زكي بوكرين.. رسم الإبتسامة على وجوهنا ثم رحل – محمد أمين بنيوب #المغرب

“الموت لايوجع الموتى.. الموت يوجع الأحياء”

– محمود درويش –

لم أكن أتوقع أن تختطف الموت أخانا ورفيقنا المسرحي محمد زكي بوكرين، فجأة وبلاميعاد أوبلا استئذان… ألح الأستاذ رشيد منتصر، مدير المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، أن نفتتح (لقاءات الأربعاء) التي ينظمها “المعهد” بتجربة الراحل زكي بوكرين. اجتمعنا قبل العطلة واتفقنا على الأسبوع الأخير من شهر يناير2020، لتنظيم هذا اللقاء، وكذلك كان..

يوم الأربعاء 29 يناير 2020حضرت مبكرا إلى المعهد بمعية زوجتي. كانت الساعة تشير إلى الرابعة بعد الزوال. كعادته اقتعد بوكرين كرسيا وحيدا، يدخن سيجارته. تبادلنا العناق وقلنا له “وأخيرا سيحضنك المعهد مجددا..” ابتسم وصرح بأنه يعاني نزلة قوية ألمت به، “لكنني سعيد بحضوري والشكر الجزيل للأخ رشيد منتصر الذي أوفى بوعده ..” وخلال ساعة أعدنا الحكاية من جديد.. بداية المعهد وزملاء الفوج الأول وذكرهم كلهم… مرة.. مرة كان يتصل بابنه سهيل . كان حريصا على حضوره.. ومن خلال كلامه يبدو أنه ترتبط علاقة قوية بابنه..

في الساعة الخامسة والنصف بقاعة الكنفاوي..انطلق اللقاء. تحدث بوكرين عن تجربته الفنية والمسرحية والمهنية..ارتحل بنا في تفاصيل البدايات..أفراحها وأقراحها.. وطيلة حديثه، كان يعاتب نفسه على ضياع فرص كبيرة من حياته الفنية. ووجه لوما قاسيا لذاته،  وفي نفس الوقت اعتبر هذا اللقاء بداية جديدة لانطلاقة مسار إبداعي جديد..

مدة ساعة ونصف، كانت كفيلة بأن تخرجنا سخرية زكي بوكرين اللاذعة من تجهمنا  ابتسامتنا الحزينة والمقلقة، حتى أن الأخ رشيد منتصر صرح قائلا، “كنا بحاجة لعرض وهلوسات زكي..استمتعنا أيما استمتاع..” كان قويا وصادقا في كلامه وتشخيصه..

قليلون هم من يعرفون الأخ الفنان زكي بوكرين. هو ابن مدينة سيدي سليمان..بدوي حتى النخاع ..منطقة الغرب كانت معرفة بانحيازها لليسار، مما جعله ينخرط في سن مبكرة في حزب التقدم والاشتراكية ليلتقي بقايادته الجهوية والوطنية. كانت أشعاره وأزجاله تنشر بجريدة البيان وقتها…

تسلح بالمسرح. كانت قضيته الأولى، (وان مان شو) كوسيلة لتقديم قضايا المجتمع بواسطة السخرية والكوميديا.. في السنة الثانية بالمعهد،نظمت له العرض المسرحي الساخر الكورة بمدينة مراكش بشراكة مع حركة الشبيبة الديمقراطية التابعة لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي وعندما كنت رئيسا لجمعية الخريجين، حرصنا علي أن يقدم عرضه الساخر الكورة في افتتاح الأيام الإبداعية للجمعية .

شارك كممثل في مسرحية “رجل برجل” عن برتولد بريشت وهوعمل مسرحي أنجز مع طرف زملائه في شعبة التشخيص – الدفعة الأولى، كما أنجز بحثا مهما تحت إشراف د الراحل الأستاذ سامر جمال الدين في موضوع “تقنيات الضحك من خلال السكيتش بالمغرب”. بعد تخرجه اشتغل في العمل المسرحي الدولي “رحلة ابن بطوطة”، كما قدم أعماله المسرحية الساخرة بالإضافة إلى المغرب في كل من إيطاليا وإسبانيا. وأصدر سنة 2018 كتابا ساخرا تحت عنوان “هوسات زكي” وحافظ على نفس العنوان في صفحته الفايسبوكية.

حسنا فعل الأخوان، سعيد أيت باجا ومحمد بلحسن، عندما كانا يدعوانه كل سنة لحضور مهرجاني المعاهد المسرحية بالرباط والدراما التلفزية بمكناس. دون أن ننسى مبادرة الأخ محمد بنحساين مدير المسرح محمد الخامس الذي دعم عمله المسرحي “تاو تاو ـ الرابح من لمرا”من خلال تنظيم جولة مسرحية وطنية.

بعد انتهاء لقاء الأربعاء الماضي في “المعهد”،أحس بنشوة جميلة وكأنه استعاد أنفاسه من جديد. حمل معه كتاب “هلوسات زكي”، ووقعه ومنح نسخا منه للطلبة مجانا، ووعدهم في الأسبوع القادم أن يحمل نسخا أخرى من كتابه لمن لم يتمكن من الحصول على نسخته لنفاذ الكتب.

أعجبتني تدوينة لطالبة بالمعهد وهي نهيلة أيت أولحيان، عندما دونت على صفحتها في الفيس بوك واصفة بوكرين في ذلك اللقاء الأخير “رسم ابتسامة على وجوهننا ثم رحل..”

هناك الكثير من الفنانين والمبدعين والكتاب، لا يطلبون لا بمالا ولا بمنفعة ولا بمواقع. لايحبون الظهور والتباهي. هم فقط بحاجة لتقديرهم والاعتراف بهم وإخراجهم من عزلتهم القاتلة. الراحل محمد زكي بوكرين كان واحدا من هؤلاء. لروحه الرحمة والمغفرة والسلام ..

سنفتقدك على الدوام زكي.. لم أصدق بعد موتك.. أوصلناك إلى محطة القطار في الرباط ليلة ذلك الأربعاء.. كنت فرحا، ووعدتنا أنك ستعود إلى المعهد وتحمل معك هلوساتك الساخرة للطلبة.. فاختفيت ولا زلنا في انتظارك وانتظار هلوساتك..لله الأمر من قبل ومن بعد..

الموت ليس لها مواعيد محددة..  ولا أحد يمكنه أن يضبط جدول أزمنتها.. ولا أن يمتلك قوة خارقة لمفاوضتها لتأجل نزولها.. يبقى سرها عند ربها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا…

محمد أمين بنيوب – المغرب

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح