونيخ في العام 1932 بعنوان “روتا”.

حياة موسيقية

ولد كارل أورف في العام 1895 في ميونيخ التي سيموت فيها بعد ذلك بسبعة وثمانين عاماً. وهو درس الموسيقى في أكاديمية المدينة نفسها، لا سيما مع الموسيقي البارز هاينريخ كامنسكي الذي عرف بعصاميته. وكان أورف أبدى نزوعاً نحو الموسيقى والأدب منذ طفولته الباكرة، وفي التاسعة عشرة من عمره تخرج من الأكاديمية ليعمل ملقناً في مسارح ميونيخ ومانهايم. في البداية كان نزوعه الموسيقي يقوده نحو الانطباعية وأعمال ريتشارد شتراوس الما – بعد – رومانسية، ثم في فترة ما اهتم بالموسيقى الاثني عشرية، من خلال عمله على “الشبيلكاميرا” مع ماركس رينهارت. غير أن تعرفه لاحقاً على المزيد من أعمال كامنسكي وتعاونه مع الراقصة ماري ويغمان قاداه إلى أبعد من ذلك، حيث باتت الموسيقى لا تنفصل لديه عن الإيقاع والرقص والمسرح. من هنا ظلت موسيقاه كما في “كارمينا بورانا” و”انتصار إفروديت” بخاصة، يغلب عليها الايقاع وتتسم بالمبلوديات السهلة وبأقل قدر من الهارمونيا.

في الوقت نفسه ومن خلال عمله مع دوروثي غونتر وتأسيسه معها مدرسة موسيقية عرفت باسم غونترسكول، بدأ اسم كارل أورف يرتبط بشكل عميق بأسلوب خاص في تعليم الموسيقى للأطفال، ولعل من سوء حظه أنه في الوقت الذي تمكن أخيراً من أن يثوّر تعليم الموسيقى عبر كتابه المخمس الأجزاء “سكولغركي”، وصل النازيون إلى الحكم، فاعتبرت أعماله هرطقة ومنعت قبل أن يعود إلى مسايرتهم.

 قبل ذلك كان أورف اكتشف الموسيقى القديمة وغناها مع تبحره في أعمال مونتفردي، حيث قدم تنويعاً جديداً على أوبرا “أورفيو” لهذا الأخير، ثم قدم له “رقصة الجاحدين”، ومع هذا كله أنجز في العام 1937 “كارمينا بورانا” التي اتبعها في العام 1939 بأوبرا شعبية عنوانها “القمر” ثم بعمل مشابه آخر عنوانه “المرأة الحكيمة”. وبعد الحرب العالمية الثانية كرس أورف نفسه للمسرح وبدأ يكتب ما يشبه الأوبرات، إضافة إلى موسيقى المسرحيات مثل تلك التي وضعها لـ “حلم ليلة صيف” لشكسبير، أو بخاصة “أنطيغونا”. انصرف آنذاك إلى التراجيديات الإغريقية فكتب الموسيقى لـ “أوديب ملكاً” و”بروميثيوس”. وخلال العقدين الأخيرين من حياته اهتم بمسرحيات الأسرار وبالكوميديات القديمة. ومع هذا، وعلى الرغم من كثافة إنتاجه، ظل معروفاً بـ “كارمينا بورانا” التي تبقى أشهر أعماله على الإطلاق، وربما أشهر ما وُضع من مؤلفات موسيقية في القرن العشرين.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح