أسخيلوس، تمثال نصفي برونزي

رواد المسرح اليوناني

أن من ابرز رواد ومؤسسي المسرح اليوناني أسخيلوس وسفوكلس ويوربيدس وأرستوفان , ويعتبر  أسخيلوس (‏524/525 ق.م. – 455/456 ق.م.) هو  أبو التراجيديات الإغريقية وهو أقدم كتاب التراجيديات الإغريق الثلاثة الذين وصلتنا مسرحياتهم، الإثنان الآخران هم سوفوكليس ويوريبيديس. ويؤكد  أرسطو في كتابه فن الشعر  أن  إسخيلوس قام  بزيادة عدد الشخصيات في مسرحياته ليؤدي إلى حصول نزاع بينهم؛ في السابق كانت الشخصيات تتفاعل مع الجوقةفقط. .
وقد  سبعين إلى تسعين مسرحية بحسب التقديرات فقد وصلتنا سبعة مسرحيات فقط مع وجود جدل حول نسبة مسرحيةبرومثيوس في الأغلال إليه.
مسرحية واحدة من مسرحياته على الأقل تأثرت من غزو الفرس لليونان، الذي عاصره أسخيلوس. مسرحيته الفرس تعد مصدرا أوليا جيدا للمعلومات حول تلك الحقبة في تاريخ الإغريق. لقد كانت لتلك الحرب أهمية كبيرة للإغريق ولأسخيلوس نفسه لدرجة أن النقش على شاهد قبره يذكر أنه شارك في نصر الإغريق في معركة ماراثون بدلا من كونه كاتبا مسرحيا مهما.
ويُعَدُّ أسخيلوس Aeschylus أهمّ كتّاب المأساة الإغريقية على الإطلاق، وهو مؤسسها بالمعنى الفني، ومن مسرحياته  السبع التي وصلتنا  هي: «الفُرس» (472ق.م)Persians، و«سبعة ضد طيبة» (467ق.م)Seven Against Thebes  و«بروميثيوس مصفداً» (465ق.م)Prometheus Bound  ، و«الضارعات» (463ق.م)Suppliants   و«أغاممنون» Agamemnon، و«حاملات القرابين» (458ق.م) The Libation Bearers  و«ربات الغضب» (458ق.م) Eumenides  والترجمة الحقيقية لعنوان المسرحية هي «الصافحات» أو «المحسنات» وهي تسمية كانت مستخدمة لدى أهل أثينة بوجه خاص للإشارة إلى ربات الغضب Erinyes وذلك ابتغاء درء شرهن.
وهناك مايشبه الإجماع منذ القديم على أن أسخيلوس هو أبو فن المأساة. فقد كان له فضل تثبيت أسس المأساة من الناحية الفنية، إذ كان المسرح اليوناني قبله يعتمد على ممثل واحد يقوم بالأدوار المختلفة ولاسيما دورَيْ الإله والبطل وذلك بأن يصبغ وجهه بالمساحيق ويحدث بعض التغييرات في ملابسه، وسرعان ما أدرك أسخيلوس فداحة هذا القصور الفني فأقدم على إضافة ممثل ثان: وأدخل تعديلاً على دور الجوقة، مما ساعد على إبراز الصراع الذي تقوم عليه فكرة المسرحية اليونانية. وكذلك اهتمّ بملاءمة الملابس والأزياء لطبيعة القصة. واعتنى بصقل الأقنعة وإتقان صنعها لتعبر تعبيراً متناسباً مع الانفعالات التي يتلبّسها البطل، وبوجه عام اعتنى بالإخراج والمشاهد وحث الممثلين على إجادة أدوارهم وبذل الجهد لإشعار المتفرجين بأنهم يرون شيئاً حقيقياً وليس مجرد تمثيل.
وإلى جانب ذلك أضفى أسخيلوس على المأساة جلالاً وصوفية، وأوغل في معالجة الموضوعات الدينية الوجودية، مثل علاقة الآلهة بالناس، وتسلط القوى العليا على الإنسان، ومشكلة وجود الشر في عالم تسيّره الآلهة، ومسألة الصراع الحاد بين الإرادة الحرة وجبروت القدر، فإلى جانب إرادة الآلهة وعناء البشر هناك دائماً قوة القضاء التي تحتم على الناس وآلهتهم في النهاية أن يستسلموا ويقبلوا مصيرهم صاغرين، حتى بدا الناس والآلهة في كثير من مسرحياته مجرّد آلات لا بد لها من تنفيذ ما رسم القضاء على الرغم من كل محاولاتها للاحتجاج والمعاندة. ولجلال هذه الموضوعات تتصف مسرحيات أسخيلوس بالصراحة والرزانة وتسودها مسحة غنائية متشحة بالشؤم. وغالباً ما يتكشف هذا الشؤم بالتدريج من خلال تطور الصراع بين البشر والآلهة. ذلك أن عظمة البشر تثير حسد الآلهة، والغطرسة يتبعها الضلال، والأرباب يقفون للمتكبر بالمرصاد ويصيبونه بالجنون والعمى. وتوقيع العقاب هو الحدث الرئيسي في المسرحية، وهو شديد مخيف يتخذ صورة طقوس دينية محفوفة بأسرار ذات طابع غيبي. ويبدو أن جلال الموضوع الديني ـ الوجودي عند أسخيلوس جعله أميل إلى تثبيت جوانبه من خلال «الثلاثية» Trilogy وهي مسرحية مكونة من ثلاث مآس متسلسلة الموضوع وإن كانت كل منها قائمة بذاتها، والثلاثية الوحيدة التي وصلت كاملة من نتاج المسرح الإغريقي القديم كله هي «ثلاثية الأوريستيا» Oresteia التي تشمل : (أغاممنون وحاملات القرابين وربات الغضب أو الصافحات). وربما كانت ثلاثية «بروميثيوس» من أهم مسرحيات أسخيلوس أو على الأقل أقربها إلى المفهومات الحديثة. وقد وصل منها «بروميثيوس مصفداً» وهي الثانية، أما الأولى «بروميثيوس حامل النار» والثالثة «بروميثيوس طليقاً» فهما مفقودتان. وتدور «بروميثيوس مصفداً» حول العقاب الذي يلقاه الإله الثائر بروميثيوس على يد الإله الأكبر زيوس Zeus نتيجة لما أقدم عليه الأول من إفساد خطة الثاني الهادفة إلى محو الحياة البشرية من الأرض. فقد كان بروميثيوس نصيراً للإنسان (أمه الأرض كما تقول الأسطورة)، وأعطى البشر سرّ النار التي كانت وقفاً على آلهة الأولمب، ثم علمهم التجارة والزراعة والطب والملاحة، وفتح لهم الطريق إلى المدينة وعمل على انتشالهم من هاوية البؤس والشقاء. وهكذا يحلُّ عليه غضب زيوس وعقابه القاسي. وقد أمر به زيوس أن يُشد إلى صخرة عاتية ويعذب، ولكنه يصمد أمام العذاب وهو متأكد أن زيوس لا بد مبدلٌ نقمته. وأخيراً تشتد نقمة الإله الأكبر فيرسل له نسراً جارحاً ينهش لحمه، ثم تنشق الأرض وتهوي الصخرة في باطنها. وتكتمل فكرة الثلاثية أخيراً بأن يُذهل زيوس لصمود بروميثيوس ويضطر إلى الإذعان، فبعد أن كان طاغية جباراً تعلم الحكمة وأشفق على عدوه وعطف عليه، ثم بلغ الكمال تدريجياً وأصبح صديقاً للناس.
وقد عُد بروميثيوس رمزاً لصمود الإنسان وعناده في وجه الآلهة، بل ربما رمز قدرته على تغيير إرادتها وتطوير موقفها من البشر، لأن زيوس في النهاية اضطر إلى تبديل موقفه وحسم الخلاف. واستوحى هذه القصة فيما بعد عدد من الكتاب الأوربيين وغير الأوربيين وأعطوها معنى إنسانياً أكثر أصالة وعمقاً، ومنهم الشاعر الإنكليزي شلي [ر] Shelley في قصيدته المسرحية «برميثيوس طليقاً» Prometheus Unbound  (1820) وكان لأسخيلوس تأثير كبير في مستقبل المسرح المأساوي، ليس فقط على مستوى التجربة اليونانية، بل امتدّ تأثيره عميقاً في التاريخ الحديث للمسرح. وعلى الرغم مما طرأ على (الدراما) من تغييرات فإن تأثير أسخيلوس، سواء من ناحية الموضوع الجليل أو من ناحية مبدأ الإتقان الفني ظلّ متصلاً. وقد كُتب الكثير عن تجربة أسخيلوس وفضله وكان إسخيلوس مثل غيره من كتاب اليونان في القرن الخامس يكتب ويستمتع بالحياة ، ويعرف كيف يعمل وكيف يتكلم. وأخرج في عام 499وهو في السادسة والعشرين من عمره مسرحيته الأولى ؛ وفي عام 490 حارب هو وأخواه في واقعة مرثون وأظهروا من الشجاعة ما جعل أثيناتأمر بعمل صورة تخلد بها بطولته ؛ وفي عام484 نال جائزته الأولى في العيد الديونيشي ؛ وفي عام 480 حارب في أرتميزيوم وسلاميس ، وفي عام 479 في بلاتيه ؛ وفي 476 ، 470 زارسرقوصة واستقبل بمظاهر التكريم في بلاطهيرون الأول ؛ وفي 468 انتزع منه سفكليز الشاب الناشئ الجائزة الأولى للمسرحية بعد أن ظل هو مسيطراً على الأدب الأثيني جيلاً كاملاً ، وفي عام 467 عاد إلى مكانته العليا على أثر ظهور مسرحيته “سبعة ضد طيبة” ، وفي عام 458 نال آخر انتصاراته وأعظمها بإخراج أورستيا مسرحيته الثلاثية ؛ وفي عام 456 عاد إلى صقلية ، حيث وافته منيته في تلك السنة نفسها.
وأما سوفوكليس Sophokles هو أحد كتاب  المسرح الإغريقي، عاصر كلاً من إسخيلوس وأوربيديس ، وكان صديق الحاكم بركليس  ولد في بلدة كولونوس Kolonos وتوفي في أثينا. كان والده سوفيللوس Sophillos أحد كبار تجار العبيد، ويمتلك ورشة لصناعة الأسلحة والأدوات المعدنية، مما وفر لسوفوكليس تعليماً شاملاً، تضمن أيضاً الموسيقا والرياضة. وإثر انتصار اليونانيين على الفرس في معركة سلاميس Salamis عام 480 ق.م قاد سوفوكليس احتفالات الفتيان بالنصر. شارك في تمثيل عدة أدوار مسرحية في المسابقات السنوية إلى أن اشترك في مسابقة خريف عام 468 بمسرحية من تأليفه وفاز بها أول مرة بالجائزة الأولى على أستاذه إسخيلوس، وذلك برباعية (ثلاثة أجزاء مترابطة ذات موضوع مأساوي وجزء رابع ساخر Satyr) تختلف من حيث الأسلوب والبناء عن سابقيه ومعاصريه من الكتاب. انتُخب عام 443ق.م مديراً لبيت مال حلف أثينا البحري. وبعد نجاح عرض مسرحيته «أنتيغونِه» 442ق.م Antigone عيّنه بركليس مع المؤرخ هيرودوت[ر] أعضاء في «مجلس القادة العشرة» Stratege المسؤول عن شؤون الدولة العسكرية والسياسية، وشارك في عام 441-440ق.م في الحرب ضد جزيرة ساموس الانفصالية.صورة
بتكليف من مجلس المدينة أدخل سوفوكليس عام 420 عبادة أسكْلِبيوس Asklepios (إله الطب) إلى أثينا، وكتب بهذه المناسبة نشيداً خاصاً ابتهالاً وتبجيلاً للإله الجديد. وتقلد منذ عام 413 عدة مناصب عليا بصفته خبيراً. وعلى نقيض إسخيلوس وأوربيديس لم يغادر سوفوكليس أثينا، حيث توفي قبل سنتين من هزيمتها المروعة أمام إسبرطة في حرب البيلوبونيز Peloppones. وقد رفعه شعب أثينا من ثم إلى مرتبة البطل المبجل Heros Dexion.
تفيد وثائق أثينا بأن سوفوكليس ألّف 125 مسرحية، لم يتبق من نصوصها سوى سبع مآسٍ (تراجيديا) وأربعمئة سطر من المسرحية الساخرة (الساتيرية) «كلاب الصيد» Ichneutai. تدل هذه الشذرات على أن كائنات الساتير Satyrn من أتباع الإله ديونيسوس Dionysos يقمن بدور كلاب الصيد بحثاً عن أبقار الإله أبولّون Apollon التي سرقها منه الإله هرمس Hermesوأخفاها في كهف. أما المسرحيات المتبقية فهي حسب التسلسل الزمني لتاريخ عرضها في المسرح: «أياس» Aias (بعد 450) التي يعرض فيها نتيجة الصراع بين الإنسان الذي يعميه غضبه وتكبره وبين إرادة الآلهة. فعندما يدرك أياس أن لا مخرج له من ذنبه تجاه الآلهة أو لاستعادة كرامته المهدورة، ينتحر. والجديد في هذه المسرحية هي الصورة الإيجابية التي قدمها سوفوكليس عن أوذيسيوس الذي تصدمه برودة الآلهة وعجرفة البشر، فيتدخل في سياق الحدث بحكمته وحزمه ليعيد لأياس مجده محارباًً، وإن بعد موته، على الرغم من أن أياس كان يرى فيه عدوه. وفي مسرحية «أنتيغونه» يسقط الملك كريون في عزلة مطلقة بعد أن أدرك متأخراً أنه السبب في فقدانه جميع من يحب، نتيجة تكبره على قوانين الآلهة ومعارضتها بقانونه البشري. وهنا كما في المسرحية السابقة يغيب كل من أنتيغونه وأياس عن الفعل في منتصف المسرحية، وبالتالي فإن المسرحيتين اللتين تحملان اسمي بطليهما تقدمان شخصيتين أخريين بمستوى الفعالية نفسه، وهما أوذيسيوس وكريون. أما في مسرحية «نساء تراخيس» Trachiniai (بعد 438ق.م) فإن ديانيرا Deianeira زوجة هرقل Herakles تنتحر لأن العباءة المغمسة بدم الوحش الخرافي نيسوس Nessos التي أرسلتها إلى زوجها ظناً منها أنها ستعيده إليها، تقتله، فتتحقق بذلك نبوءة قديمة لا مهرب منها. وما يلفت النظر في بنية هذا العمل هو أن الشخصية الرئيسية، التي تشكل مركز الاهتمام والأفعال من قبل الجميع، أي هرقل، لا تظهر إلاّ محتضرة ً في خاتمة المسرحية. وفي مسرحية «أوديب ملكاً» Oidipus tyrannos (بعد 429ق.م) يقدم سوفوكليس نموذجاً فريداً للمسرحية التحليلية، التي تفكك بأسلوب تشويقي لغز حدثٍ وقع قبل بدء زمن المسرحية، وهو هنا مقتل لايوس ملك طيبة، قبل أن يُجيب أوديب على سؤال الهولة منقذاً المدينة من شرورها، فيصير ملكها ويتزوج ملكتها؛ يتبين باستقصاءاته في ما بعد أنه من حيث لا يدري قد حقق النبوءة التي هرب من وجهها، فقتل أباه لايوس وتزوج من أمه يوكاستِه فصار أخاً لابنيه وابنتيه، مما أدى إلى انتحار زوجته/ أمه وقيامه بفقء عينيه اللتين لم تريا الحقيقة. وتعد مسرحية «إلكترا» Elektra (بعد 413ق.م) نموذجاً نادراً للمسرحية الدائرية، إذ يتطابق بناء مشاهد الجزء الأول مع بناء مشاهد الثاني، مع الحفاظ على تصاعد حالة التوتر منذ المشهد الأول حتى ما قبل الأخير الذي يشكل الذروة الثانية للأفعال. وعلى نقيض معالجتي إسخيلوس وأوربيديس للموضوع نفسه، فإن أورست وإلكترا هنا لا يعاقبان من قبل الآلهة على قتل الأم. كان سوفوكليس نحو عام 409 قد تجاوز التسعين، وكان موضوع الساعة بين المثقفين حينذاك هو البرهان على أن التربية المكتسبة أبقى وأكثر فعالية من الفطرة. وكان جواب سوفوكليس هو مسرحية «فيلوكتيت» Philoktetes (بعد 409ق.م). وبطلها الفعلي ليس صاحب العنوان ولا أوذيسيوس، وإنما نيوبتوليموس Neoptolemos ابن أخيل Achilleus، الذي لم تكن لـه هذه الأهمية في معالجتي إسخيلوس وأوربيديس. ومن ثم فإن الكاتب قد عالج مادة أسطورية معروفة ومطروقة ليناقش موضوعاً اجتماعياً بالغ الحساسية في زمنه. أما النص الأخير «أوديب في كولونوس» Oidipus epi Kolono، فقد عرضه ابن أخيه بعد وفاة سوفوكليس بخمس سنوات، وهنا يعود إلى موضوعه الأثير ليبرهن على أن أوديب الشاب لم يكن مذنباً، فها هي الآلهة تستقبله في معبدها شيخاً ثم ترفعه إلى عليائها.
لا تكمن أهمية سوفوكليس في إبداعه الأدبي والفكري فحسب، بل كذلك في التجديدات العملية على صعيد العرض في المسرح. فالجوقة في مسرحياته وعروضه صار عددها خمسة عشر شخصاً، وأضعف تأثيرها الغنائي كما كان لدى إسخيلوس، ليجعلها جزءاً عضوياً من الفعل المسرحي؛ كما أضاف الممثل الثالث، فأغنى بذلك المشهد والفعل والحوار، مما أدى إلى شبه انقلاب في بناء المسرحية عما كانت عليه قبله. ثم إنه تخلى عن وحدة موضوع الثلاثية مركزاً على استقلالية موضوع كل جزء على حده. وأكثر ما يلفت النظر عند تحليل مسرحياته فكرياً هو تأكيده دور العقل في سلوك الإنسان ومواجهته مصيره، من دون أن يتخلى عن الموقف الديني التقليدي. والجدير بالذكر أن سوفوكليس قد نال الجائزة الأولى أربعاً وعشرين مرة في المسابقات المسرحية الأثينية.
ويعتبر سوفوكليس أبرز  كتاب المأساة الإغريق. و كان سوفوكليس على خلاف إيسخيلوس الذي فضّل تقديم الثلاثيات (مجموعة من ثلاث مسرحيات مترابطة من حيث الموضوع)، حيث فضل المسرحيات المفردة.
يدور موضوع مسرحيات سوفوكليس حول إنسان قوي في صراع مع القدر. وفي معظم تلك المسرحيات، يختار هذا الإنسان نمطًا من السلوك لا تقره الجوقة ولا الشخصيات الثانوية الأخرى، ويتسبب هذا السلوك في معاناة ذلك الإنسان، وقد يؤدي إلى موته، إلا أن ذلك يجعله أكثر نبلاً وإنسانية. لم يكتب سوفوكليس عن شخصيات عادية يمكن من خلالها انتقاد الأعراف السائدة كما فعل يوربيدس.
تعتبر مسرحيات سوفوكليس من الناحية الفنية والدرامية أكثر اكتمالاً من مسرحيات إيسخيلوس ويوربيدس، مما حدا بأرسطو الفيلسوف الإغريقي إلى القول إن سوفوكليس عرض شخصياته كما يجب أن تكون واعتبر مسرحياته نموذجية. أضاف سوفوكليس ممثلاً ثالثًا للعمل المسرحي، وحدد عدد أفراد الجوقة بخمسة عشر، واستخدم الخلفيات المرسومة. ولا تخلو مسرحياته من الحبكة الذكية وعنصر التشويق. وقد حفظ لنا الزمن سبع مسرحيات كاملة من أصل مائة وعشرين مسرحية كتبها سوفوكليس وهي: أجاكس؛ أنتيجون؛ نساء تراشينيات؛ الملك أوديب؛ إلكترا؛ فيلوكتيتيس؛ أوديب في كولونس، كما عُثِر على جزء من مسرحية له اسمها المتعقبون 1907مولدة :
وُلِد سوفوكليس في بلدة كولونس قرب أثينا. وبفضل مسرحياته المأساوية حاز جوائز عديدة في مسابقات مسرحية. عمل جنرالاً أثينيًا، ومثل بلاده عضوًا في كثير من الوفود إلى الدول الأخرى. وأدى دورًا نشطًا في المجالات الدينية في أثينا. وكتب وهو في سن التسعين واحدة من أعظم مسرحياته وهي أوديب في كولونس.
تلقى سوفوكليس تعليمه في أحد افضل المدارس التقليدية الأرستقراطية, واختير ليقود كورس من المغنيين الشباب للاحتفال بانتصار البحرية في الـ16 من عمره. 
عام 468 قبل الميلاد عندما كان في 28 من عمره, تفوق في مسابقة للكتابة المسرحية على إيسكيولاس الذي اشتهر بكتابة الشعر التراجدي بلا منازع في ذلك الوقت. حاز سوفوكليس على جوائز عديدة في مسابقات للكتابة المسرحية التي كانت تعقدها أثينا. 
لم يكن نشطا سياسيا أو له اهتمامات عسكرية ولكنه بالرغم من ذلك انتخب مرتين لمنصب رفيع في الجيش. 
غيب الموت سوفوكليس وهو في الـ90 من عمره كانت عندها أثينا في أوج ازدهارها. 
كتب أكثر من مائة عمل مسرحي لم يصل إلينا منها سوى سبعة مسرحيات تراجيدية كاملة وأجزاء من 80-90 عمل. وساهم سوفوكليس في إثراء الاسلوب الدرامي وإضفاء المزيد من التعقيد على الحبكة المسرحية. 
وتعتبر مسرحية أنتيغوني وأوديبوس الملك من أعظم الأعمال المسرحية التي كتبها سوفوكليس وهي تتناول شخصيات بطولية معظمها من الملوك أو أبناء الملوك تواجه عواقب للقرارات التي تتخذها وتتحول حياتها تدريجيا إلى مأساة. 
 
وتتحدث مسرحية الملك أوديبوس الاسطورية عن بطل أسطوري يصبح ملكا لطيبة بعد أن يقدم دون أن يعلم على قتل والده والزواج من والدته الملكة جوكاستا. 
أما مسرحية أنتيغوني فهي امتداد لمأساة الملك أوديبوس من خلال من بقي من عائلته وهما ولديه اتيوكليس وأتيوكليس وابنته أنتيغوني. ففي صراع على الحكم يدخل اتيوكليس في حرب ضد شقيقه بولينايسيس تنتهي بمقتل كل منهم على يد الآخر. 
يقرر الملك كريون الذي تسلم الحكم, تكريم أتيوكليس بدفنه ويأمر بترك جثة بولينايسيس الذي اعتبر خائنا للوطن, حيث سقط في المعركة عقابا له. 
تتألم انتيغوني التي خرجت من مملكة طيبة مع والدها ولكنها عادت إليها بعد وفاته, لما آل إليه مصير أخويها. وتقرر تكريم شقيقها بولينايسيس بدفنه مخالفة بذلك قرار كريون الملك. وبهذا العمل تجلب أنتيغوني الموت لنفسها ولحبيبها هيمان نجل الملك كريون وزوجته. 
كتاباته 
أجاكس (451-444 قبل الميلاد) 
الملك أوديبوس 
أنتيغوني 
إلكترا (430-415 قبل الميلاد) 
صورة
يوربيدس, متحف الڤاتيكان.
وأما يوربيديس.ولد في سالامينا في سنة 480 قبل الميلاد في اليوم الذى كان فيه لهيب معركتها يحتدم،بعض الرويات تذكر أنه ولد في العام 485 قبل الميلاد. ولد يوربديس في عامسلاميس، ويقول بعضهم إنه ولد في يوم سلاميس بالذات، وأكبر الظن أن مسقط رأسه هو تلك الجزيرة التي يقال إن أبويه فرا إليها هرباً من الغزاة الميديين (80). وكان أبوه رجلاً من أصحاب المال والسلطان في مدينة فيلا Phyla الأتكية، وكانت أمه تنحدر من أسرة شريفة(81)، وإن كان منافسه أرسطوفان يصر على أنها كانت تدير حانوت بدال، وتبيع الفاكهة والأزهار في الطرقات. وقضى يوربديز أيامه الأخيرة في سلاميس، مولعاً بعزلة تلالها، وجمال مناظرها، وزرقة بحارها؛ وكما أراد أفلاطون أن يكون كاتباً مسرحياً فكان فيلسوفاً، كذلك أراد يوربديز أن يكون فيلسوفاً فكان كاتباً مسرحياً. ويقولاسترابون (82) إنه “تلقى منهج أنكساغورس كله، ودرس بعض الوقت على برودكس، وكان صديقاً حميماً لسقراط، وبلغ من صلته به أن بعض الناس يظنون أن قد كان للفيلسوف يد في مسرحيات الشاعر(83). وكان للحركة السوفسطائية كلها أثر كبير في تعليمه، واستحوذت عن طريقه على المسرح الديونيشي، فكان هو فلتير عصر الاستنارة اليوناني، يعبد العقل ويلمح إلى هذه العبادة في ثنايا مسرحياته التي كانت تمثل لتمجيد إله من الآلهة تلميحاً أفسدها وكان له أسوأ الأثر فيها. 
بعض النقاد يؤكدون أنه لم يبد في حياته ما يدل على أنه من طبقة أرستقراطية أو متوسطة،وأن مؤلفاته توشك أن تكون خالية خلوا تاما من التقاليد القديمة التى هي من طابع الأسر النبيلة. 
وأما   يُعَدُّ أريستوفان Aristophane (نحو 488- نحو 380 ق.م)أعظم كتّاب الملهاة اليونانية القديمة Kömödia التي كانت تغص بالنكات والمبالغات والنقد السياسي اللاذع.
    وكان من طبقة ملاك الأراضي في أثينة, وعبّر عن سخط طبقته من جراء تدهور الأحوال في أثينة نتيجة لأهوال الحرب مع إِسبرطة ولتخبط الفئة الحاكمة التي تولّت زمام الأمور في عصره. كما عبّر عن تطلعات طبقته إِلى العودة بأثينة إِلى عصرها الزاهي السابق, سواء من ناحية أمجادها العسكرية وانتصاراتها على إِسبرطة أم من ناحية تماسك نظامها السياسي واستقرار نظامها الاجتماعي, ومن هنا كانت وقفته المحافظة إِزاء مختلف تطورات الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في عصره. ويعتقد أنه ألَّف نحو خمسين مسرحية تغطي جوانب الحياة الأثينية في زمنه, ولم يبق منها إِلا إِحدى عشرة ملهاة هي: «الأخارنيون» Acharnians (425ق.م), و«الفرسان» The Knights (424ق.م), و«الزنابير» Wasps (422ق.م), و«السلام» The Peace (421ق.م), و«الطيور» The Birds (414ق.م), و«ليزيستراتِه»Lysistrate (411ق.م), و«النساء في أعياد الثيموفوريا» Thesmophoriazousae (411ق.م), و«الضفادع» The Frogs(405ق.م), و«برلمان النساء» Ecclesiazusae (392ق.م), و«بلوتوس» (إِله الثروة) Plutus (388ق.م).
    وفي تلخيص عبقرية أريستوفان يمكن القول إِنه أعظم عقل انتقادي في تاريخ المسرح اليوناني, بل هو مُرسي أسس النقد الساخر في المسرح الضاحك. وبقدر ما كان نقده جريئاً حيّاً كان كذلك متسعاً يكاد يشمل مختلف مرافق الحياة في عصره.
    وقد انتقد أريستوفان تدهور الأحوال السياسية في أثينة وتلاعب السياسيين بعواطف الشعب من خلال الخطابات الديماغوجية والوعود الكاذبة وتقلب الأهواء. ويدخل في هذا الباب هجاؤه المقذع للعسكريين الذين يعلقون مصالحهم الخاصة على فرصة الحرب, ويزينون خوضها للناس ويوهمونهم بأنها السبيل الوحيد لتحقيق المصالح الوطنية والأمجاد القومية, في حين أنها, في حقيقتها, لا تجلب سوى الدمار والويلات والخراب. ومن هنا يمكن أن يعد أريستوفان من أعداء الحرب ومن أنصار السلم, مما يذّكر كذلك بموقف قرينه أوربيدس[ر].
    وتناول في هجومه الأفراد والمؤسسات السياسية, فصبّ جام غضبه على كليون زعيم أثينة الذي بلغ أوج المجد في تلك المرحلة بسبب ما أحرزه من انتصارات حربية. وقُدّم الشاعر الناقد إِلى المحاكمة نتيجة تهجمه على هذا الزعيم السياسي واسع النفوذ. وإِلى جانب ذلك تعرّض لمجالس أثينة بنقد جارح, ولم يُعْفِ المجالس العامة كمجلس الشيوخ والجمعية العمومية والمحاكم من هذا النقد.
    وانتقد أريستوفان كذلك تدهور الأخلاق وانحطاط العلاقات الاجتماعية في عصره, وركز على الفساد الجنسي والإِباحية المتفشية في شبيبة أثينة, وطالب باستعادة القيم الأخلاقية كالنبل والصدق والطهر, وبث روح العمل الجاد والإِخلاص بين المواطنين. وتبدو أخلاقيته محافظة وعقلانية, ولكنها ليست بالضبط أخلاقية دينية, وتتمثل جلية في موازنته بين قرينيه أسخيلوس[ر] وأوربيدس في ملهاة «الضفادع».
    وهاجم أريستوفان كذلك أصحاب الفكر الجديد من السفسطائيين (المغالطين), وجرّح أفكارهم ورماهم بأقذع التهم, ولم يترك أي فرصة تمر في مسرحياته من دون أن يستثمرها لتسفيه الفلاسفة بوجه عام, وفي مقدمتهم سقراط[ر]. فمثلاً, في ملهاة «السحب», التي تعدُّ من أجمل ما كتبه أريستوفان, يهاجم الفلسفة في شخص سقراط ويضعه وجهاً لوجه أمام رجل عادي من الشعب ليُحدث الأثر الفكاهي الناتج عن المفارقة. إِن هذا الرجل العادي يرغب في أن يصير سفسطائياً لكي يتعلم كيف يتهرّب من دفع ديونه, وينظر بإِجلال إِلى سقراط, وخاصة حين يُخبره أحد تلامذته كيف أنه يشغل وقته في دراسات قيّمة وأسئلة مهمة مثل: «كم ضعفاً تبلغ المسافة التي يقفزها البرغوث بالنسبة إِلى طول إِحدى قوائمه؟», و«من أية ناحية من جسم البعوضة الطائرة يأتي الطنين؟». وتعتريه الدهشة عندما يرى الأستاذ سقراط متربعاً في سلة معلقة في الهواء كما يليق برجل فوق مستوى البشر العاديين, وعندما يسأله ماذا يعمل هناك في العلاء يجيب سقراط : «يجب أن أعلق دماغي وأمزج جوهر عقلي الخفي بالهواء ذي الطبيعة المماثلة كي أتمكن من النفاذ إِلى أمور السماء بوضوح, ولو بقيت على الأرض أتأمل من تحت الأمور السفلى لما استطعت اكتشاف شيء, لأن الأرض بجاذبيتها تجذب عصارة الدماغ إِليها كما يحدث في حالة بعض النباتات المائية الزاحفة».
    وخلاصة ما تقوله «السحب» إِن سقراط يفسد شبيبة أثينة بأسئلته الفلسفية, ويستطيع المرء أن يتصور أن أريستوفانأضحك أهل أثينة كثيراً من سقراط ولكن على المرء ألا ينسى أن هذه التهمة نفسها هي التي أودت بحياة سقراط فيما بعد.
    وإِضافة إِلى مبادرات أريستوفان الرائدة في مجالات النقد السياسي والاجتماعي والفكري فإِنه يُعدّ من رواد النقد الأدبي اليوناني ولاسي
ما في مسرحية «الضفادع» المبدعة, التي تعرَّض فيها للموازنة بين زميليه اسخيلوس وأوربيدس من حيث الشاعرية, والمكانة المسرحية, والموقف الأخلاقي, أي إِن موازنته تناولت الشكل والمضمون معاً.
    ويبدو نقد أريستوفان أوسع أفقاً وأقل انحداراً مما ينسب إِليه عادة, فقد اشتملت مسرحياته الكوميدية المعروفة على نقد ساخر للكتاب والمفكرين في عصره, وانصبّت انتقاداته بوجه خاص على أوربيدس, واتصفت أحكامه بذوق متطور ورؤية نافذة, وذلك من خلال خطين نقديين مستمرين هما :كرهه لجميع أشكال المبالغة والتصنع, واهتمامه بالقيم الأخلاقية وإِدخالها في صميم الموازنة الأدبية. وتظل مسرحية «الضفادع» شاهداً حياً على الإِسهام المبكر للمسرح في النقد الأدبي.
    أما طريقته في النقد المسرحي فيلخصها محمد حمدي إِبراهيم بما يلي: «لقد اخترع أريستوفانيس لغة كوميدية خاصة به من الكلمات ذات المعاني المزدوجة والإِيحاءات الخاصة والألفاظ المصكوكة والمركبة تركيباً عجيباً. كذلك تميزت أشعاره بالرصانة والإِبداع والخيال. وكان حواره طبيعياً يتميز بالحيوية, في حين كانت نكاته غليظة وجريئة بغض النظر عن كونها غير شهوانية. ويُعد أريستوفان من أبرع الكتاب في التندر أو الاقتباس الساخر parödia …».
    والملاحظ أن ترجمات أريستوفان إِلى العربية لا تتعدى «الضفادع» و«السحب» وبعض الشذرات, وذلك بسبب ارتباط الملهاة عادة بالعادات والمرددات واللهجات المغرقة في المحلية.
 
المصادر
1-أحمد عتمان، «الشعر الإغريقي تراثاً إنسانياً وعالمياً»، عالم المعرفة 77 (الكويت 1984).
2ـ شلدون تشيني، المسرح، ثلاثة آلاف سنة من الدراما والتمثيل والحرفة المسرحية (منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1998).
3ـ محمد صقر خفاجة، دراسات في المسرحية اليونانية (القاهرة 1979).
——————————————-
مجلة الفنون المسرحية – محسن النصار

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.