سيمياء براغ المسرحية… ونظرية العرض المسرحي …الإشارات لغة تعبيرية تكتفي بذاتها

حظي مفهوم السيمياء باهتمام بالغ، وقد كان لمؤسسه (فرديناد دي سوسير 1857 ــ 1913) دور في إبراز أهم خصائص، وقد تكونت علاقة بين السيمياء من جهة بوصفها (علم للعلامات) يختص بدراسة العلامات اللغوية، وبين المسرح بوصفه احد الفنون المنتجة علامات من خلال فرعيه الأساسيين ألا وهما النص المسرحي والعرض، ولكل واحد من منهما بنيته الخاصة في إنتاج العلامة، وقد استفاد علماء اللغة في حركة براغ من علم السيمياء، وسعوا الي تطوير احد جوانبه من خلال تأسيس (حلقة براغ المسرحية) وهي حلقة نقدية شكلها عدد من النقاد المتخصصين بالمسرح والنقد،وصدر عنهم عدد من البيانات وكان بضمنها كتاب (سيمياء براغ المسرحية) والذي سوف نتطرق اليه من خلال دراستنا لأهم البحوث التي وردت فيه والخاصة بالحقل(السيميائي/السميولوجي). وقد جاء في تعريف (بيرس 1857 ــ 1914) والذي يعد شريكا لسوسير في علم الاشارة، ان (السيمياء، كعلم تعني بدراسة الظواهر الاشارية، من حيث طبيعتها وخواصها وانساقها واشكالها) .
لقد تطور هذا العلم ليشمل علوم (الاجتماع، والنفس،والانثربولوجيا) أما (سوسير) فقد عرف من جهته السيمياء او السميولوجيا علي انها (علم يدرس حياة الاشارات ضمن المجتمع.. وستظهر السميولوجيا ماينشئ الاشارات وما القوانين المتحكم بها). 
وفي معرض حديثه عن الالسنية فإنه يقول (هي جزء من العلم العام للسميولوجيا والقوانين المكتشفة من قبل السميولوجيا سيتم تطبيقها علي الالسنية). 
ان التسميات التي اطلقها (سوسير) في تعريفه لأنواع الاشارات كانت ذات اهمية بالغة في تحديد معالم وحدود السيمياء كونها تعبر عن (دال ـ ويقصد به ــ صورة صوتية ” و “مدلول ــ ويقصد به ــ فكرة او مفهوم ذهني). 
وقد اضاف (بيرس) تفسيراً للعلامة وحددها بـ (الإيقونة والدليل والرمز)وفي توضيحه لمفهوم (الرمز عند بيرس هو ثلاثي اي يتضمن علاقة بين أشارة وموضوع ومعني) ويعني ذلك ان الاشارة الي شيء ما تشكل موضوعاً معيناً ينتج من وجهة نظر المتلقي معني قد يكون هو الآخر مختلفاً عن الاشارة الاولي التي انتجت ذلك المعني.
أن مايثير الانتباه عند قراءة مقدمة الكتاب هو الضعف الواضح في الترجمة ولم يقتصر علي المقدمة فقط وإنما شمل العديد من صفحات الكتاب، الذي أرهق الكتاب بعدد من الاخطاء .
وقد جاء البحث الذي كتبه (يان ميوكاروفسكي) تحت عنوان (حول الوضع الراهن لنظرية المسرح) والذي تضمن الحديث عن أهمية تطوير العلاقة بين المتلقي وخشبة المسرح وقد اثارالبحث موضوع تحول الخشبة المسرحية الي اماكن اخري غير العلبة الايطالية لغرض تجسيد العرض المسرحي لتكون اكثر قرباً الي المتفرج من أجل ان يكون صاحب دور هام في العرض المسرحي ويؤكد من جهته علي ان (هناك طرف آخر في المسرح الصالة والمتفرجون الجالسون فيها ــ هؤلاء ايضاً ينبغي حثهم علي الفعل ــ انهم ليسوا جماعة محددة من الناس تتردد علي المسرح بل هم ممثلون لكل جماعي).
ان (يان ميوكاروفسكي) ينقل مشكلة التلقي من منطقة التمثيل والاخراج والتاليف والتقنيات الاخري الي منطقة فهم المشاهد وتحمله لمسؤولية المشاهدة حتي بات الامر اشبه بمشكلة بين المسرح والمجتمع ، بحسب المثال الذي يذكره قائلاً (ان التواصل المكثف والفهم التام بين المسرح والمجتمع هو وحدة عضوية تصدر عن نظرية في الوجود وعن شعور ديني وخلقي، ان اليونان القديمة والعصور الوسطي وغيرها هي امثلة علي ذلك)..
ان العودة بالمفهوم المسرحي الي عصور الاغريق القديمة هو عودة الي جذور البنية المسرحية التي نشأت منها نظرية المسرح الاولي علي يد ارسطو.. والتي شكلت الاسس الاولي لنظريات مسرحية جاءت بعدها، ونخص بالذكر نظرية المسرح الملحمي التي تدعو الي كسر الايهام والتي دعا اليها المخرج الالماني(برتولد برخت). 
ان هناك اختلافات عدة في التعبير قد تكون ناتجة عن سوء الترجمة، فقد ذكر (يان ميوكاروفسكي) في معرض حديثه عن الممثل بأنه يجب ان (يتمتع الممثل بإختيار كيفية معالجة “المعني الخفي” للنص ــ ذلك المعني الذي لايمكن التعبير عنه بوضوح في الحوار مع انه يتعلق بالدراما، ان الكاتب هو سيد الكلمة المكتوبة فقط اما الممثل فهو سيد مجموعة وافرة من الرسائل التي تتضمن صوته، وتعابير وجهه، وغيرها). 
ان هذا ما ذكر أعلاه يعد ناقصاً ذلك أن المؤلف أغفل تماماً الدور الهام الذي يقوم المخرج به في الكشف عن (المعني الخفي للنص إذ يعّد المخرج المفسر الحقيقي لأفكار الكاتب وعن طريقه تنتقل تصورات الأخير الي الممثل، ليقوم بدوره في عملية ترجمة مزدوجة لأفكار الكاتب فضلا عن رؤية المخرج التي قد تتفق مع رؤية الكاتب في بعض الاحيان وقد تختلف معه في أحيان أخر. 
وفي زحمة المضامين والافكار التي يطرحها (يان ميوكاروفسكي) والتي تبتعد عن السيمياء وإنما انحسر الحديث عنها وأقتصر علي دور الممثل في تجسيد النص بشكل خاص.
ان الحديث عن (مفهوم المسرح الشعبي) ضمن حلقة السيمياء يثير الكثير من التساؤلات لاسيما اذا كان المصدر الاساسي لكاتب هذا الجزء هو (اوتكار زيش) الذي يقول (كل الاشياء التي هي اشارات مسرحية ــ لها وظيفتان: الوظيفة الاولي والاكثر اساسية في اعطاء وصف فوتوغرافي للشخوص والمكان والفعل، والوظيفة الثانية هي الاشتراك في الفعل الدرامي) وإذ يؤشر المؤلف (بيتر بوغاتريف) إعتماده علي اراء (زيش) الا انه اغفل ان تلك الاراء يمكن ان تطبق في المسرح والحياة أيضاً، فنراه يضرب مثلاً في (العكاز) الذي تتغير وظيفته بحسب تغير المكان وطريقة الاستخدام المادي له، من جهة ثانية فإنه يطرح فكرة في غاية الاهمية تتمحور حول تعدد الاشارات التي يستقبلها المتفرج، وبذلك فإن الاشارة سوف تكون مختلفة بحسب اراء المتفرجين علي العرض المسرحي.
أن(التعددية للإشارة في الفن المسرحي يزداد بحكم ان متفرجين مختلفين يفهمون ذات المشهد بطرق مختلفة)، وفي مثال آخر حول تعددية الإشارة وطبيعة المتلقي لها (مشهد فراق حيث ترافق الحوار موسيقي، للمتفرج الميال للموسيقي سيكون المعني الغالب مرتبطاً بالموسيقي، اما المتفرج المعني بالالقاء، سيكون الالقاء لديه هو العنصر الحاسم وستكون الموسيقي شأن ثانوي) 
ان تعدد الاشارات في هذا المشهد يعطي رؤية واضحة علي أهمية دورالمتلقي في المسرح، ويكشف في الوقت ذاته عن تباينات في التلقي من متفرج الي اخر . 
وقد ذكر المؤلف في معرض حديثه عن الاشارة منطلقاً بدا لنا مهماً الا وهو(اشارة الاشارة) وقد بين فيه ان إشارات الممثل تختلف عن اشارات الشخصية اذ يقول:
(ان ملابس وقناع وإيماءات الممثل ليست إلا “اشارة لإشارة” ترمز الي الشخصية التي اراد الممثل تصويرها). 
ان هذا المفهوم الذي يمكن من خلاله تحليل الاشارات يعد من المفاهيم ذات العمق العلاماتي في السيمياء، الا ان المؤلف يعود من جديد الي الابتعاد عن دور المخرج ويمنح للممثل الحق في تكوين اشارة الإشارة في العرض، علي الرغم من ان دور الممثل يعد جزءا في بنية العرض وان المخرج هو الذي يكشف عن الإشارات ويوحدها او يطورها لتكون كلاً مكملا للعرض من الناحية الجمالية والفكرية.
 
الهوامش
جميع النصوص الواردة في المقالة  تعود لكتاب سيمياء براغ المسرحية، عدد من المؤلفين، ترجمة، أدمير كوريه، منشورات وزارة الثقافة ـ دمشق، 1997
————————————————————-
المصدر : مجلة الفنون المسرحية –  صميم حسب الله

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.