أخبار عاجلة

شكسبير في ضوء النقد الثقافي:مسرحية -العاصفة- – نموذجا / هشام بن الهاشمي*

إن دراسة الأدب المسرحي باعتباره جانبا إستيتيقيا وفنيا فحسب، قد أفضى إلى تهميش وجهة النظر الإمبريالية الكامنة خلف إضفاء طابع العالمية على النموذج المسرحي الغربي، وتعني الإمبريالية ¬كما يوظفها “إدوارد سعيد” «الممارسة والنظرية ووجهات النظر التي يملكها مركز حواضري مسيطر، يحكم بقعة من الأرض قصية: أما الاستعمار الذي هو دائما من عقابيل الإمبريالية، فهو زرع مستوطنات في بقاع من الأرض قصية»(1).
وإذا كان يفترض في الأعمال المسرحية أن تكون زاخرة بالقيم الإنسانية الجليلة، وحافلة بمبادئ الحرية والعدالة، فإنها على النقيض تماما قد تضمنت جوانب قبيحة ومرعبة تجسدت في دعم رغبة المجتمع الغربي في التوسع الإمبريالي، إذ مثلت معادلة قوامها أفضلية الذات الغربية تفكيرا وفنا، ودونية الآخر ثقافة وعرقا، لتصوغ بذلك صورة للآخر وفق رؤية خاصة توافق المنظور الغربي المتمركز على ذاته ثقافيا وفنيا، وهي صورة “الخامل ذهنيا”، و”الوحشي”، و”الدوني”، و”المتخلف فنيا”. وفي إضفاء طابع العالمية وسمة الكونية على النموذج المسرحي الغربي، وذيوع مقولات وشيوع وجهات نظر من قبيل “إن شكسبير كاتب درامي لكل الأزمنة والعصور”، لمتضمن لرغبة غربية في التوسع الإمبريالي الفني على حساب تقاليد فرجوية لشعوب أخرى اعتبرت من المنظور الغربي خاملة وخاضعة وعالما مسيطرا عليه «عالم صامت بإرادة منه أو دونما إرادة، ثمة اشتمالية، ثمة احتوائية، ثمة حكم مباشر، ثمة إرغام وقسر، لكن ليس ثمة إقرار إلا في النادر بأن الشعوب المستعمرة ينبغي أن يسمع منها وأن يعرف ما لديها من أفكار»(2).
ولا غرابة إن تجاوزت التجربة الإمبريالية البواعث الاقتصادية والدوافع السياسية لتطال الحياة الفنية/ المسرحية الغربية ذلك «أن إغفال بسط الإمبريالية لذاتها عبر الدين والعلم والفن والأدب سيكون قراءة خاطئة للثقافة ولرنينها الإمبراطوري»(3).
إن الكشف عن الرنين الإمبراطوري في الأعمال المسرحية الغربية بوصفه نسقا ثقافيا مضمرا قبيحا ومرعبا، يفترض ضرورة تجاوز الاهتمام المفرط بالجانب الإستيتيقي الذي حفل به النقد المسرحي ولزمن طويل، وتوجيه العناية البالغة بالإشكاليات الأيديولوجية والأنساق الفكرية الكامنة خلف الخطاب المسرحي.
ولاشك أن رحلة فكرية ¬تلك هي طبيعتها¬ تتطلب الحفر في تضاريس التاريخ المسرحي الغربي وقراءته قراءة تأويلية خاصة وبوعي نقدي متفجر ولا مهادن، يتقاطع فيه الفني بالأدبي والسياسي والتاريخي والاجتماعي عبر الربط بين الإمبريالية باعتبارها وجهات نظر وتمثيلا خاطئا للآخر، والأعمال المسرحية كشكل ثقافي وصوت فكري بارز في المجتمع الغربي، إذ بإمكان هذا الترابط أن يثري قراءة النصوص المسرحية ويغنيها ويغير زاوية النظر إليها.
وقد جسدت مسرحية “العاصفة” لـ”وليام شكسبير”، ارتباطا وتلازما بين الظاهرة الإمبريالية والظاهرة المسرحية، إذ لم يكن شكسبير بمعزل عن السياق الثقافي الغربي العام الممجد للحضارة الأوربية والمشيء للساكن الأصلي للبلاد المستعمرة كما بلورته تقارير المستكشفين والرحالة الأوربيين.
يرتبط النص الشكسبيري ¬من هذا المنظور¬ بواقع تاريخي/ سياسي شكل خلفيته، ولعل إغفال هذا الواقع من شأنه أن يجعل استقبالنا للنص ناقصا، سيما وأنه «لم يعد ممكنا ومقبولا بتر الأدب عن التاريخ، فالاستقلال الذاتي المزعوم للأعمال الفنية، يقتضي نوعا من الفصل يفرض محدودية مضجرة تأبى الأعمال الأدبية نفسها أن تقوم بفرضها»(4). إنه مفهوم “التأويلية الدنيوية”، الذي شكل حجر الزاوية في المشروع النقدي ذي البعد الثقافي لـ”إدوارد سعيد”، ويقصد به علاقة النصوص بشروطها المكانية والزمانية، وتطورها في شبكة العلاقات الاجتماعية والتاريخية والسياسية المعقدة.
وبذلك فإن إستراتيجيتنا في تحليل مسرحية “العاصفة”، سيكون هدفها الأساس تبيان ما كان مغيبا وناقصا في القراءات السابقة. إنها ليست مجرد قصة أمير له قدرات خارقة فقد إمارته ثم استعادها، بل إنها مسرحية سفر، واستكشاف، وانتشاء بالمغامرة في العالم المستعمر، وتحتل شخصية “بروسبيرو” البؤرة فيها، فهو «دوق ميلانو وأمير ذو سلطان»(5)، انهمك في دراسته، حيث ثمن كتبه أكثر مما ثمن مملكته، فكان أن أقدم أخوه ملك نابولي بالاستيلاء عليها وطرده، فوجد “بروسبيرو” نفسه رفقة ابنته “ميراندا” في «زورق لم يبق منه سوى هيكل متفسخ، لا حبال ولا أشرعة، ولا قلوع، ولا سواري، حتى الجردان كانت بالغريزة قد هجرته»(6).
هكذا ترك “بروسبير”، عالمه المتمدن، وشد الرحال مكرها إلى عالم آخر، عالم الجزيرة الغريب، وقد شكل ذلك منعطفا بارزا في مسيرة حياته، فلم يعد يحمل من عالمه الأول سوى قيمه ومثله لتغدو وظيفته الأساس تحويل العالم الغريب إلى وطن خاص به بعد بنائه وفق القيم التي يؤمن بها والمبادئ التي يحملها عن النموذج الغربي الذي غادره.
ولأن غرس القيم، وبناء النماذج يحتاج إلى موضوع، فقد ظهرت في نسيج النص الدرامي شخصيتا “آريال” وهو “روح من هواء”، و”كاليبان” وهو “عبد وحشي ممسوخ”، إنه الساكن الأصلي للجزيرة الذي اغتصبت أرضه، فأضحى عبدا بعد أن كان سيدا، يقول في غضب مخاطبا “بروسبيرو” المغتصب:
هذه الجزيرة لي، ورثتها عن سايكوراكس والدتي،
وأنت أخذتها مني، عندما جئتنا أول مرة
مسدتني ودللتني كنت تعطيني
ماء فيه توت، وتعلمني كيف
أسمي النور الأكبر، والنور الأصغر … (7)
لقد فقد “كاليبان”/ الساكن الأصلي أرضه، المغتصبة من قبل “بروسبيرو”/الإنسان المستعمر، وغذت العلاقة بينهما علاقة تبعية وتلقين للقيم والنظم الثقافية الغربية (النور)، لنكون بذلك أمام ثقافتين: ثقافة حداثية تعني التمدن وتتسم بالكلية وتختزن مبادئ لابد من استلهامها، وثقافة دونية صغرى يمثلها “كاليبان”/ المستعمر، ليصبح من حق الثقافة الكلية المتمدنة التي يمثلها “برسبيرو” «التدخل في تلك الثقافات الصغرى … باسم العمل من أجدل خير تلك الثقافات وليس باسم العمل من أجل خير ما هي»(Cool.
يمثل “كاليبان” الساكن الأصلي للجزيرة، الذي تحول إلى خادم وعبد، لكن عندما يصرخ بالحقيقة التالية «الحرية يا هو! الحرية يا هو! الحرية يا هو !» (9)، فهل ثمة إمكانية لتوحد جمهور شكسبير وتعاطفه معه؟.
الجواب، بالنفي، فليس في استغلال السكان الأصليين والاستيلاء على أراضيين ما يشين، ما دام هؤلاء ليسوا سوى متوحشين وعبيد، فـ”كاليبان” ¬في منطق النص الشكسبيري¬ لا حقوق له، فهو من منظور “بروسبيرو” عبد، وفي رؤية “ميراندا” نذل قبيح.
وليست تلك هي الصفات الوحيدة التي اتسم بها “كاليبان”، بل ثمة رزمة من الصفات المشيئة له من قبيل: غبي نطفة شيطان سلحفاة نذل كذاب مخلوق الظلام جاهل خسيس قذر شهواني وحشي دنيء عرقيا بذيء لا يجدي فيه لطف …
إنها الرؤية الإمبريالية التي ترسخت في الفكر الغربي ووشمت وعيه، والقائمة على ثنائية ضدية أساسها: الطرف الغربي/ “بيرسبيرو” صاحب رسالة التمدن والتحديث، ومصدر كل الحقائق الثقافية في هذا العالم، والطرف المستعمَر/ “كاليبان”، البدائي التوحش ورجل الكهف والغابة الذي يقتضي وصاية ثقافية غريبة ليلج عالم التمدن ودنيا الحضارة.
على هذا الأساس، تقدم مسرحية “العاصفة” علاقات مثيرة ومستفزة، تحتل فيها شخصية “كاليبان” المركز، فهو عبد، ومتوحش وبدائي … و”برسبيرو” سيد وحكيم وذو سطوة، وهو أيضا نقيض “ميراندا”؛ فهو قبيح وشرير، وهي جميلة وبريئة، و”فرديناند” وسيم ونبيل، تجري في عروقه دماء النبلاء وأخلاقهم، و«ما من شر يستطيع السكن في هيكل كهذا»(10)، و”كالبيان” عبد مقيت و«لا يقبـل أن يطبـع فيه خيـر، لأنه مطبوع على كل شر»(11)، فهو حيواني وشهواني ولذلك حاول اغتصاب “ميراندا”، ليبقى الفارق بين “كاليبان” وباقي الشخصيات الأخرى ثابتا، فهم بالبداهة نبلاء عكس “كاليبان” الأدنى والمنحط.
لقد اختزل “كاليبان”/ المستعمَر، ثقافيا وفنيا واجتماعيا وعرقيا، وهي الصورة الشائعة في المدونات الاستشراقية والسرديات الاستعمارية. إنها النظرة الاستعلائية الغربية التي شيَّأت اللاأوربي وسلعته ونظرت إليه بوصفه مجرد “شيء” و”دوني” و”ذات لا ثقافية”، وبذلك فقد احتل الإنسان المستعمَر مكانة ثانوية، مكانة شكلت مفارقة ضدية جوهرية بالنسبة للأوربي، إذ تبرز تفوقه وغطرسته، وسوغت سيطرته على شعوب ينبغي أن تخضع، ليغدو الاستعمار، في الفكر والوعي الغربيين، واجبا محتما لحكم شعوب أدنى مرتبة وأقل تقدما. إن الجزيرة في مسرحية “العاصفة”، ليست فردوسا أرضيا مكتشفا، بل إفصاح عن الرغبة الغربية في السيطرة والهيمنة على عالم جديد، تبذل فيه جهود لإضفاء طابع الإنسانية على المتوحشين لكن دون جدوى، وهي الحقيقة التي أعرب عنها “بروسبيرو” بلسانه في خضم حديثه عن “كاليبان” المتوحش:
بروسبيرو: شيطان وولد شيطان وفي طبيعته لن يستقر أي تطبع وجهودي التي أنفقتها عليه إنسانية راحت سدى كلها.
وكلما كبر سنا ازداد جسمه قبحا، وذهنه نخرا وسوسا …(12)
والحال أن “شكسبير”، مشارك في سياسة التوسع الإمبريالي والنزوع الإمبراطوري، من خلال سوء تمثيله للآخر/ غير الغربي، إذ يمكن معاينة مسرحية العاصفة بوصفها مفعمة بحساسية استعمارية، وتقوم بأداء حركة إمبريالية.
لاشك أن هذه القراءة الجديدة المستندة على مشروع نقدي ذي بعد ثقافي، تضيف بعدا جديدا. إنها مسرحية تنطوي على عنصرية الغرب الكامنة والملثمة، إذ توحي بوجود ثنائية ضدية حيث الشمال والجنوب، والسيد والعبد، والثقافة واللاثقافة، ليكون النسق الثقافي المضمر فيها: تعزيز إقرار المجتمع للتوسع الإمبريالي. نسق أغفل في النقد المسرحي لاعتماده المفرط على المنهج الوصفي السطحي واهتمامه المبالغ فيه بالجماليات والفنيات في وقت أضحى فيه من الضروري إدراج المسرح ضمن الأنساق الثقافية الكبرى وتحطيم هالة نصوص اكتسبت طابع القدسية.
وفي الأخير نؤكد أننا لا نروم إدانة “شكسبير”، ولا قذف الأدب المسرحي من خلال الربط بين التجربة المسرحية وانتشار الإمبريالية، وإنما تحديد الكيفية التي حدثت بها العملية الإمبريالية بشكل يتجاوز البواعث السياسية والاقتصادية لتمس الحياة الثقافية/ الفنية للغرب، إذ يمكن للنصوص الدرامية «أن تكون أعمالا عظيمة من إبداع الخيال، وأن تضم في الوقت نفسه وجهات نظر سياسية ظاهرة البشاعة والقبح، وجهات نظر تسلخ الإنسانية عن غير الأوربيين، وتبرز شعوبا وأصقاعا بأسرها خاضعة ودونية جاعلة إياها مقتضبة حكم الأوربيين»(13).

الهوامش:

* – أستاذ بنيابة سيدي قاسم، باحث بوحدة الدراماتورجيا والنقد المسرحي (القنيطرة).
1 – إدوارد سعيد “الثقافة والإمبريالية” ترجمة كمال أبو ديب، دار بيروت، ط3، 2003، ص: 80.
2 – المرجع نفسه، ص: 118.
3 – المرجع نفسه، ص: 185.
4 – المرجع نفسه، ص: 142.
5 – وليام شكسبير “العاصفة” ترجمة إبراهيم جبر، وزارة الإعلام، الكويت، 1989، ص: 130.
6 – المصدر نفسه، ص: 134.
7 – المصدر نفسه، ص: 144.
8 – صلاح رزق “علامات في النقد” العدد (13)، الجزء 51 “إشكالية المنهج في النقد الثقافي”، ص: 85.
9 – شكسبير “العاصفة” مصدر سابق، ص: 130.
10 – المصدر نفسه، ص: 151.
11 – المصدر نفسه، ص: 145.
12 – المصدر نفسه، ص: 213.
13 – إدوارد سعيد “الثقافة والإمبريالية”، مرجع سابق، ص: 8

———————————————

المصدر : مجلة الفنون المسرحية 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.