سـيرة “الشـقف” وهـشاشة رمـاح فـي لـبان أدهـم الحـمراء حاتم التليلي/ تونس

 

سـيرة “الشـقف” وهـشاشة رمـاح فـي لـبان أدهـم الحـمراء

حاتم التليلي/ تونس

في سنة 2015 وضع “عز الدين قنون” رمحه المسرحيّ على الأرض ثمّ قفز إلى باطنها ونام ليلتحق بأولئك الذين شرب صلصالها من دمهم. نحن لا نعرف في الأبدية إن كان عبد الوهاب الجملي أم الحبيب المسروقي أو غيرهما من الذين سبقوه إلى الموت قد استقبلوه، ربّما يكون ثمة هناك شأن ما بعد ميتافيزيقي نحن لا نقرأ عنه إلا في عذابات السيّد جلجامش، أمّا وراء الجنازة، فثمة من الأعداء من هم حضروا ليشاهدوا النعش بصفته جواز سفر إلى الغياب وفي قلوبهم شيء من الذنب أو ربما التشفي، لكن ثمّة أيضا من الأحبّة الذين مزقت أوصالهم الفاجعة.

كانت ثمّة من قبل رحلة قديمة يمكن ترجمتها مع ولادة المسرح العضوي في تونس بما هي تمثّل محنة جيل بأكمله، أراد أن يكون الجسر الذي يتخطى من خلاله الوعي الإنساني في تونس الراهن السياسي والاجتماعي والثقافي في تلك الفترة. مثّل “عز الدين قنون” أحد هؤلاء الجيل الذي أصابته حمّى التفرقة فيما بعد، ورغم ذلك حاول هذا المسرحي أن يظل وفيا للتجربة، إلا أنه في اللحظة التي أعلن فيها المسرح التونسي عن تحليق هذا الطير من خلال جملة من الأعمال المسرحية الرائدة والملتزمة، قرّرت الموت أن تقذفه إلى أغوار الأرض. ومات قبل أن يحقق حلما يراوده؛ أن ينجز عمله المسرحي مع جملة من مريدي “الحمراء”، عربا وأفارقة، حيث جمعهم “المركز العربي الافريقي للتكوين والبحوث المسرحيّة” الذي تمّ اطلاقه سنة 2000،  وهو عمل مسرحيّ يعرف الآن بتسميّة “الشقف”.

منذ تلك اللحظة، أصبح مسرح الحمراء يتحرّك على صفيح ساخن، سديم نار يترجمها كلّ شخص حسب وجعه، ما حقّق ضربا من ضروب زراعة نوع من الرّعب نتيجة شكّ مبطّن في استمرار التجربة من عدمها وهو شكّ غذّته عوامل عديدة من بينها أولئك الحاقدون الذين دفعوا بصراعات أبناء الحمراء إلى أقصاه، ومن بينها أيضا رغبة البعض في الهجرة إلى تجارب أخرى فرديّة وذاتيّة بالأساس، وحدث إذ غادرت “ليلى طوبال” بلا رجعة بعد أن كانت تمثّل أحد أهمّ أضلاع تجربة “عز الدين قنون”، وبغض النظر عن الملابسات التي رافقت مغادرتها ومدى مشروعيتها، فإنّها بشكل أو بآخر مثّلت نوعا آخر من الفاجعة المسرحيّة التي خيّمت على مسرح الحمراء، ما دفع بالبقيّة إلى ضرورة مواصلة مشوارهم المسرحيّ في ضوء رهان فنّي يبقى منتسبا في منظوراته وتطلعاته إلى تجربة الراحل “عز الدين قنون”.

لقد ولدت مسرحيّة “الشقف” في هذا السياق من محنة “مسرح الحمراء”، كعلامة جذرية عن تشغيل ذلك الحلم الذي راود من قطفته الحياة لتسلّمه إلى صورته المعلّقة حدّ الآن على الجدران بصمت المنايا، وهي من اخراج “سيرين قنون” ابنة الفقيد واللبنانيّ “مجدي أبو مطر” أحد الذين انتسبوا سابقا إلى “المركز العربي الافريقي للتكوين والبحوث المسرحيّة” وخاضوا في تخومه جملة من التربصات التكوينيّة، مثله مثل العديد من ممثّلي هذا العرض الذين قدموا من دول مختلفة  مثل “البنين” و”لبنان” و”سورية” على غرار التونسيين الذين شاركوا في صناعة هذا العمل تمثيلا أو كتابة.

إنّ أخطر سؤال يواجهه هذا العمل منذ انجازه حتّى آخر عرض نحن نشاهده الآن في مهرجان الحمامات الدولي من دورته الثالثة والخمسين، هو ذلك الذي يطرحه البعض من الاعلاميين والنقاد والمسرحيين: هل كان “الشقف” من حيث منظوراته وموضوعاته الفكريّة والجمالية سيكون بهذا الشكل لو أنجزه الرّاحل “عزّالدين قنون”؟

ربّ سؤال يخفي أكثر من خطاب ضمنيّ في ثناياه، إذ هو لا يجد مشروعيّة طرحه إلا من جهة تشغيل الموتى، إذ ثمّة من لم يتجاوز بعد صدمة الفقد، وثمّة أيضا من يذهب إلى القول بنهاية الفعل المسرحي في مسرح الحمراء، وثمّة من يأخذه الحنين إلى الوراء فيكرّس الماضويّة كعنوان لدحض مشروعيّة التخطّي والتجاوز، وهذا سلوك قد يجعل من الرّاحل “عزالدين قنون” وسيلة لمحاكمة أي عرض فنّي أو أيّ عمل مسرحيّ يتمّ انجازه من بعده. إن تشغيل هذا السؤال لن ينمّ في نهاية المطاف إلا عن عطب نقديّ، فهو رغم براءته في أحيان عديدة يدلي بعجز عن قراءة الرّاهن في ضوء مستحيلاته الآنيّة، كما قد يخفي ضمنيّا عن رغبة ملحّة في تأبيد محنة الحمراء التي تمّ تشغيلها من قبل نوائر المسرحيين من الذين لا همّ لهم إلا الاقامة في مسلخ فنّي يدعو إلى تمزيق أوصال الفعل المسرحيّ كما لو أنّه غنيمة حرب معدّة سلفا للبيع في أسواق الرّقيق الثقافيّ.

كيف تمّ تشغيل “أدهم الحمراء” ضمن السيرة النقديّة التي رافقت مسرحيّة “الشقف”، بعد أن ضمّته خيام الموت وقفزت به إلى مستحيل وجود لا مرئيّ؟

يدرك النّاقد الذي استقال منذ زمن بعيد عن الحركة النقديّة، مثله مثل الاعلاميّ الذي تحوّل إلى شاعر مدّاح أمام القاعات المسرحيّة أو هو يخبط في سجّلات المعاجم علّه يتعلّم بعض حروف الأبجديّة القائمة على الهجاء، ومثلهما مثل المسرحيّ الذي بات سلوكه أشبه بالسلوك الأمنيّ فإذا به يراقب أعمال الآخرين قصد تقزيمها وينسى أنّ أعماله هي الأخرى من الممكن جدّا رميها في حاوية للفضلات نتيجة ضحالتها: هؤلاء جميعا – مع وضع في الاعتبار استثناء قلّة قليلة منهم-، يدركون جيّدا تجربة الفعل المسرحيّ لـ”عز الدين قنون” وخاصّة في اطار “المركز العربي الافريقي للتكوين والبحوث المسرحيّة”، لذلك نشأت أسئلتهم وتحاليلهم لمسرحيّة الشقف كالآتي:

هل ثمّة كتابة تفاعليّة/تشاركيّة وجماعيّة كتلك التي كانت مساراتها موجودة سلفا في ورشة الدراماتورجيا وقرينتها المعنيّة بأداء الممثل وتكوينه ثمّ إدارته، ما يجعل من المحصلة المسرحيّة متضمّنة لخلفية فكرية وفلسفيّة، وما يجعل من الدراماتورج نفسه لا كاتبا فحسب وإنما فيلسوف العمل المسرحيّ، فإذا بالعرض في نهاية المطاف يقدّم قربانه الممثل على الركح بشكل يترجم عن كونه مرّ بمسار حافل من البحث والمراجعة؟

قراءة وأسئلة كهذه، لم تخرج إلى العلن بقدر ما هي ظلّت رهينة الأحاديث والنقاشات الفردية لأن من تبنّاها لم يكن في جانب منه يمتلك الجرأة الكافيّة لإعلانها كتابيا وبشكل علنيّ، وحتّى إن كنّا نبرّأ البعض من الذين طرحوها، فهي تفصح عن كونها قراءة مقارنيّة لا جدليّة/ديالكتيكيّة، وأن نقرّ بذلك فهي الأخرى تجد نفسها متعارضة مع تجربة “عزالدين قنون” التي التجأت إليها بغاية تفكيك مسرحيّة “الشقف”، لأنّ الجدل أساسا يقوم على التناقض لا على المقارنة، وبالتالي فهي قراءة يجدر بنا رميها عرض المبتذل في السوق الثقافية، كما لا تذهب في استحضار “قنون” إلا بكونها مهووسة بالبحث عن حجّة لمحاكمة مسرح الحمراء من بعده.

إنّ تقويض هذه القراءة بمختلف منظوراتها، لا يجعلنا نغفل مساءلة قراءة أخرى لا تقلّ عنها خطورة، وهي قراءة وجدت في الولاء الأعمى لـ”عز الدين قنون” ومسرح الحمراء اشتغالها، فلم تفصح عن رؤيتها لمسرحيّة الشقف إلا من حيث المديح، وهذا سلوك لا نقديّ بقدر ما هو ذاتيّ فحسب، نحن في هذا السياق لا نسعى إلى تقزيمه أو تقويضه بل إلى مساءلته، إذ هو بقدر ما يدفع أبناء هذه التجربة خطوة إلى الأمام نحو مزيد من التحدّي والمراكمة الفنيّة حفاظا على امتداد “مسرح الحمراء” واشعاعه، يكرّس نوعا من المغالطات، إذ لا يغذّي الحسّ النقديّ والجدليّ والحواري الذي يكشف عن نقائص العمل المسرحيّ “الشقف” كما يكشف عن مواطن الابداع فيه بغاية التطلّع نحو آفاق أرحب. وفي رحاب مساءلته أيضا يمكننا الاشارة هنا إلى معظلة مرعبة يعاني منها مسرحنا التونسيّ برمّته: ألا وهي غياب الناقد، ذلك الذي يجد إقامته الفنيّة لا من حيث الوصاية على الأعمال المسرحيّة والابداع وإنما من حيث كونه ذلك الرؤيوي، فيلسوف المسرح ومنظّره.

أن نقرأ مسرحيّة “الشقف”، من جهة انتسابها إلى ما يلوكه البعض عن المسرح العضوي من عدمه، أو من جهة وفاءها إلى خلفيات “المركز العربي الافريقي” من عدمها أيضا، فهذا سلوك يعمي أبصارنا فعلا، إذ بهذا الشكل نحن لم نخرج بعد من يافطات السائد من سرديات الماركسيين التي يكرّسها “اليسار الرجعيّ” برمّته، فهو حدّ الآن رهين الكلاسيكيّة من المقولات الثوريّة وقد باتت تفتقد بدورها إلى آليات نضالية جديدة ألقت بمحنتها على ما هو ثقافيّ وجماليّ أيضا. ومثلما يصبح اليساريّ رجعيّا لأنّه لم يفكرّ اطلاقا في استنطاق مرجعياته وتشغيلها في ضوء الراهن، يصبح المثقف كذلك أيضا، يجهل المنعطفات الجمالية التي يشهدها راهننا الحاليّ أيضا فإذا به ايديولوجيّ التحليل وأقصى حدود تفكيره المسرحيّ لا تتجاوز القديم من المسرح السياسي أو واقعية جدانوف وابتذالها وربما حتّى تلك النصوص لغرامشي التي يفاخر بها البعض حدّ الآن كما لو أنّها قرآن العصر.

أن نقرأ مسرحيّة “الشقف” الآن، هو أن نضع في اعتبارنا المنعطفات الجمالية الراهنة، كنوع من تشغيل مرجعياتها القديمة لا الاستناد عليها بضرب من القداسة، وأن نضع أيضا في اعتبارنا ما اذا كان فريق هذا العمل قد نجح في توليد وتشغيل تجربة الحمراء واستنطاقها في ثوب جديد أم لا. أمّا أن ندخل إلى متون هذا العرض الذي عالج قضيّة الهجرة السريّة واضعين في اعتبارنا جنسيات الممثلين المختلفة، وواضعين في اعتبارنا جنسيات شخصيات العرض أيضا المختلفة، فهذا سيحيلنا إلى نوع من كونيّة العرض، بمعنى أنّه لا يشغّل مأساة وطن بعينه بقدر ما هو يتحرّك في مأساة جماعيّة لأوطان مزّقتها الحروب والمجاعات والعنصرية وخذلتها الثورات بأشكال مختلفة. وأن نتفحّص نصّ العرض القائم على لهجات عربية مختلفة ولغات متعددة كاللغة العربية وأخرى أجنبية، فهذا يعني أنّه لا مشترك بينها غير المأساة التي لم يستطع غير البحر أن يتحمّل أوجاعها.

نضيف إلى ذلك، ونحن الآن نشغّل مفهوم المشترك، أنّ اتجاه “الشقف” لا يرمي في اقلاعه إلا نحو اتجاه واحد، هو الغرب بما هو الجنّة المفقودة في نظر الهاربين إليه، ونتجاهل لوطأة المأساة أن سلام الغرب ذاته تفضحه حروبه في تلك البلدان التي دفعت هؤلاء إلى الهجرة. نكتشف إذن أنّه إذا كان ثمّة سؤال عن المشترك فهو لن يعثر عن اجابته إلا من خلال العلاقات القائمة بين شخصيات العرض وموضوعاته، لأنّ الآخر/ الغرب يصرّ وجوبا بغيابه وحضور الجانب الكولونياليّ القائم على الغزو والسيطرة.

إذن: كيف نصنّف هذا العمل المسرحيّ إزاء ما يحيط به من ملابسات جمالية وأسئلة فكريّة؟ كيف نقرأ متوناته خارج أضواء تلك النزعات المسقطة سلفا؟

يحاول “الشقف” أن يوحّد ثقافات مختلفة قادمة من البنين وسورية ولبنان وتونس، ما يدفعنا خطوة إلى الأمام كي تتمّ قراءته من منظور يتحكم إلى سؤال “مسرح المثاقفة” ومآزقه ثمّ من منظور “تناسج ثقافات الفرجة” كوحدة تتجاوز عطب الأوّل، كانت الباحثة الألمانية “إيريكا فيتشر” قد سلّطت الضوء على ذلك من قبل، وسبقها كلّ من “إدوارد سعيد” والمفكّر الانجليزيّ “هومي بابا” مع كتابه “موقع الثقافة” على مستوى حضاريّ وفلسفيّ محض.

يدّعي “مسرح المثاقفة” الحسّ حواري بين الثقافات فإذا به يكرّس مغالطة جديدة قائمة على استثمار ثقافة لأخرى، وهذا ما غذّى الجانب الكولونيالي له، أمّا أن نتحدّث عن تناسج الثقافات، فهذا يعني أنّنا جماليا نشهد منعطفا جديدا قائما على “جماليات التحويل”. وهنا فقط سيحقّ لنا النظر إلى مسرحيّة “الشقف” من زاوية وضعها ضمن الحدود الجمالية التي حرّكتها: فهل ثمّة تناسج بين ثقافات مختلفة في صلبها؟ وهل ثمّة مشترك قائم على حبكة دراميّة ولّدت المشترك بين هذه الثقافات؟ وهل ثمّة جماليّة قائمة على “التحويل” تدفع بمسرح الحمراء إلى التخطّي والتجاوز نحو استنطاق جديد لتجربة “عزالدين قنون” خارج نزعات تشغيل الأصوليّة أو العجز أمام سلطويّة الثابت فيها  ومحنة المتحوّل؟

الآن نترك هذه الأسئلة معلّقة دون إجابة، ليس عجزا على التفسير والقراءة، بل استفزاز نرمي به أولئك الذين أخرجوا رماحهم، من الداخل والخارج، كي يسلّطوها على لبان أدهم الحمراء المفقود، وهو أيضا استفزاز لنا جميعا في ضوء مسرحنا الموزّعة أوصاله بين أشداق تجّار انتحلوا صفة المسرح، ونقّاد يكتبون بمقابل، وإعلاميين يبحثون عن الفضيحة لا الابداع.

ليس ثمّة أمامنا خيار آخر، أن ندلي بحبّنا للمسرح، فمعناه أنّ حياتنا ممسرحة سلفا، وأن نعيد مسرحتها فذلك عنوان الانسانيّة بحقّ.

ليس ثمّة خيار آخر، لقد أقلع “الشقف” في نهاية المطاف، وكان من الأجدر أن نأمر الريح كي تجري كما يشتهي، لا كما تشاء ثقافة قطع الأوصال فينا.

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.