أخبار عاجلة

سماء إبراهيم.. الصعود درجة درجة: «أم جابر» تصرخ فى الطليعة: «أنا كارمن» / محمد الروبي

نشر / محمد سامي موقع الخشبة

«أم جابر» واحدة من شخصيات المسلسل الرمضانى «طايع» أدتها ببراعة ممثلة جديدة لفتت إليها الأنظار ودفعت المشاهدين للسؤال عن اسم تلك المرأة الجبروت التى أشعلت الصراع القائم على الثأر وأودت بحياة ابنيها دون جدوى، وحين اكتشفت الحقيقة بعد فوات الأوان انهارت واقتربت من حافة الجنون.

«أم جابر» هى الممثلة المسرحية «سماء إبراهيم» التى قدمت على مسرح الطليعة مونودراما من إخراجها بعنوان «أنا كارمن» منحت فيها شخصية كارمن التى أبدعها جورج بيزيه روحا مصرية خالصة، أكدت امتلاكها قدرات مغايرة وموهبة تمثيلية متفردة.

العرض المونودرامى صاغته سماء من عرضين سابقين لها وهما «أنا كارمن» و«أقول إيه» ضفرتهما معا لتصنع منهما عرضا شديد الخصوصية.

وبالرغم من انفصال العرضين تماما فى الموضوع الذى يتناوله كل منهما، إلا أن المخرجة نجحت فى الربط بينهما بخيط رقيق برر تقديمهما فى ليلة واحدة، إذ جعلت من العرض الأول «أنا كارمن» تمهيدا أو استعدادا لتقديم العرض الثانى «أقول إيه».

«أنا كارمن».. عنوان سيحيلك بالضرورة إلى قصة «كارمن» الشهيرة، التى خلدها الموسيقار جورج بيزيه فى واحدة من أروع وأهم أوبرات العالم، وربما يجعلك تظن للوهلة الأولى أن سماء إبراهيم قد عكفت على تمصيرها لتتحول على يديها إلى «كريمة» أو «كركر» أو غيرها من أسماء تتيح لها الاستفادة من صراع كارمن الشهير بعد أن تنقله إلى شوارع مصر وأحد مصانعها. إلا أنك سريعا ما ستنفض عنك هذا التصور، بعد أن تفاجئك الكاتبة والمخرجة بموضوع مغاير تماماً كانت كارمن بيزيه فيه خلفية لشخصية أخرى، مصرية حتى النخاع.

يبدأ العرض بدخول امرأة من باب الصالة ترتدى بالطو أبيض وتضع نظارة طبية سميكة تبتلع نصف وجهها وتغطى رأسها بإيشارب يكاد يخفى جزءا من شعرها، تمسك بمقشة طويلة تكنس بها المسرح وتتحدث إلى نفسها بكلمات حانقة تصب غضبها على مدير المسرح الذى يضطهدها دوماً ويكلفها بأعمال تليق بستة أفراد.

حين تصل العاملة إلى منطقة التمثيل تكون قد قدمت نفسها إليك تقديما سلسا ستعرف من خلاله أنها تنظف المسرح ليستقبل عرض «كارمن» الذى تعشقه والذى تحفظ جمله الحوارية عن ظهر قلب. وستبرر لك فى تقاطعات مع حياتها الشخصية وعبر حكاياتها عن أكثر من كارمن مصرية صادفتها فى الحياة، لماذا انحازت إلى شخصية كارمن ضد حبيبها ولماذا حزنت حزنا كبيرا على موتها، مستفيدة من تلك الإكسسوارات البسيطة المتناثرة لتعينها على التحول من كارمن بيزيه إلى عاملة المسرح والعكس. ووسط هذه التقاطعات والتداخلات ستنجح سماء إبراهيم كمخرجة فى الحفاظ على روح كارمن بيزيه من خلال حفاظها على اللحن الأساسى الذى منحه الموهوب محمد حسنى مذاقا خاصاً يليق بمعاناة العاملة المصرية، وهو ما تجلى فى الأغانى التى تخللت العرض وشدت بها الممثلة.

واتساقاً مع شكل الدائرة سيعود العرض إلى لحظة البداية، لحظة العودة إلى الشخصية الأولى، شخصية العاملة العانس التى تعود إلى عملها المنهك الذى لا ترضاه ولا يرضى طموحها. وكان من الطبيعى آنذاك أن تحظى سماء بتحية طويلة من جمهور المسرح الذى سينتبه فجأة إلى صوت المذيع الداخلى يعلن عن بداية العرض بعد قليل ليؤكد على أن ما رأيناه لم يكن إلا بوح عاملة مسرح تؤهل المسرح لعرض لم يبدأ بعد.

قبل أن يهدأ الجمهور سيسمع ضجة صاخبة وأصوات شجار تأتيه من خارج المسرح وفجأة ستدخل الممثلة نفسها من الباب الخلفى للصالة تتقمص شخصية جديدة تماما، تعبر بذعر شديد عن استيائها من محاولات رجال أمن المسرح منعها من الدخول وتقديم عرضها..

وعلى طريقة العرض الأول، لن تصل الممثلة إلى خشبة المسرح قبل أن تقدم نفسها إليك، إذ تتساءل بغضب عن سر منعها من تقديم عرضها الخاص، ولماذا يرفضون بوحها بحقائق يعرفها الجميع بل ويهددونها بقطع التيار الكهربائى عن عرضها إذا أصرت على تقديمه.

إذن فهى ممثلة لكنها ومع توترها الشديد تنسى أى عرض كانت تنتوى تقديمه هذه الليلة وتتساءل معنا «أقول إيه؟» ليتيح لها السؤال انتقالا مبررا من شخصية إلى أخرى ومن حدث إلى آخر. وفى كل شخصية ستشعر كمتلقى أنها تنويعات مختلفة على شخصية كارمن العاملة العانس فى العرض الأول، معتمدة فى انتقالها بين الشخصيات على تقنية نسيانها التى أكدت عليها فى بداية العرض ومن ثم سؤالها المتكرر «أقول إيه؟» كممهد للشخصية الجديدة.

فى البداية ستختار الممثلة أن تبدأ بالحب الذى تظنه الأجدر بالحكى، لكن حديثها سيجرها ويجرنا إلى علاقة مشوهة بين امرأة تهفو إلى الحب ورجل متزوج يكتفى بعلاقة عاطفية عابرة. وهو ما سيلقى بها إلى ذكرى أخرى عن امرأة أخرى هى كارمن الفلسطينية، التى حرمها الاحتلال من زوجها بعد أن غيبوه فى سجونهم سنوات طويلة كانت بالنسبة لها سجنا موازيا قضبانه الحرمان.

ومن كارمن الفلسطينية إلى كارمن زوجة البواب التى تدخل معركة يومية للحصول على بضعة أرغفة تطعم بها أبناءها. ثم كارمن المرأة المدعية، الداعية لجمعيات نسائية لا يستفيد منها سوى عضواتها الثرثارات. ثم كارمن التى كانت الرجل (كرم) ولم يحتمل القهر فاختار أن يتحول، ويمتهن الرقص الشرقى. لينتهى العرض برقصة هى أقرب إلى رقصة طير مذبوح، تزيد من شجنها دموع الممثلة المختلطة بضحكاتها، فتتوجه بانكسار إلى حيث الباب الخلفى للصالة لتخرج من حيث دخلت. فتضج الصالة بتصفيق يدشن سماء ابراهيم ممثلة قادرة ومخرجة صاحبة رؤية نجحت فى أن تتدرج بمتلقيها من حالة إلى حالة وتضعه مباشرة أمام همومه اليومية فى إطار من متعة أدائية كانت البساطة عنوانها الرئيس.

عن محمد سامي

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.