شكسبير.. حضور دائم في المسرح العربي

تكشف أعمال وليام شكسبير عن ميزتين أساسيتين تحكمان مسرحياته، وتؤثران بشكل عميق في متلقي تلك المسرحيات، وهما: الفهم العميق لطبيعة النفس البشرية، وقدرته على كشف خفاياها ودوافعها التي تكمن وراء تصرف صاحبها، والثانية هي الأسلوب الشاعري الآسر الذي يكتب به، وقد جعلت هاتان الخاصيتان مع غيرهما من الخواص الفنية الأخرى أعمال هذا المبدع العبقري مؤثرة في كل العصور، وأكسبتها تلك القوة والاستمرارية التي لا تزال تتمتع بها، بعد أربعة قرون من وفاته، فقارئ شكسبير أو المتفرج على أعماله، يندمج مع العمل، ويعيش لحظات تتجلى له النفس البشرية على حقيقتها، ويتعرف خلالها إلى نفسه هو، والى تناقضاته ودوافعه، وخيره وشره، فكأن المسرحية، هي فرصة لكي يقيم الإنسان حواراً داخلياً بينه وبين ذاته، ويحدث ذلك في إطار من الأسلوب الأدبي الرفيع الذي يعزز تأثير الحدث في المتلقي، وقد انتبه المسرحيون العرب مبكرا إلى مسرحيات شكسبير وأحسوا بقوة تأثيرها، فبادروا إلى الاستفادة منها، فترجمت أعماله، وعرضت على المسارح العربية، وأعيدت كتابتها، منذ مطلع القرن الماضي إلى اليوم.
كانت من أولى ترجمات مسرح شكسبير، ترجمة نجيب حداد لمسرحية «‬روميو وجوليت‮» تحت عنوان «شهداء الغرام» 0091، ‬وقدمتها فرقة «جوق» اسكندر فرح في نفس السنة، وجاءت الترجمة «تعريبا» فيه تصرف كثير قصد منه ملاءمة المسرحية للذوق العربي آنذاك، وبنفس الطريقة يقدم جوق سلام حجازي‮ مسرحية هاملت‮ ‬ترجمة طانيوس عبده‮ ‬عام‮ ‬5091، وكذلك شهداء الغرام، وكان حجازي مطرباً ذائع الصيت فأشاع ذلك مسرحيات شكسبير لدى الجمهور، ‬وفي عام 1912 ترجم مطران خليل مطران مسرحية «عطيل»، وقدمها جورج أبيض الذي كان أكثر نضجاً من سابقيه في عروضه المسرحية، وفي السنة نفسها ترجم سامي الجريديني «يوليوس قيصر»، وترجم ومحمد حمدي «يوليوس قيصر» أيضا، ثم تتالت ترجمات شكسبير بشكل نشط عل يدي ‬أحمد زكي‮ ‬أبو شادي،‮ ‬محمد عفت القاضي،‮ ‬أحمد محمد القاضي‮، وظل المسار يتصاعد حتى وصل إلى ذروته في نهاية القرن الماضي مع عميد المترجمين محمد عناني الذي أعاد ترجمة معظم أعمال شكسبير، إعادة احترافية تعامل فيها مع النص الأصلي بأمانة، وبأسلوب أنيق ويوازي شاعرية أسلوب شكسبير، وبموازاة حركة الترجمة، ازدانت خشبات العروض العربية بعروض لمسرحيات شكسبير، ما جعلها حاضرة بفاعلية في مسيرة المسرح العربي، مروراً بما يقدم في اللحظة الحاضرة على مسارح مصر وسوريا والمغرب من تجارب مسرحية، تعيد اكتشاف شكسبير، وتسعى لتقديمه برؤى جديدة، وخارجا عن هذا الحضور على مستوى الترجمة والعرض، فقد كان لهذا الكاتب الكبير حضور آخر على المستوى الأكاديمي، فأعماله مطروقة بشكل كبير في مقررات وتجارب المدارس والمعاهد المسرحية العربية، ومنها ما يفرد له مساقاً خاصاً يدرس فيه أعماله كافة.
يمكن رصد عدة توجهات في تعامل المسرحيين العرب مع نصوص شكسبير، أولها التصرف في النص، ويظهر بصورة خاصة في الترجمات الأولى التي كانت تعد المسرحية لكي تعرض، فكان المترجمون والمخرجون يغيرون في مشاهد المسرحية ويحذفون ويضيفون، بما يرونه ملائما لواقعهم، وقد رأينا سابقا نموذج الترجمة التي قام بها نجيب حداد لـ«روميو وجوليت» التي كانت بهدف العرض، فحذف منها ما رآه لا يناسب الذوق العام آنذاك، وتصرف في بعض مشاهدها، والتصرف نفسه قام به أبيض عند إخراجه لعطيل وتاجر البندقية.
وهناك نوع من التوجه اقتصر على التأثر بأسلوب شكسبير وطريقته في عرض أعماله، وفي بعض الأحيان الاقتباس، وأكثر هذا التوجه عند الشعراء الذين كتبوا المسرح الشعري، من ذلك تأثر أحمد شوقي في مسرحياته «مجنون ليلى» و«مصرع كيلوباترا» بالصياغة الأسلوبية والفنية لأعمال شكسبير، وكذلك الشاعر صلاح عبد الصبور الذي كان مغرماً بشكسبير، ومحمد إبراهيم أبو سنة وأحمد باكثير وغيرهم.
التوجه الثالث هو التعامل مع المسرحية كما هي، ومحاولة تقديمها للجمهور بتفاصيلها، وقد قدم مخرجون عرب على مدى القرن الماضي معظم أعمال شكسبير، واقتحموا أجواءه بقوتها وشاعريتها، وساعدهم على ذلك نضوج التجربة المسرحية العربية منذ الخمسينات وظهور ممثلين أكفاء استطاعوا أن يجسدوا الشخصيات بعمق، وقد تكثف التعامل مع شكسبير في أغلب البلدان العربية، فلا نكاد نجد مخرجا عربيا كبيرا إلا وفي تاريخه عمل مسرحي لشكسبير.
في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين ومع تطور مفاهيم التقنيات المسرحية، وظهور تيارات حداثية في المسرح تتخفف من الصيغ الدرامية، وتركز على الأداء الحركي للممثل وعلى تأثير الصورة التي تخلقها السينوغرافيا بدأ نوع جديد من التعامل مع شكسبير، نظر إليه على أنه إعادة قراءة لأعماله أو كتابة جديدة لمسرحياته، وقد تزعم هذا الاتجاه مخرجون يتمتعون بموهبة الكتابة، وعلى رأسهم المخرج العراقي الدكتور جواد الأسدي، الذي أعاد كتابة املت بعنوان جديد هو (املت بدون املت)، وقد تكثف هذا التوجه مع مخرجين جدد يحاولون أن يقدموا نظرة لشكسبير تختلف عن النظرة التقليدية أو تعيد قراءته، ففي سوريا قدمت في السنوات الأخيرة، ماكبث للمخرج فيصل الراشد، وهاملت للمخرج عروة العربي، وفي مصر قدمت في فبراير الماضي ثلاثة عروض مسرحية عن شكسبير هي «هاملت» للمخرج مناضل عنتر، و«نساء شكسبير» إخراج محمد الطايع، و«حلم ليلة صيف» للمخرج محمد مكي، والتجارب من هذا القبيل لا تحصى ولا تتوقف عند حد، ما يعني أن شكسبير لا يتوقف تأثيره عند حد، فهو، حتى وهو كاتب كلاسيكي لا يزال يلهم الكتّاب والمخرجين الحداثيين.

محمد ولد محمد سالم

http://www.alkhaleej.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.