سؤال الواقع عن المسرح الملتزم.. هل أُسدِل الستار ؟

 

إيهاب الملاح

للمسرح تاريخ وحضور راسخ وعريق في ثقافتنا العربية الحديثة، ففي عالمنا العربي، كانت حركة الجماهير نحو الحرية والديمقراطية في القرن التاسع عشر (من أواسطه إلى منتهاه) من أكبر العوامل التي ساعدت في انتقال هذا الفن من أوروبا إلى مصر والشام (سوريا ولبنان) ومنهما إلى غيرهما من البلدان العربية، وشهدت الثقافة العربية في تلك الفترة ميلاد المسرح وظهوره عقب الاحتكاك الثقافي الحقيقي بأوروبا من خلال البعثات الثقافية التي كان من أهم ما تعلمه مبعوثوها أو تشربوه أو تأثروا به وكان نواة لوعي مغاير هو إدراك طريقة الحياة والنظم الاجتماعية والسياسية هناك.
والحال أن الفن ضرورة، والمسرح وازدهاره وحضوره وتأثيره مرتبطة إلى حد كبير بحركة المجتمعات نحو الديمقراطية والحداثة والمدنية، ونزوعها إلى احترام التعددية والاختلاف. فالمسرح حياة، حوار، دراما وفعل، تشابك بين آراء وأصوات ووجهات نظر، يحملها الممثلون ويعبرون عنها ويجسدونها على خشبة المسرح. فـ«الحوار» هو روح المسرح وجوهره، بكل ما يستلزمه من إتاحة مساحة للتعبير عن الرأي واختلاف الرؤى وتباين النظر، وبما يعبر عن تنوع وتعدد.

يمكننا القول إن الرواج أو الثراء الإنتاجي المسرحي في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين كان نتاجاً لعدة أسباب، ربما أهمها ذلك الحراك المجتمعي والسياسي الذي تواتر مع حركات التحرر والاستقلال والنضال الوطني، مما استدعى بالتالي وجود عملية تعبئة شعبية واستنفار كيما يتوحد الجميع تحت مظلة واحدة واضحة المعالم.
وهذا ما حدا بالنظام المصري وقتها لأن يستحدث وزارة كاملة تكون معنية بالثقافة والفن أسماها «وزارة الثقافة والإرشاد القومي»، وكلمة «الإرشاد» هنا كانت دالة على طبيعة تفكير وموقف من الفن والثقافة ودورهما في المجتمع. وقد بذلت السلطة وقتها محاولات محمومة لاستقطاب الفنانين والمثقفين، ونجحت في ذلك بنسبة ما، وخرجت إلى النور مصطلحات مثل: الفن الهادف، الأدب المسؤول، المسرح الملتزم، الأدب الاشتراكي، الفن العمالي.. إلخ. ولكن حالت دون نجاح السلطة بشكل تام فيما سعت إليه عدة أسباب، لعل أبرزها أن المؤثرين في الحركة الفنية والثقافية كانوا ما زالوا يحتفظون بروح الاستعصاء، وكان بعضهم ما زال يحمل بين جنبيه روح النضال منذ كانوا يجابهون الاستعمار الأجنبي.

  • نجوم «مدرسة المشاغبين» (أرشيفية)
    نجوم «مدرسة المشاغبين» (أرشيفية)

في الستينيات بلغت الحركة المسرحية ذروة النضج، وعرضت على المسارح المصرية تجارب بالغة الأهمية لكتاب مصريين وعرب وعالميين، وتجلى ذلك في عروض مسرح العبث الذي أصبح «موتيفة» يطمح الكثيرون إلى تقليدها، يستوي في ذلك من يراها المعبر الأفضل عن حال إنسان العصر الحديث، ومن يفعل ذلك فقط من باب تقليد الآخر مثلما فعل توفيق الحكيم في «يا طالع الشجرة» ويوسف إدريس في «الفرافير»، وغيرهما كثيرون.
وعلى رغم ما ذكرناه سابقاً عن أهداف السلطة السياسية حينها في توجيه دفة الإنتاج الثقافي عامة والمسرحي خاصة، فإن هذه المرحلة تعد ذروة المراحل في تاريخ الفن المسرحي المصري، كما أنها أيضاً أخرجت لنا كتّاباً مهمين، مثل عبدالرحمن الشرقاوي، ومحمود دياب، وميخائيل رومان، وألفريد فرج، وسعد الدين وهبة، ونعمان عاشور، وعلي سالم، وغيرهم كثيرون.
وما عجزت عنه السلطة -جزئياً- في الخمسينيات والستينيات من إدماج الفنانين في تيار فني يتماهى مع أهداف الدولة والنظام آنذاك، نجح فيه بنسبة واضحة عهد السادات منذ نهايات السبعينيات من القرن العشرين، ومع تجليات الانفتاح الاقتصادي الذي قلب موازين المجتمع، شهد الفن تراجعاً حاداً منذ عرض مسرحية «مدرسة المشاغبين» لعلي سالم، حتى تجلى في ما أطلق عليه المسرح السياحي في الثمانينيات، وأصبح الترفيه والتسلية يتقدمان على القيمة والفكرة.

يقول الناقد الفني محمود عبد الشكور: إن الفن بصفة عامة، وبالأخص فن المسرح، لن يتأتى تأكيد حضوره وتأثيره ورواجه كفن جماهيري، إلا إذا ارتبط بتلبية حاجة اجتماعية وضرورة مجتمعية، وقد تكون هذه الحاجة موجودة وكامنة، ولكن لم يتأتَّ لها الظهور والتبلور في نشاط مسرحي حقيقي، اتصلت بينه وبين جمهوره أولاً الروابط والأواصر، أو تأتى لها ثانياً المناخ الديمقراطي الصحي، الحقيقي، الذي تستطيع فيه التعبير عن همومها وهواجسها وتجسد انشغالاتها وأسئلتها الكبرى بحرية ودون قيود ولا خطوط حمراء ولا محظورات.

  • محمود عبد الشكور
    محمود عبد الشكور

ويتابع عبد الشكور: شغفت بمشاهدة التراث المسرحي الذي كان يذيعه التلفزيون، وبمتابعة المسرحيات الجديدة التي كانت تذاع بعد انتهاء عرضها، وشاهدت مجموعة من أهم أعمال مسرح الستينيات في ذروة مجده وانتشاره، في إعادة لإذاعتها، وأحببت أكثر أعمال سعد الدين وهبة: «المحروسة»، و«سكة السلامة»، وفي الوقت نفسه لم أحب أعمال نعمان عاشور الذي كان في السبعينيات من كتّاب «أخبار اليوم»، ويكتب عموداً بعنوان «جولة الفكر»، ثم قرأت أعمال كتاب الستينيات بعد سنوات طويلة من مشاهدتها تلفزيونياً، وأعجبتني خاصة مسرحيات الستينيات الكوميدية، بعض المسرحيات لم تذع أبداً مثل «ليلة مصرع جيفارا» للكاتب البارع الذي لم يأخذ حقه ميخائيل رومان.

ومن جانبه، يؤطر الناقد والكاتب المسرحي عماد مطاوع «المسرح الملتزم»، كمفهوم مرتبط بمجموعة تحولات وحراكات اجتماعية وثقافية، غير منفصلة عن توجهات وخيارات سياسية واجتماعية أيضاً، موضحاً أن هذا المفهوم قد شاع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عقب حركة يوليو 52، إذ أثيرت مناقشات حول الفن الهادف والأدب الملتزم بقضايا الجماهير.. إلخ.

  • عماد مطاوع
    عماد مطاوع

وأطلق د. محمد مندور صيحة الأدب الهادف في أربعينيات القرن الماضي، ثم بعد يوليو 52 ازدهر تيار النقد الاجتماعي بأجنحته المختلفة (الماركسي وتبنيه مفاهيم الانعكاس والواقعية الاشتراكية كما جسده محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس، والواقعية الاجتماعية التي رفعت شعار الأدب للحياة الذي رفع لواءه لويس عوض.. إلخ).
ومن بين الفنون جميعاً، كان المسرح هو الأكثر تجاوباً واستجابة للأحداث والتطورات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر آنذاك، وصار التركيز على القضايا المجتمعية والهموم الوطنية وصراعات التحرر والكفاح الوطني ضد الإمبريالية العالمية يشغل المحل الأول من عروض المسرح المصري آنذاك.
وعرفت حقبة الستينيات ازدهاراً غير مسبوق في حركة وتطور فن المسرح، حيث تبلورت تيارات فنية ناضجة وكاملة في الكتابة المسرحية تبنت الأفكار والمفاهيم الاشتراكية والدعوة إلى العدالة الاجتماعية، والمسؤولية الأدبية في الإنتاج المسرحي. وكان مسرح الستينيات هو المثال الناصع والناضج على تحقق مفهوم «المسرح الملتزم» في إطار المفهوم الأوسع والأشمل (الفن الهادف/ الأدب الملتزم).
ثم جاءت السبعينيات، وتغير كل شيء إلى ما يمكن توصيفه بالثورة المضادة على حقبة عبدالناصر.

  • رامي عبد الرازق
    رامي عبد الرازق

أما الناقد المسرحي رامي عبد الرازق، فيؤكد لـ«الاتحاد» أن ثمة فارقاً كبيراً بين أن يواكب العمل الفني أياً كان شكله (مسرح، سينما، دراما تلفزيونية) وما تفرزه الساحة السياسية من حراك وأحداث مهمة عبر التحليل والقراءة الواعية، بل وصياغة الرؤى المستقبلية لو أمكن للمبدع أن يستشف بحكم خبراته الثقافية وحساسيته الوجدانية ما قد تكون الأيام حبلى به، وبين أن يقف الممثل لدقائق طويلة على خشبة مسرح الدولة كي يخطب في الجمهور ويتحدث عن الميدان والشعب الذي انتفض والثورة التي انفجرت، وكأن المتلقي لم يشاهد كل هذا وأكثر على شاشة الفضائيات لسنوات! ويوضح عبدالرازق أن الكثير من عروض مسرح الدولة قد استمرت تدور داخل الدائرة المغلقة لنفس الثيمات التي أفرزها ما يمكن أن نطلق عليه وصف «مسرح ما بعد الثورة».

 

https://www.alittihad.ae/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح