شذريات شكسبير.. الحياةُ ظلٌ يمشي – رضاب نهار

اختزل الأحاسيس الإنسانية في شخوص تسير على خطوط حبكة درامية نسجها بدقة وعبقرية شديدتين. وبين الكوميديا والتراجيديا جعلهم يلعبون أدوارهم على خشبة المسرح مفعمين بالعقل والعاطفة، وبالمسؤولية والواجب. وبعد أن منحهم ما يلزمهم من المخزون اللغوي، نطقوا عباراتٍ شعرية وأخرى نثرية بليغة تكشف الكثير عن نوازع الإنسان وطموحاته التي تتحكم فيها الظروف من حوله. وكأنه أعاد صياغة التاريخ من خلال الشعر الفائض بالحكمة والجنون، والممتزج مع الواقع والخيال.

إنه وليم شكسبير (1564- 1616) الممثل والشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي العالمي الأكثر شهرة عبر التاريخ، سواء من حيث الإنتاج والانتشار أو من حيث استحضاره للثيمات الإنسانية المتنوعة، بدءاً من الحب والصداقة والخيانة، وصولاً إلى الشرف والبطولة في معارك الحياة الكبرى. عالجت موضوعاته تضاد الأهواء عند الأبطال بين الخير والشر، وبين الأحاسيس والقرارات الحتمية، وذلك وسط فضاءات مفتوحة على الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي قدّمت لنا صورة عاكسة للتاريخ في مراحل وحقب متعددة، وتحديداً مرحلة عصر النهضة في أوروبا.

بدَت مسرحيات شكسبير، في كثير من الأحيان، كما لو أنها أعمال ملحمية تسرد قصصاً وحكايات يبرز فيها أبطال يحتذى بهم، فكرياً وأخلاقياً. وعلى النقيض تماماً هناك المثال الآخر من الشخصيات التي اجتاحت مسرحياته، والتي صوّرها كنفوس وطبائع مليئة بالجشع والغدر والابتزاز غير الأخلاقي. وقد برع في بنائها جميعاً بطريقة مركبة معقدة فلسفياً ونفسياً ومثيرة للتقصّي والفضول، حتى تحوّلت إلى علامات فارقة في الدراما العالمية، مثل «هاملت، ماكبث، روميو وجولييت، عطيل، فولستاف، أوفيليا» وغيرها..

وهذا النضج في بناء شخصياته، وجعلها مركزاً للصراع الداخلي والخارجي، حوّل العبارة الشهيرة «أكون أو لا أكون، هذا هو السؤال»، التي نطقها هاملت أمير الدانمارك في المسرحية المسماة باسمه، إلى أيقونة في تاريخ الفكر الإنساني. إذ إنها شكّلت البنية الأساسية لأكثر الأسئلة تعقيداً وغموضاً في حياة الإنسان الذي عاش في فترة ما بعد شكسبير. إنه سؤال عن معنى الحياة وجدواها، عن ثنائية الوجود والعدم حيث أبحر الفلاسفة في البحث بينهما.

أما مهمة الأحداث الدرامية بالنسبة له، فتكمن في توفير بيئة ملائمة تتصارع وتتجاذب فيها الأضداد في قوالب رومانسية وفكاهية أو مأساوية، وأحياناً تاريخية أو أخلاقية.
ما عدا القصائد الشعرية، استطاع شكسبير أن يؤلّف أكثر من 30 مسرحية من بينها «هاملت، الملك لير، عطيل، ماكبث، روميو وجولييت، العاصفة، تاجر البندقية، حلم ليلة صيف». وقد تمت ترجمتها إلى جميع اللغات الإنسانية الحية. كما تمّ تجسيدها على أهم خشبات المسارح العالمية بالإضافة إلى أن حياته الشخصية ألهمت أيضاً العديدين من صناع السينما والمسرح. وهذه شذريات خالدة من كتاباته.

لا طريق أمامي ولذا فلست بحاجة إلى عينين، حين كنت مبصراً تعثرت، ما أكثر ما نرى ثراءنا يدفعنا إلى الاستهتار على حين أن قصورنا قد يكون في صالحنا في نهاية الأمر.

لو كان مخ الإنسان في كعبه ألم يكن مهدداً بالتورم والتشقق؟

في عين الرذيل تبدو الحكمة والخير رذيلتين.

كان الأفضل لو جننت وانفصلت أفكاري عن أحزاني، فالأوهام تسلب الهموم قدرتها على إدراك ذاتها.

ما ينبغي لجنون العظماء أن يترك دون رقابة أو رقباء.

ما أكثر ما نزمع أمراً ثمّ ننقضه، والنية تدوم ما بقيت عالقة بالذاكرة، وهي تولد بعنف، ولكنها واهية القوى، فتظلّ حيناً، كالثمار الفجة، متشبثة بالشجرة. حتى إذا اشتدّ نضجها هوت، دون أن يهزها أحد.
إن الله الذي خلقنا، وجعل لنا من الملكات ما ندرك به ما هو أمامنا وما وراءنا، لم يمنحنا هذه المواهب والذكاء الإلهي لكي ندعها تتعفن، دون أن تستخدم.

ما دام الإنسان لا يأخذ معه شيئاً حين يرحل، فلمَ نأسف على التبكير بالرحيل؟

إن قلبي نظير الثلج الناصع البياض، طهارته تتيح لي أن أنعم بهدوء الأعصاب وراحة البال.

أنت تريد العظمة، ولست خالياً من الطموح، ولكنك خالٍ من الشر الذي لابدّ أن يصحبه، ما تريده شامخاً، تريده قدسياً، لا تريد أن تغش في اللعب، ولكن تريد يا غلامس العظيم ذاك الذي يصرخ بك أن «افعل كذا» إن أردته، ذاك الذي أنت تخشى أن تفعله لا الذي تتمنى لو أنه لا يُفعَل.

هَب الحزنَ كلمات. فالفجيعة التي لا تنطق إنما تهامس القلب الفائض، وتأمره بأن يتحطّم.

أما بوسعك أن تداوي ذهناً عليلاً، أن تقتلع من الذاكرة حزناً مجذراً، أن تمحو الهموم المدونة في الدماغ، وبترياق نسياني عذب تنظّف الصدر المكتظ من ذلك الحشو الخطر الذي ينوء بوقرة القلب؟
في حالة كهذه على المريض أن يداوي نفسه.

ما الحياة إلا ظل يمشي، ممثل مسكين يتبختر ويستشيط ساعته على المسرح، ثم لا يسمعه أحد.

الحكمة تستصرخ الناس في الطريق، ولكن لا أحد يأبه لها ولا يصيخ لدعوتها.

الحكمة والجهالة كلتاهما معدية للخلطاء كما يعدي المرض سواء بسواء. ولذلك فليحسن الناس تخيّر أصدقائهم.

رضاب نهار

(الاتحاد)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح