أخبار عاجلة

“سماء بيضاء” حرائق مشتعلة بكل عناصر المسرح – عبيدو باشا – لبنان #مهرجان المسرح العربي12

لا يتبع وليد داغسني درب المهابيل بالمسرح.لا تعبر أعماله إلا في عين المسرح المقدسة عند المسرحيين . يزور المسرح كا يزور الزوار المقامات . الجمال على الرؤوس وعلى الظهور وفي الصدور. جهازه العصبي مستشاره الأوحد. هكذا يستحم وليد دغسني في ماء نفسه. ولأنه على هذه الصورة وليد مستشار نفسه. ولأنه مستشار نفسه زرع الواقع والواقعية بعمله الجديد” سماء بيضاء” كنذر أو هدية. ثمة نبرة إحتفالية بالواقعية، مهمتها الإعداد الداخلي للعمليات المسرحية، حيث تتظهر الواقعية كمركز للعرض، بالأخص حين تشتد المزاحمات لا المشاجرات بين العناصر المسرحية المتحركة كجنزير لدبابة العرض القاطف والقاذف لبعض الهندسات القديمة في الهندسة الجديدة للعرض الجديد.

رحلة في الواقعية بعيداً من مرارات الواقعيات القديمة. قياس مدى الواقعية على منصة وليد دغسني، بعد جملة تجارب، تسعة مقاطع وأربع ورقات وكتابات مختلفة تدخل فيها الوليد من خلال كل المدارس إلا مدارس التصوير الفوتوغرافي. ذاكرة شخصية وقراءات شخصية للذاكرة الشخصية بكل مسرحية. كل مسرحية محطة يفكر صاحبها بالنضال والمقاومة لدحرالمفهوم السائد عن اللعب بين السراء والضراء على ضريح المسرح. التجانس واللاتجانس من المواضيع الأثيرة عند الدغسني، من ذهب لكي يتعرف على المسرح ليجد أنه تعرف على نفسه حين أراد التعرف على المسرح. لأنه والمسرح واحد. لأن المسرح معجزة المسرحي، معجزة المسرحيين.

لا أزال أذكر أن الرجل ما انفك ينتقد من قتل الأحلام ومن قتل فكرة تطوير المجتمع، بحيث لم يسمح بتغطية كافة القطاعات بالإهتمام، سواء بسواء. تدريب، تدريب، تدريب، يتدرب الدغسني بالمسرحيات ضد إرادة مستشفى المجانين العام في أفريقيا والشرق الأوسط.

سوف يكتشف المسرحي، قبل المشاهد تركيبات مختلفة على الصعيد البصري، على صعيد الفرجة وتأليفات الفرجة، وشيئاً أساسياً واحداً يهدد عالمه كما يهدد العالم وحدة البشري في عالم كامل من العبث. هكذا لا تختلف “ذئاب منفردة” عن “سماء بيضاء” ولو إختلفا على الإستيقاظ على مسوغين مختلفين بالصناعة المسرحية، ثورة ورغبة بالتطوير والتطور الدائم على أبنية السرد الفيلمي في مسرحه، سينما في المسرح، هذا دأب وليد داغسني. أن يتشاجر مع نفسه، حتى يقيم الصلح على غير مبادئ الصلح بين السينما والمسرح، الأجواء سينمائية، التقطيع سينمائي بقوة لا تسمح للسينما بأن تتنازع والمسرح حتى يبني الرجل مدينة مسرحه على الفراغ، الفراغ، الفراغ، الفراغ، وصفة المسرحي ميلاد المسرح بالفراغ، ميلاد المسرح من الفراغ، كل مداخل المسرح من الفراغ، روح بروك القديمة، روحه الأعلى قبل أن يعتبر المسرح بضاعة، بعمله على الطقوس الأفريقية من خلال الزركشة لا من خلال قيام الطقس على الطقس / الرب، من خلال العمل على مناصرة الطقس بوصفه بيرقاً وسنجقاً ومستعمرة لا تزال تزرع بالعمليات الوهمية والأصحاب، أصحاب الإخبار عن مواقع ساحات الطقوس بين الأفراح والأحزان، روح بروك في مسرح الدغسني، من خلال العصف على الفراغ، عبر إفشال فكرة تقاسم تركة الرجل المريض بالأدغال الأفريقية، بعيداً من حسية آرتو.

بسماء بيضاء فراغ بروك وحسية آرتو، حيث أن الإتفاق النهائي بين دغسني ومسرحه إتفاق على إستخدام دلالات المناهج العناصر والعصائر للأدوات والعناصر، لا العناصر بحد ذاتها، الفراغ بدلالات الفراغ في “سماء بيضاء”، قاعدة إمداد المسرح بأسلحة المسرح. الطقس وحسية الطقس بالدلالات غير المملوكة إلا من من يقف على الدرب المقدس للمسرح، شيء بكر يمعن بانتداب نفسه على إتساع المسرحية على مدى خمسين دقيقة.
هكذا، تطاوع سماء بيضاء بستان كرز بروك مع ميشال بيكولي، بالرغم من أن لا خط مشترك بين المسرحيتين، تطاوعها بدون خسائر، بدون الإعتماد على عين واحدة وعزم واحد، يستحم دغسني بالمساحةالفارغة، صف هوى بروك بكتابه ومسرحه ذي اللغة الخاصة، فراغ البوف دي نورد بباريس مع حقيبة ملابس واحدة، وفراغ العلبة الإيطالية لدى دغسني.

لا يفهمن أحد بأن الأمر أمر مقارنة بين بروك والدغسني. سيبتعد وليد نفسه عن هذا الفهم المبسط، لا يفهمن أحد سوى أن المسرحي التونسي لا يخشى من بناء منطقته الجديدة على زيارة أبرز أعمال المتخصصين من كبار المسرحيين بالعالم ومؤتمراتهم المسرحية، مؤتمرات رفع الرؤوس. سحر بروك من واقعية “بستان الكرز”، تشرق شمس بروك بنص تشيخوف فوق أرض باع المسرحي الإنكليزي نصفها لمذكرات الفراغ والطقس، حين تخلى عنهما بصالح الشكلية لا الشكل ولا التشكيل.

سحر سماء بيضاء من واقعية سماء بيضاء. حيث معرة الخرس والبكم والعميان، إثر إبصارهم ما لم يبصره أحد وكلامهم ما لم يتكلمه أحد وسماعهم ما لم يسمعه أحد. أجمل اللحظات بالمسرحية لحظة واقعية مملؤة بالحوامل الإيحائية. مشهد التفاحة. لحظة “إكسترا” واقعية تقود إلى نوع آخر من الرصد والمراقبة.

تفاحة آدم وتفاحة الثلجة البيضاء، خرج آدم من جنته حين قرش التفاحة كما قرشها بطل “سماء بيضاء”. خرجت “بلانش ناج” من صحوة الحياة إلى الغيبوبة حين قرشت التفاحة. لا تخرج إلى الحياة من جديد إلا من خلال قبلة الحياة، قبلة حبيب يزرعها المحب على شفتي الحبيبة، الرجل والإمرأة بالجحيم الأرضي في مهمة العودة إلى الجنة السماوية، لا عودة للعالم من الغيبوبة إلا حين يضحي الحب هو الجامع بين الرؤوس والأشهر والأعوام، حب مضمخ بكل تجارب الثورات، حب موجود تحت المسطح الصوفي، إذ يخفي المسطح الرقيق، إتحاد العوالم وشبكات من العلاقات المعقدة، وداعاً للعالم بلا شراكة، وداعاً للعالم بلا حب، الكلام بين المصلحة والمحافظة. لا تكتمل خانة التفاح إلا حين يرمي الرجل كل تفاحه دفعة واحدة على المنصة، الأشبه بساحة معركة في واحدة من حروب العالم الباردة، لم يعد بوسع الموت الخارجي إلا أن يصطدم بالموت الداخلي، خطوة بالعالم إلى العالم الآخر، لم يتمكن أحد من الهرب تاركاً وراءه مخطوطاً حول حياته لا أبحاثه، بعد أن تأكد بأن ترك المخطوط قضية مجدية. الأرواح الخفيفة لا تقفز من الترح إلى الفرح إلا حين تتحرر من الحياة.
فكرة يستحقها المسرحي، من زرع جندياً بالأرض ليحصد معركة تدور في خياله بين الجوهري والعرضي بالحياة، المعركة أقرب عند وليد دغسني من الآخرين، لأن الرجل لا يقدم المسرح بوصفه غرفاً منفصلة، عنده المسرح طابق واحد، طابق عالٍ حيث لا يخطو خطوة الحياة إلا بتوأمة الكتابة والإخراج، لأن الكتابة عند الرجل إبصار لا احتواء لخطط مؤجلة، الكتابة روح الإخراج والإخراج روح الكتابة، يزداد الواحد منهما سناً إذا ما نأى عن الآخر، غير أن الإخراج عند الكاتب إبن طبقة نبيلة، حين أن الكتابة حياة للبعض وفظاعة للبعض.

صحيح أن اعتلال الكتابة بتجربة المسرح في البلاد العربية قادت إلى الترجمة والإقتباس، إلا أن هذه مرحلة عانى فيه المسرح والمسرحيون من القصر، ما لا يعانيه المسرح والمسرحيون اليوم، كتبوا بالغبطة لا بالخفة، غير أنهم لم يلبثوا أن تركوا الكتابة لصالح الصداقة اللاخفية للإخراج، لم تلعب الكتابة دوراً بتوقيف الزمن عند الكتابة، إذ استهدفها المخرجون بالبلاد العربية بعد أن ترك المخرجون في أوروبا وأميركا النصوص بظلال أشجار المسرح، لهجة النص الحازمة اليوم بدول المنشأ المسرحي، ردت النصوص من الظلال إلى قيد الحياة، لا نزال أبناء شبكات حية، تقوم على الشعور والإحساس. التصالح مع النص من جديد، وجود بغابة الآخر، لكي لا أتهم المسرح ببلاد العرب بالإستتباع، الترجمة والإقتباس، ثم التأليف، ثم الهرب إلى نظم الكتابة الجماعية بالهرب إلى الورش، ثم عودة إلى النص النازي بالمسرح، نص وليد دغسني نص نازي في سيطرته على عرض ” سماء بيضاء ” بعد أن سحق داغسني النصوص بأعماله السابقة بقوةالإبصار، بالفرجة، بالإنفتاح على كل ما هو رؤيوي. لا لأن الكاتب مهزوم بالكتابة، لأن الكتابة بالعربية الفصحى، اللغة الفصحى يقين الأصدقاء والأعداء، حين أن المسرح ضد اليقين، ثم أن إندلاع المواجهة على يقين اللغة، لغة تميل إلى الشعر لا إلى الشاعرية، تؤكد أن لغة الشعر لا تولد الدراما، بالإذن من الرفيق أرسطو، تحت نوافذ اللغة العربية بأقل تقدير، غياب الدراما، من حضور يقين اللغة واصطدامها بروح الحداثة لدى من يرى أن المسرح في خطر إذا ابتعد من معاييره الأولى : الفرجة، العرض، العرض الفرجوي، اللعب، غياب الخوف من أن تصبح المنصة حرب أشكال وألوان، تدفع رفاق العرض المسرحي إلى إتخاذ مواقعهم وكأنهم في جبهة مفتوحة أو على خطوط التماس، الدغسني شديد الإهتمام بالهيئات، شديد الإهتمام بالفرجة، على قاعدة أن ما تراه ما لاتراه، ما تحس به؛ الإحساس فكرة عصية عند العديد من المشاركين بكتابة عروض مسرحية، يرون أن نجاحها من إستعصائها على المشاهدين، لا من قدرتها على سبر الشعور، لا تصوره بالتحديد. .

يشعل وليد داغسني حرائقه بالمسرح ، بكل عناصر المسرح، الكتابة ، التمثيل أوالآداء ، الإخراج، السينوغرافيا من يقيم البعض أحلافه معها في مواكب تفتح الأبواب أمام طلباتهم بالنجاة من عناصر المسرح الأخرى، يتقدمهم إلى هذا المفهوم المفرَّغ من المعاني لدى بعض من يرجع إلى السينوغرافيا من غيظه من سيطرة المخرج على العرض المسرحي . الآداء لا التمثيل، حيث وجد الممثل ذاته، الممثل والممثلة، في سلسلة متتابعة من عمليات الأتمتة – الأخيرة زوجة الأسلبة – الآداء المؤسلب، ينهب الواقعية على المنصة بصالح لحظات تغريب، عززها البرولوغ ببداية المسرحية. ثم الكلام على وجود المسرح بالمسرح ببداية المسرحية. ثم تغريب الفصحى للعبة المسرحية. الآن أوافق منير أبو دبس رائد تجربة المسرح الثقافي بلبنان على أن الفصحى تغرب. الرقص أسلوبي، الرقص مؤسلب. الأسلوب غير التأسلب، يؤسلب الداغسني الرقص بالأسلوب المسرحي، أسلوب يعيد غريغ من لحظات موته، أسلوب يصد الدغسني الموت فيه عن الموت، عند كريغ المخرج وحده مسؤول عن تأويل النص، الداغسني كذلك، ولو أن المخرج في “سماء بيضاء” لا يحتاج إلى تأويل نصه بعمليات الإخراج، لأنه مؤول، حيث لم يصل المخرج إلى نهاية عمليات الكتابة إلا من خلال إستنباش الأهداف، أهداف التأليف الكامل من خلال التأليف الأدبي، أدبي، لأن اللغة جذر، كلما أشرنا إليه بالإختفاء يحضر، يكتب الداغسني لكي يثبت أقدام الإخراج على أرض النص، هذه ميزة، إلا أنها تقود إلى جماعة من المحظورات، كأن يسمع الطرق الخفيف للإنشاء على باب النص، هكذا تحضر الصفات على الدوام، الصفة والموصوف : الحمامة الهانئة، الخريف القاسي، الصيف الحار.

التقعير يقتل شباب النص. احتفظ النص مع ذلك بأهدافه البشرية. جرى إشعال المنصة بالفرجة، بحطب النص، الآداء آداء حفر، حفر على النحاس، حفر من أجل قيام فن حركة لا بطيء، إلا أنه صامت حتى في لحظات الآداء الشرس، هذا من كريغ، كريغ بروح “سماء بيضاء”، غريغ عائلة من العناصر بالمسرحية، رقص مبني على حركة واحدة من أهدافها إمحاء الحركة تعبيراً عن عبث يتعزز حضوره بخنق حياة الأبطال، وكلما حين يخنق المنصة بإيغاله بكبر السن، كلما أوغل العرض بذاته، كبر العرض، أضحى أكبر عمراً، شمولية السينوغرافيا، لا آحادية الديكور. هكذا تفرغ المنصة من الأدوات، إلا المشنقة اللامشنقة وآداة الجرش والشاشة القلابة بالمشاهد بعمق المسرح أو في بؤرته البصرية، “بيرسبيكتيفه” هذا من كريغ، الممثل دمية خارقة، هذا من كريغ، ولأنه دمية خارقة، يبدل لهجة التمثيل بلهجة الآداء أو تكثيف العمل الفني بالجاست أو الإيماءة؛ يقع الهدف الجمالي الأعلى للعرض بالجاست المسرحي، هذا مسرح المخرج، مسرح كريغ، ما طرحه كريغ وما أكمل راينهارت جوانبه العملانية، وليد الداغسني في “سماء بيضاء” غريغي النزعة من سيطرته الكاملة على العرض ومن تعميره خشبته المؤسلبة على الإيقاع والضوء واللون، لا يعتبر الأمر تدخلاً أجنبياً بالشؤون الداخلية لسيادة جمهورية الدغسني، لأن رئيس الجمهورية، رئيس كامل السيادة على جمهورية كاملة السيادة، حين لا يسمح للتفاوتات بالحضور، مجذراً الناتج الأجنبي الإبداعي في حركة مستقلة لا علاقة لها بالحركات الإفتراضية، حيث لم يسمح الدغسني بحضور ديكتاتوري من مسبب التنافس الإبداعي بين منجز غريغ واقتراحات الدغسني على ما أنجزه أحد كبار المسرح رفيق كوبو وستانسلافسكي، إذ أن وليداً لا يسمح بتهميش النفس حين يستولي على الأراضي القديمة، كما تفعل النخب على الدوام، مستصلحاً أرض كريغ وراينهارت بكل الوقائع الواضحة على الأرض، بجمع وتحديث الجمع، لا عماء، عبر التوظيف الدقيق، لا باعتبار المستهلم جزءاً من هبات أو إعانات دولية، بل بتعميق الأساليب والأدوات في نظام جديد عبر علاقات المصاهرة. .

أجمل ما في الدغسني أن الرجل ليبرالي، لا علاقة له بالتوجهات الراديكالية. يتمتع شريط الموسيقى في “سماء بيضاء ” بقوة سردية تكاد تنافس قوة السرد في النص المكتوب والمنطقة البصرية المراوحة بين الهوية الشخصية والتضامن مع روح المسرح بالعالم. لأن المسرح مُخلِّص ٌ ومُخّلّْص للجميع بلا إستثناءات، تزعم الموسيقى أنها تنافس على بطولة “سماء بيضاء”. سوف تطور المشاهد حين تحضر بطبائعها الطقسية والكنسية الطقسية، حين تهدد النظام المسرحي بالمسرحية بخطر حضورها الدائم ومنعها بعض المشاهد من الوصول إلى حقوقها من خلال التدخل اللامحدود، ما يشكل بعض الإضطرابات الداخلية بطبقات العرض المسرحي، لأن عرض ” سماء بيضاء ” بطبقات، ما يخفي التسابق والتنافس في مجالات التأثير. نص مدفوع بكل غرائز البقاء، بدون قدرة على تنمية فرص العمل الحقيقية للعناصر الأخرى، يقع النص في هوة المنفعة الأدبية، هكذا يتشظى في سخاء، ضمن دوائر ستدفع إلى تضاؤل الخطاب البصري بتضييق الخناق على العناصر الأخرى، كلام على عشتار، كلام على دينوسيوس، كلام على أنطونيو وكليوباترا، الحياة والموت، القوة والسلطة، الشعوب المقصاة إلى العوالم الخارجية وما تبقى من هؤلاء على الأرض، من يعانون الحرمان والتفاوت بسعي وبدون سعي إلى القفز فوق التعارض المتواصل على مدى عقود بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والزمن، بين النظام القائم وإطاحة النظام، الحب والكراهية، القتل والنجاة، الجنس والولادة والجنس بلا ولادة، الإستقلال والهيمنة؛ نص يشغل نفسه بالإحتحاج على كل شيء بحيث لا يعودالمُشاهد قادراً على تبين عناصر الإنهيار المديد والحاد عنصراً عنصراً.

الجدوى بالمسرحية من العبث والعبث من اللاجدوى. يعجز البشري عن قيادة عالمه من ثورة المسرحية المضادة على العالم، العالم البشري عالم المسرحية، لا علاقة للإقتصاد بالمساحة الفارغة، المساحة الفارغة سلطة غير مزعومة، المساحة الفارغة، الفراغ ولاء المسرحي للفراغ، حين يعبر الفراغ عن أنواع العنف، الفراغ لحم المسرحية، أجمل ما في “سماء بيضاء” فراغ المنصة، الفراغ المشرع غير الضيئل على كل نهضة من نهضات المسرحية، يبذل وليد الدغسني بالمسرحية ما يبذله ، لأنه ضد التملك والملكيات والدائم والتفسير والمشابهة، رجلٌ تنبع مصالحه من تمرده على مصالح الجماعات، ولو أنه غذى نفسه من ثقافاتها قبل أن يحقق حضوره من مقارعة الإجتماع على هذه الثقافات لا الثقافات بحد ذاتها، الفكر أساس، بعيداً من تحقق الفكر على المسطرة، يتقد حضور الكليشيه قليلا حين يقوم الحوار بين البطلين على احتلال موقع الصدارة، تحضر أطراف من الغنائية، كما تحضر أطراف من التعبيرية حين ينتعش الكلام بين البطلين ( أماني بلعج، أمين العماري)..

لأسماك القرش البشرية اليد الطولى بالحوار، ما يدفع أماني إلى السؤال الدائم، بدون إستهلاك، ما يعصى عليها أن تجيب عنه في واحدة من المفارقات المتكررة بالمسرحية : هل قتلتني، حية تسأل عن موتها وهي لا تزال حية، عبث بنبرة وجودية ووجودية بالغة بعبث بالغ، لا ينتمي الممثلان إلى عصبة أو جماعة وهما يدافعان عن حضورهم في المنطقة المسرحية، يحاولان أن لا يطمس المخرج،السيد، القوي، المهيمن، قداسة حضور الممثل، عند وليد : الممثل دمية عملاقة، عندهما : الممثل قديس، تظهر أجزاء من مسرح غروتوفسكي هنا ( إذا تم إلغاء الشاشة بعمق المسرح، تنكشف المسرحية على حضور مسرح غروتوفسكي / المعبد). عندهما : الممثل في موقع الصدارة، كل يحفر باتجاه، إلا أنهم يلتقون عند السمة الأساسية للعرض. اللعب على الترميز، التغذية ، بناء المنطقة الأساسية على المنصة على الحقائق العصية على التلاشي : هل لا نزال أحياء؟ ثم ، التخندق بعيداً من الفلسفات الأنتروبولوجية، لأن المسرحية تلعب على حدودها الدينية والقبلية، هوة مظلمة تحفرها عوامل داخلية وخارجية، “سماء بيضاء” مسرحية إشكاليات، هذا بعدها المهم ، هذا بعدها الأهم، لأن المسرح اللاإشكالي لا يحسب على المسرح، الدغسني إشكالي على الدوام، الدغسني مسرحي على الدوام. على أي مقياس من التوتر، إنبنت ” سماء بيضاء ” . سؤال، فقط سؤال .

عبيدو باشا – لبنان

(ورقة نقدية / تعقيب عن العرض ضمن فعاليات الدورة 12 لمهرجان المسرح العربي بالاردن)

*سماء بيضاء . نص و إخراج وليد داغسني. كلندستينو. تونس
11 يناير 2020

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح