رسالة المسرحي يوجينو باربا الى زملائه في مسرح “الاودين – odin في زمن كورونا – ترجمة سمير سعيد

رسالة المسرحي يوجينو باربا الى زملائه في مسرح “الاودين – odin في زمن كورونا – ترجمة سمير سعيد 

رفاقي الأعزاء

أينما كنتم تصلكم افكاري وتصطحبكم وتبقى قليلا معكم…

اذا كان مفهوم الفن هو تفكيك للأفراد ودفعهم لكي يفكروا في شروط حياتهم، اذا فالزمن الذي نعيشه هو زمن فني.. وكل الأشكال المصطنعة (artificiele ) والمفبركة  – والتي تعبر عن حقيقتها بطرق تفكير وأفعال شتى – لا تتطابق مع المعاير والمظاهر المعتادة في الحياة …

الرسام حين يرسم يمزج ألوانه بطريقة (الحدس) ويحسب بدقة ضربات الفرشاة المتراقصة على سطح اللوحة حتى تنبعث وتتدفق منها الحياة.. وصانع الخزف والفخار قدمه تضغط على الدواسة المحركة للعجلة كي تدور وتدور معها كتلة الطين، ومن خلال نعومة وإحكام حركة الأصابع وضغطها المستمر وبمشاركة الجسد يتقولب الفراغ ويتحول الطين الى اشكال فنية متعددة، صحون او فناجين او مزهريات ….

اليوم نحن نعيش حقيقة غريبة ولا معقولة تضطرنا الى ان ندق جرس الانذار – ونحذر بطريقة راديكالية على أن حياتنا – أو إيقاع الحياة – وطريقة العيش البسيط والتأقلم، جميعها مهددة. فالبعض منا يعيش ذلك على شكل قيد أو قيود ( restriction ) .. وبالنسبة للبعض الاخر فهو فسحة حرة من اجل اعادة التفكير في حياتنا.. ولكن بهذة الحرية تماما يتلاشي اي تفكير او تضمحل أي فكرة …

أتذكر أنه في يوم من ايام حياتي سنة (1943) في — (باري – Bari ) وإبان الحرب العالمية الثانية، كان أبي يحتضر على الفراش، و كانت أمي تمسح العرق النازل على جبينه بمنديل رطب. الطفل الذي كنته (7 سنوات) نزل الى الشارع لكي يدعو بالشفاء لأبي.. كنت افعل هذا دائما اتضرع وأتوسل .. خصوصا حين كنّا نموت من الجوع وليس هناك شي نأكله في البيت .. في ذلك اليوم بالذات جاء رجل يرتدي كبوطا عسكريا مبالغ في حجمه.. وقف ثم دعاني بصوت ملحن وقوي : bambini —-bambini (أيها الطفل — أيها الطفل !) … أثار الصوت انتباه جميع المارة في الشارع .. ابتسم الرجل إلي ووضع يده في جيب كبوطه العسكري وأخرج لي (حلوى طيبة — bon bon ) (حامض حلو ) .. وبخطوة عسكرية ثقيلة استدار وابتعد .. كان واحدا من الجنود الذين عادوا من الحرب الى بيوتهم… يهذون ويتسلون ويتنزهون حيث حل الدمار والخراب في البلد ………
في كل مرة اشعر بإن عالمنا (هذا العالم) يوشك ان ينهار ويهوي الى حتفة، أفكر في هذا الرجل “منقذ بالحلوى / saveur de bon bon” ومذاق الحلوى في فمي وكيف جعلني افرح وابتسم… 

وكذلك في هذا الصباح المشرق، حين استيقظت من النوم ونظرت من خلال النافذة الى الحقول الخضراء ذات الأشجار الباسقة والبحيرة الصغيرة التي تتراقص حولها الكثير من الفراشات الملونة التي تلعب وترفرف اجنحتها في الشمس، أشعر رفاقي الأعزاء، بأن الربيع قادم… هذا ماقلته لنفسي، وقريبا: الزمن الفني سيكون نوعا من الذكريات وسنغوص من جديد في لجة العمل الإبداعي وفي كنه وقائع ومجريات الحياة…

إنني أبتسم.. وهذه الابتسامة اعادت الشباب الى وجهي.. ابعث لكم بهذه الإبتسامة وهذا الفرح جميعا وبكثير من المودة…

يوجينو باربا 

(ترجمة المسرحي العراقي المقيم في باريس سمير سعيد)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح