سيدات المسرح المصري.. زوجة الأب القاسية – حسن مختار

 

تحت مظلته الواسعة، وعلى خشبته المثيرة، تجتمع فنون التمثيل والرقص والغناء والأداء والتلحين والموسيقى، والمناظر والديكور، لذا كان المسرح أبو الفنون، وخلال رحلته الطويلة شهدت خشبته مجموعة من الرائدات منذ مراحله المبكرة، اللاتى قدمن بدورهن تراثًا خالدًا سيبقى على مر الزمان.
وقد أختص المؤرخ المسرحى د. عمرو دوارة «البوابة نيوز» بموسوعته الجديدة غير المسبوقة، التى تحمل عنوان «سيدات المسرح المصري»، التى لم تنشر حتى الآن؛ حيث تضم السيرة الذاتية والمسيرة المسرحية لـ150 رائدة، منذ بدايات المسرح الحديثة 1870 حتى 2020، والمصحوبة بصور نادرة سواء شخصية أو لعروضهن المسرحية، وقد نجحن في المساهمة بإبداعهن في إثراء مسيرة المسرح المصري. ويصبح لنا السبق في نشر 30 رائدة مسرحية على مدى ليالى رمضان الكريم، بهدف القاء الضوء على رائدات المسرح المصرى بمختلف تصنيفاته، وتكون بداية هذه السلسلة بالسيدات اللاتى برعن في تجسيد دور «الأم» لأهمية هذه الشخصية المحورية في الحياة بصفة عامة والدراما العربية بصفة خاصة.

استقبلت أسرة الفنانة فتنة داود سليمان أبوماضي، المشهورة بـ”زوزو ماضي”، مولدها بفرحة كبيرة بعد موت خمسة أبناء لها قبلها، فهي من أبناء محافظة بنى سويف، وتنتمي لأسرة راقية ثرية، فكان والدها يعمل في تجارة الأقطان، ثم ألحقها بمدارس “الفرنسيسكان” الخاصة بأبناء الأثرياء للدراسة، كما جلب لها مربية سويسرية علمتها الكثير من اللغات فضلا عن الموسيقى والأدب، ولكنها لم تكمل تعليمها على الرغم من الحياة المدللة التي عاشتها، حسبما أوضح الدكتور عمرو دوارة، مضيفا أنها بدأت مأساة هذه الفنانة مبكرا، وبالتحديد وهي في عمر الرابعة عشر عامًا، عندما أجبرها والدها على الزواج من ابن عمها “نيقولا” في ٢٥ نوفمبر ١٩٢٨، ورغم كراهيتها لزوجها إلا أنها حاولت التأقلم مع الواقع وتحمل حياتها الجديدة، وأنجبت ابنها “أنطون” في ١٩٢٩ وابنتها “إيفون” ١٩٣١، لكن ذلك لم ينسها كرهها لزوجها وبالتالي انتهاز أول فرصة للإنفصال عنه.
وذكر دوارة أن “ماضي” كانت تهوى كتابة القصص والأشعار باللغة العربية، وتقوم بمراسلة بعض الصحف والمجلات التي نشرت لها بعض أعمالها، ومن بينها مجلة “الصباح” التي كانت تنشر لها بتوقيع “ز. م”، حتى بدأت العمل في الفن عن طريق المصادفة، وذلك عندما قرأت إعلانا بمجلة “الصباح” عن تنظيم مسابقة استجابة لمبادرة المخرج محمد كريم في البحث عن وجوه جديدة للعمل بأحدث أفلامه السينمائية، فقامت بإرسال صورتها للمشاركة بالمسابقة التي أعلنتها المجلة، وبالفعل رشحها صاحب المجلة مصطفى القشاشي للمخرج محمد كريم، وبعدما حازت صورتها على القبول سافرت إلى مدينة “القاهرة” بعدما نجحت في الحصول على موافقة زوجها، وذلك على الرغم من المعارضة الشديدة لوالدها والأسرة، وفازت بالفعل بفرصة التمثيل بأول دور سينمائي لها في عام ١٩٣٨ من خلال فيلم “يحيا الحب”؛ حتى قررت احتراف الفن والإقامة بالقاهرة، وذلك في محاولة للانفصال عن زوجها، فحدثت المواجهة الكبرى مع والدها، الذي قام بتقبل العزاء فيها كعقاب وجزاء لها على خروجها عن طاعته وهروبها للقاهرة واحتراف الفن، ولكنها اضطرت وبرغم تحقيقها لبعض النجاحات إلى العودة لأسرتها وإعلان توبتها عن الفن استجابة لرغبة أمها المريضة، التي بمجرد وفاتها في ١٩٤٠، فقررت العودة مرة أخرى مباشرة إلى احتراف الفن بالعاصمة والتفرغ له بصورة نهائية.
التحقت “ماضي” بعدة فرق مسرحية، في مقدمتها كل من فرقتي: “رمسيس” ليوسف وهبي، ثم “القومية” أثناء فترة إدارة الشاعر خليل مطران، حتى صار لديها رصيد هائل يصل لما يقرب من خمسين مسرحية منذ إنطلاقتها في أواخر الثلاثينيات حتى أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، شاركت خلال مسيرتها الفنية في تجسيد بعض الشخصيات الثانوية المحورية بعدد خمسة وسبعين فيلما من أشهرها: “دليلة، الزلة الكبرى، الأسطى حسن، سيدة القصر، سكر هانم، يوم من عمري، البحث عن فضيحة، موعد في العشاء”، وذلك بخلاف مشاركتها في عدد كبير من المسلسلات الإذاعية والتليفزيونية، حيث اشتهرت بأداء أدوار الأم المرأة الأرستقراطية، أو زوجة الأب القاسية أو الحماة الشريرة، أو الزوجة الخائنة، وكذلك برزت في بعض أدوار المرأة اللعوب التى تخطف الرجال وتسعى لتحقيق المكاسب المادية، أو زعيمة العصابة، فارتبطت في أذهان الجمهور بدور المرأة الشريرة المتسلطة في كثير من كلاسيكيات السينما المصرية، فكانت تجيد أيضا العزف على البيانو، حتى أن الموسيقار مدحت عاصم قدمها في فترة من الفترات كعازفة بيانو بالبرامج الإذاعية؛ عشقت السفر والتجوال حتى أنها سافرت خلال مسيرتها الفنية ما لايقل عن اثنتين وعشرين مرة إلى دول أوروبا، والهند، وبلاد الشام.
قدمت “ماضي” مع فرقة “المسرح القومي” مسرحيات: “الست هدى، أوديب ملكا، الأستاذ كلينوف، النائب العام، قطر الندى، ابن مين فيهم، كرسي الاعتراف، هي ومراتي”؛ ومع فرقة “المسرح الحديث” مسرحيات: “الشوارع الخلفية، المجرم المحترم، نرجس، واحدة بواحدة؛ ومع فرقة “المسرح الكوميدي” مسرحية “الزوج الحائر” في ١٩٦٣؛ ومع فرقة “مسرح الجيب” مسرحية “الجنينة” في ١٩٧٢؛ ومع فرقة “مسرح الطليعة” مسرحية “أيوب الجديد” في ١٩٧٣؛ ومع فرقة “رمسيس”: مجموعة مسرحيات من ريبرتوار الفرقة: “راسبوتين، بنات الريف، كرسي الاعتراف، لوكاندة الأنس، بنت الهوى، بيومي أفندي” خلال الفترة من ١٩٣٨ حتى ١٩٤٠، ومن١٩٥٠ حتى ١٩٥٤؛ ومع فرقة “المسرح الحر”: “لعبة البيت” ١٩٥٣؛ ومع “إسماعيل يس”: “حبيبي كوكو” ١٩٥٤؛ ومع فرقة “أنصار التمثيل والسينما”: “حب وجواز، حبر على ورق” ١٩٥٩، “كسبنا القضية” ١٩٦٠؛ ومع فرقة “المسرح الضاحك” لحسن يوسف: “رجل ومليون ست” ١٩٦٩؛ ومع فرقة “الفنانين المتحدين”: “مجنون بطة” ١٩٦٩؛ ومع فرقة ” على سالم” مسرحية “عالم كداب كداب” ١٩٧٢.
تعاونت “ماضي” من خلالها مسرحياتها مع نخبة من المخرجين الذين يمثلون أكثر من جيل من بينهم: “زكي طليمات، يوسف وهبي، فتوح نشاطي، سراج منير، السيد بدير، عبدالرحيم الزرقاني، نبيل الألفي، سعد أردش، كرم مطاوع، حسن عبدالسلام، كامل يوسف، كمال حسين، محمود السباع، محمود هريدي، جمال الشيخ”، حتى توفيت في التاسع من أبريل ١٩٨٢.

 

https://www.albawabhnews.com/

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح