أخبار عاجلة

رائد المسرح التجريبي يفتح أوراقه الفنية … عبد الفتاح رواس قلعه جي : المسرح بناء عوالم وحكايات بمنتهى الدقة وهنا صعوبته

 

أديب وباحث متعدد الجوانب، كاتب وصحفي منذ أوائل الستينيات، يكتب الشعر والمسرح والنقد المسرحي وقصص الأطفال، له بحوث ودراسات عديدة في الفكر والأدب والتراث، ولد في حلب عام 1938م ودرس فيها فحصل على شهادتي أهلية التعليم والثانوية ثم تابع دراسته في جامعة دمشق، كلية التربية أولاً، ثم كلية الآداب قسم اللغة العربية وآدابها وحصل على الإجازة عام 1965م. مارس تدريس الأدب العربي ثم أرسل في بعثة تعليمية إلى الجزائر (1969-1973) وشارك هناك في ملتقيات أدبية وفكرية. قام بعدة زيارات علمية وسياحية إلى دول أوروبية. وعاد إلى حلب مدرساً، ثم ندب للعمل في إذاعة حلب والمركز التلفزيوني كمعد لبرامج إذاعية وتلفزيونية. وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب–جمعية الدراسات ثم جمعية المسرح- عضو لجنة التراث في مهرجان الأغنية السورية، وعضو جمعية العاديات السورية، وفي الجمعية السورية لتاريخ العلوم عند العرب، وباحث في الموسوعة العربية قسم التربية والفنون.
شارك في العديد من المهرجانات الفكرية والمسرحية في سورية والعالم وتنقل بين مسارح العالم ليترك بصمته الخاصة، حاز جائزة الباسل للإبداع الفكري (مجلس مدينة حلب) 1998 وجائزة الدولة التقديرية (وزارة الثقافة) 2015 وكرم محلياً وعربياً في مناسبات عدة. جريدة «الوطن» كان لها شرف الحوار مع الأديب عبد الفتاح رواس قلعه جي ومسيرته مع المسرح والكتابة المسرحية.

في سورية، نهض المسرح الحديث على يدي رفيق الصبان وشريف خزندار وهاني صنوبر وفواز الساجر وأسعد فضة… لكنه بالتأكيد يحيا دائما بمؤلفيه المسرحيين: سعد الله ونوس– ممدوح عدوان– محمد الماغوط– وليد إخلاصي– مصطفى الحلاج وعبد الفتاح قلعه جي وغيرهم… فهل تخف شعلته الآن في ظل ما نتعرض له من تبدلات وتغيرات على مختلف المستويات ؟
نحن جيل شهد ثلاث حروب عربية إسرائيلية بانكساراتها وبوارق الأمل الخادعة، وكنا ننهض من رماد الانكسارات لنعيد بناء الثقة من جديد منطلقين من إيماننا بضرورة الدفاع عن وجودنا، وكان التأصيل لمسرح ذي خصوصية عربية، والحفاظ على الهوية والشخصية، سبيلنا لتحقيق الوجود¡ كنا مسلحين بتراث عصيٍّ على الهزيمة، وبإيمان بالقيم الكبرى وإن تعددت اتجاهاتنا ومشاربنا. أما الجيل الجديد، ولست هنا في مجال التعميم وإنما في مجال الاستقراء، فإنه لم يعش تلك الحروب، وإنما عاش عقابيلها المأساوية، وهو يعيش، كما نعيش، عصراً أصبح فيه العربي، متهماً بالتخلف والإرهاب، وطنه محتل داخلياً وخارجياً بغزو عسكري أو اقتصادي أو ثقافي، وهو جيل منسلخ عن تراثه، جرفته رياح الاستهلاك والعولمة، ما عادت في دائرة اهتمامه القيم والقضايا الكبرى، وإنما احتلت مساحة الاهتمام والتعبير قضايا جزئية أو مفترضة، فهو غير مهتم بالفكرة أصلاً ليكون مهتماً بالتأصيل لمسرح عربي، وقد ظهرت آثار هذا الاتجاه في هذه الحرب الشرسة والحصار اللذين نعيشهما الآن، واحتل الحوار بالسلاح مكان الحوار بالكلمة. وفي ظلال هذا اليأس تراجع المسرح إلى حد الكارثية، وعاد مد المسرح التجاري الاستهلاكي يطغى على الساحة ويحظى بالدعم، وهذا ما راقبته في عروض حلب الحالية.

في عصر التكنولوجيا الحالية والإعلام المرئي، أين المسرح الآن؟
يستفيد من التكنولوجيا في منجزات السينوغرافيا والديكور وغيرها من عناصر العرض المسرحي، وفي ظل وسائل الاتصال الحديثة وصلت النصوص السورية إلى أقصى المعمورة وقدمت، وهذا يقودني إلى الحديث عن الاستفادة من منجزات العصر الاتصالية وفرتها التكنولوجيا الحديثة.
أذكر أن مهرجان دمشق المسرحي خصص ندوة فكرية عن المسرح ووسائل الاتصال شاركت فيها. مهما يكن فإن المسرح باق لا تزعزع مكانته وجمهوره أي مستجدات في العالم، حتى وإن كانت منافسة كالسينما مثلاً. وهو بالعكس يمكن أن يستفيد منها ويدخلها إلى مطبخه فيزداد غنى. ويمكن لوسائل الاتصال كالانترنت مثلاً أن تطلعنا عن بعد على أحدث التجارب المسرحية أو البحوث والكتب في هذا الشأن، وأن تحقق تواصلاً مباشراً وحواراً منتجاً بين رموز المسرح في العالم، وأن تقوم بغرض الإعلان لمصلحة المسرح.
ويبدو أن الأمر اليوم يتجاوز هذه المهمات إلى نشوء المسرح الرقمي- التفاعلي الذي يقوم أساساً على وسائل الاتصال والشات، وقد خصص أحد مهرجانات القاهرة للمسرح التجريبي ندوة خاصة به وهو اعتراف غير مباشر به. ويعود تأسيس هذا المسرح إلى (تشارلز ديمر) إذ يعدُّ رائد المسرح التفاعلي حيث أَلَّف عام 1985م أول مسرحية تفاعلية كما أسس مدرسة لتعليم كتابة سيناريو المسرح التفاعلي في موقعه الخاص على الانترنت عبر تقديمه دورات تعليمية متعددة. إن صلة الوصل بين عناصر العرض الرقمي هي شاشة الكومبيوتر، ويعتبرونه نوعاً متقدماً من التجريب، وهو في الحقيقة لا يعدو كونه تجربة تستفيد من الثورة التكنولوجية الرقمية.

هل الإحباط السياسي والوضع الاقتصادي الذي يعيشه المواطن الآن، يؤثر سلبا أم إيجابا في المسرحي «كاتبا، مخرجا، ممثلا»؟
الهزائم والنكبات السياسية والاقتصادية يمكن أن تكون حافزاً على الكتابة، لنتذكر سعد الله ونوس وحفلة سمر من أجل 5 حزيران، ودون كيشوت ومؤلفها سرفانتس الذي كتبها إبان هزيمة اسبانيا وتحطم أسطولها الأسطوري الأرمادا، والشقيقات الثلاث وطائر النورس لتشيكوف والمعاناة الاجتماعية والاقتصادية في روسيا وإرهاصه بميلاد جديد. إن الإحباط يأتي من انعدام حرية الفكر، من لجم الأفواه والرقابات الغبية التي تؤول قسرياً حتى الرموز الإنسانية فتمنع النشر، هل تعلمين أنني بتراثي المسرحي الغني وقد بلغ 70 نصا مسرحيا، المطبوع منها 65 نصاً، والذي هو ملك لوطني سورية أن أربعة نصوص كبرى لدي، إنسانية الفكرة والمعالجة لم تتم الموافقة عليها، أو بالأصح طلب مني تعديلها لتكون في مصلحة سائد معين، وأنا بعد تراثي النصي المسرحي قلت لهم: لا أعدِّل أو أغير كلمة واحدة مما كتبت، وأي تعديل من هذا القبيل يخل بهيكل النص وبنيته الفكرية؟

كتبت العديد من المسرحيات والكتب المتعلقة بالنقد المسرحي، ما دور المسرح في التنمية الاجتماعية؟
المسرح فن مركب من عناصر عدة: الكلمة، الحوار، الصوت، الأداء، الموسيقا والغناء، الملابس، الفن التشكيلي والمعماري، الأزياء، السنوغرافيا.. الخ ثم يأتي العنصر الأخير والأكثر أهمية وهو الجمهور. نجن إذن في العرض المسرحي أمام مجتمع مصغر ومؤقت بتوقيت العرض، ولكنه مجتمع ينطوي فيه العالم الأكبر. إن أي تنمية لهذا المجتمع المتجدد في كل عرض، ثقافيا واجتماعيا وسياسيا هو اختصار لطروحات يمكن أن نؤسس عليها التنمية للمجتمع خارج العلبة الإيطالية. حتى إن المسرح خاض تجربة السيكودراما وهي المعالجة النفسية للعصابيين. كما خاض مسرح المهمشين عند البرازيلي أوغوستو بوال تجربة التنمية عن طريق طرح القضايا الاجتماعية واقتراح الحلول لها بتفاعلية مشتركة بين الممثلين والجمهور، والأمر أيضاً في مسرح الهابننغ، وغيرها من الاتجاهات المسرحية التجريبية.

منذ أيام الإغريق، كان رجل المسرح الأول هو المؤلف، أين هو الآن بعد سيطرة المخرج ؟كما نشهد أيضاً غياب النص المسرحي عربيا واعتماد المخرجين في أكثر الأحيان على نصوص مترجمة.. ما تفسير ذلك؟ وهل النصوص المترجمة تبعد المسرح عن هموم الأمة وقضاياها؟
المسرح يبدأ من النص وينتهي بالمتفرج تلك هي المسيرة الحقيقية للمسرح وبينهما حلقات مترابطة تسهم جميعاً في بنية العرض كالسينوغرافيا والموسيقا والإضاءة والملابس وغيرها بإدارة وإبداع مخرج يشخص الكلمة فعلاً مسرحياً. التاريخ اليوم متسارع الأحداث بشكل مذهل، والإحباطات والانكسارات تتوالى بلا انقطاع، والمسرح بالرغم مما يهدف إليه من جمال وإمتاع لا يمكن أن ينفصل عن الواقع، غير أن العصر – عصرنا العربي- يشهد تحييد الفعل الثقافي، واستبعاد المؤلف المسرحي وموته وعدم احترامه ولا يمكن لباقي بناة العرض المسرحي بدءاً من المخرج وانتهاء بالسينوغراف أن يقوموا بمهمة الكاتب. انحسار دور المؤلف المسرحي أدى غياب دور المسرح في قراءة الواقع العربي الذي وصل إلى أدنى حدود التردي، وهذا مما لا يستطيع أن يقوم به الكتبة والمخرجون والدراماتورغيون. وإلا فماذا نفسر ندرة انعكاس الوضع الكارثي العربي الراهن والمستقبلي على خشبة المسرح.
لقد فهم بعضهم المقولة التي جاء بها رولان بارت عن موت المؤلف خطأ، فهو لم يعلن إعدامه وإنما يعنى موت سلطته على القارئ، أي الإقرار بسلطة القارئ التي ينتهي معها استهلاكه السلبي للنص باعتباره نصاً جاهزاً مغلقاً ونهائياً، وتأكيد سلطة القارئ على النص تعني تعدد قراءاته وتأويلاته.
أما بالنسبة لتقديم النصوص المترجمة فمن حق الجمهور أن يطلع على تجارب الأمم، وأما أن يصبح النص الأجنبي عقدة الخواجا لدى بعضهم وأنه هو الأعلى فهذا مرفوض. وفي اعتقادي أنه من الأفضل تقديم النصوص الأجنبية كما هي، سواء طابقت الواقع العربي عندنا أم لم تطابق. لكن المخرجين اليوم يتلاعبون ويشوهون النص المحلي بدعاوى تقديم رؤيتهم الخاصة أمام عين المؤلف ورغم أنفه، فلا عجب أن يفعلوا مثل ذلك مع النص الأجنبي، وهم يريدون الاتكاء عليه لتقديم وإشهار أنفسهم بربط اسمهم باسم (الخواجا الأجنبي)، يبدو أنهم لم يقرؤوا جيداً العلاقة القائمة على الاحترام بين ستانسلافسكي وتشيخوف.

نجد العديد من الروائيين والشعراء والكتاب، لكن لا نجد إلا عددا قليلا من كتاب المسرح، ما السبب برأيك؟
باختصار يعود ذلك لأسباب منها:
1- المسرح الحق فن صعب للغاية، هو بناء عوالم وحكايات وتصورات يجب أن تكون في منتهى الدقة والإتقان والتزمين لأنها ستعرض أمام الجمهور ولا تحتمل مثلاً الترهل السردي أو الوصفي كالرواية، ولا التقوقع الذاتي والشطح الخيالي ولا المناسباتية المدائحية الشعاراتية كما الشعر.
2- انزياح بعض كتاب المسرح نحو الكتابة للتلفزيون فالمسرح لدينا لا يدر مالاً يعين على الحياة.. طبعاً عدا المسرح التجاري والاتجار بالمسرح.
3- المؤلف المسرحي السوري انقرض أو يكاد، لأن المؤسسات المسرحية والقائمين اليوم والمخرجين وحتى المعهد العالي للمسرح يتجاهلونه، بل أعلنوا موته، فهم إذا ذكر النص المسرحي اكتفوا بإيراد اسم ونوس كـأن المسرح قد مات بعده، إنهم لا يقرؤون بل ينظِّرون فقط. أما عن النصوص والعروض المتفرقة لشبابنا فإنها لم تشكل تراثاً نصياً لهم ولا للمكتبة،. أغلب رفاقنا توقفوا عن الكتابة للمسرح لعدم تبني نصوصهم، واستمررت أنا ولي حوالي 70 نصاً مسرحيا عدا كتب الدراسات المسرحية ومئات المقالات في النقد المسرحي النظري والتطبيقي، ولولا أنني أجد أن أغلب مسرحياتي تقدم في البلاد العربية ولا تزال، وتفوز بالجوائز لربما توقفت مثلهم.
4- مع طغيان العولمة ومفاهيمها، والاتجاهات الفكرية لما بعد الحداثة التي تدعو إلى تدمير الوحدات الكبرى والقيم الراسخة، والرموز الكبيرة، أصبح العصر هو عصر الفوضى والغياب. إن الأسماء التي كانت تحمل المواقف المبدئية، والأفكار الكبيرة، والمشروعات المؤسِّسة تغيب ليطفو على السطح ركام من الأسماء وبقايا مجتمعات أصابها الخراب.
تغيب الأسماء والأعمال الكبير لتسود طقطوقات الحب المستهلك التي تعتمد على الجسد والإبهار البصري، الأمر نفسه في الشعر والفنون الأخرى، وفي المسرح أيضاً تسود ظاهرة المسرحية الطقطوقة التي تعتمد على الإبهار البصري ولغة الجسد، وليس على الفكر. أو على التلفيق والتوليف النصي. نحن لسنا ضد المسرح الحديث بشرط ألاّ يقوم بتدمير هويتنا وأصالتنا والقيم النبيلة لدينا. في السنوات القلائل قبل هذه الحرب سادت لدى شبابنا هذه العولمة المسرحية بطروحاتها العدمية، وقد حذرت من ذلك في أكثر من مقال، وهانحن نجني ثمرة ما سمحنا بزراعته.

يقال إن المسرح الجيد يحيا بدعم الجمهور دون الحاجة لدعم المؤسسات هل هذا صحيح من وجهة نظرك؟ وما صفات ذاك المسرح ليرضي الجمهور، وأيهما الأفضل لخلق التأثير الحسي والذوقي لدى المتلقي، المسرح الشعبي أم مسرح النخبة؟
في الدول المتقدمة ذات العراقة المسرحية يقوم الحضور المسرحي العريض بشباك التذاكر بدعم المسرح، حتى أبو خليل القباني كان يعتمد على بيع البطاقة لاستمرار مسرحه في دمشق أو مصر، على الرغم من أن بدايته كانت بدعم من الوالي العثماني المتنور مدحت باشا. في العصر الذهبي للمسرح القومي حيث كان يقدم العروض الجادة الفخمة العربية أو الأجنبية استطاع أن يكون جمهوراً داعماً وشباك تذاكر جيداً على الرغم من أن مديرية المسارح هي التي تقوم بإنتاج العمل، وفي مسرحياتي التي قدمها المسرح القومي بحلب للكبار أو للأطفال كان كثيرا ما يتم إلغاء بطاقات الدعوة في عدد من العروض نظراً لكثافة الحضور الذين يشترون بطاقة الدخول قبل أيام.
النص المسرحي الجيد يكتب نفسه، فمثلاً أنا لا أضع مخططاً تفصيلياً للعمل به، ثمة رؤية كلية للعمل، وفكرة أساسية، وعندما أبدأ الكتابة أترك الشخصيات تتحرك وتتكلم بتلقائية وبمنتهى حريتها، وتصنع مشاهدها بنفسها، قد يعجبني أو لا يعجبني تصرفاتها وأفكارها، ولكنها في النهاية هي التي تصنع الحياة.
هذا لا يعني غياب المؤلف عن نصه، فالإنسان بالرغم من وحدته الجسمانية والنفسية هو في داخله متعدد، وهذا يعطي المؤلف قابلية للتشظي في شخصياته من غير أن تكون صورة عنه، كما أن حضوره يتمثل بصفته مراقباً للأحداث والتصرفات، وثمة حضور ثالث للكاتب هو فني نقدي، يتمثل في نقد كل مشهد منجز، ثم نقد العلاقة بين عدة مشاهد منجزة من حيث الحوار والإيقاع وحركة المشهد وبصريته.
بالنسبة لتجربتي فإن الإنسان كان دائما قضيتي ومحور اهتمامي في أعمالي المسرحية، أبسُطُ قضاياه وأدافع عن لقمته وعن أمنه النفسي والاجتماعي والسياسي، عن حريته وكرامته، وأنتقم بكل ما أوتيت من قوة تصوير وتشخيص من ظالميه. وكنت قد بدأت بالواقعية الممتزجة بالرومانسية في مسرحيتي الفصل الثالث التي قدمها المسرح الشعبي عام 1969، وبالمشاعر القومية في مسرحيتي صرخة في شريان مبتور ولكنني بعد اطلاعي على تجارب الطليعيين في العالم وجدت في أسلوب المسرح الطليعي أو ما يسمونه أيضا اللامعقول ما يخدم قضية الإنسان الذي يشكل محور اهتمامي فكتبت ثلاث صرخات والسيد وطفل زائد عن الحاجة ومسرحيات أخرى، وكانت إلى حد ما نخبوية لكثافة الرموز وغرابة الشكل، ولكن خصوصية ونخبوية جمهوره وغموض إشاراته أحيانا كنص مفتوح الدلالة جعلتني أتجه إلى تخصيص الإشارة وتوضيحها أكثر، وإلى إعادة النظر في لغة الخطاب المسرحي وأدواته ليصل إلى القاعدة العريضة من الجمهور بمختلف مستوياتها محققا بذلك نوعا من الفرجة العربية التي طالما كتبت عنها تحت عنوان «مشروع آخر في المسرح العربي» وكنت أسعى مع باحثين آخرين في المسرح إلى التأصيل لمسرح عربي يقوم على منطلقات فكرنا وأساليبنا وأدواتنا الفنية ووعينا الجمالي وتتجلى فيه هويتنا وشخصيتنا العربية. وقد وجدت في هذا الاتجاه مجالات أرحب للتجريب، فأنا مازلت مصرا على ضرورة التجريب في المسرح ، ليس بالمعنى الغربي أو اتجاهاته التي انحرفت عن مسار المسرح وصارت ألصق بفنون أخرى، وإنما بالدلالة التي تحملها مشروعات التأصيل لمسرح عربي. لقد وجدت أنه لا بد من الانفتاح على القاعدة الشعبية من غير التخلي عن المسرح التجريبي، فكتبت مثلاً «لاشيء في الحديقة» وقدمها مسرح حلب القومي السنة الماضية، وكتبت عددا من الكوميديات الشعبية هي أقرب إلى المزج بين ما هو كوميدي وتراجيدي وقدمت أغلبها في البلاد العربية ومنها «فانتازيا الجنون: وباب الفرج واللحاد وهبوط تيمورلنك، ولاقت جميعها حضوراً جماهيرياً، وإنه ليسعدني أن يعتبرني أغلب نقاد المسرح بأنني رائد المسرح التجريبي في سورية خاصة والبلاد العربية عامة، وهذا يعطيني حافزا للاستمرار والعطاء حتى أنجزت حتى الآن أكثر من (70) مسرحية تتسم غالبيتها بالتجريب المتنوع وهذا ما لم ينجزه أي كاتب مسرحي في الوطن العربي.
أما المسرح التجاري فدعمه ذاتي من خلال خطة إنتاج، وبيع البطاقة أو فرضها أو من شركات خاصة تسهم في الدعم، وهو مسرح تسلية، سطحي، غير فني، حتى وإن مارس النقد الاجتماعي والسياسي، وهو في كل المسارح التجارية في العالم لا دور له في النهوض بالمسرح الفني.
في النهاية لا بد من أن تكون للمسرح رسالته، هذه يحملها المسرح الفني الجيد، ومع هذه الرسالة يجب أن تتوافر المتعتان الشعبية والفكرية، أما مقولة «الجمهور عايز كدة» ونعطي أنفسنا مبررا للهبوط بالمستوى الفني والأخلاقي المسرحي فأمر مرفوض.

المسرح نوع من أنواع المقاومة منذ ولادته، هل رأينا ذلك خلال سنوات الحرب التي مرت على البلاد؟
لا شك أن الحرب أضرت بالحركة المسرحية في سورية فتقلصت عروضه وتوقف مهرجان دمشق المسرحي، لكن الحرب يمكن أن تكون مصدر ثراء للمسرح السوري بشرط أن نعيد الاعتبار للمؤلف المسرحي الذي تم إبعاده عن الخشبة، فهو القادر وحده على نقل التجارب المريرة والأحداث التي مرت بها سورية وما زالت، والأمر لا يتعلق اليوم بترميم المسرح بحلب وإنما يتطلب إحياءه من جديد وهذا يقتضي اهتماما ودعماً مادياً ومعنويا من مديرية المسارح.
المسرح أرقى أنواع المقاومة، والتنمية للوعي الحياتي والنضالي، وقد كتبت العديد من المسرحيات التجريبية في هذا الإطار، ومسرحيتي سيرة مدينة/ ملحمة حلب المسرحية الكبرى هي درة مؤلفاتي المسرحية التاريخية التوثيقية في الوطنية ومحبة الوطن وفيها تصوير لما يجرى في سنوات الجمر هذه في حلب ما يزال مخطوطاً منذ عام 2013 لأن محكِّماً غبياً من محاكم التفتيش لم يجرؤ على الرفض فطلب إعادة كتابته ليكون مديحاً خالصاً للقائم بأمره، بينما المحكم الآخر في موافقته أثنى عليه ثناء مدهشاً وقال: لم يكتب حتى الآن عمل رائع كهذا من الجودة الفنية والصدق عما يتعرض له الوطن اليوم، ونصح بأن يقدم على خشبة المسرح. سحبت المخطوط فمناقشة هؤلاء الفقهاء أمر عقيم.

كتبت المسرح الشعري، لماذا هذا النوع من المسرح لم يلق حظا في المسرح العربي؟
كبار الكتاب كتبوا المسرح الشعري من عهد الإغريق إلى شكسبير إلى ت. س. البيوت.. المشكلة عندنا هل تكتب هذا المسرح على طريقة أحمد شوقي (تقليدي) أم على أحمد باكثير (التفعيلة)، أم الإيقاع العميق كما في قصيدة النثر. إن أغلب نصوصي تعتمد الإيقاع العميق، وأذكر أن رئيس لجنة التحكيم في مهرجان الهواة الناقد جان ألكسان قال ذات مرة للفرقة، أهنئكم هذه مسرحية شعرية بامتياز، ظناً منه أنها تفعيلية.
مسرحيتي اللحاد شعرية مبنية على التفعيلة، ولكن يخيل للرائي أنه أمام نص نثري، وقد قدمتها فرق عدة في البلاد العربية، وأجزم أن بعضهم لم يدرك أنها تفعيلية، هكذا يجب أن يكتب المسرح الشعري العربي المعاصر، وممن قدمها أي اللحاد: نادي المسرح بكفر الدوار(المهرجان-مصر)/ مسرح الريف (مهرجان أوال- البحرين)/المسرح العمالي (درعا- المهرجان)/معهد الفنون الجميلة (كردستان-العراق وعرضت أيضا في المهرجان/ فرقة أوسليم وآيت بهي/أحمد جيفارا (مهرجان اسكندراما-الاسكندرية-مصر). ثم كتبت مسرحية شعرية بعنوان أهل الكهف فازت بمسابقة للتلفزيون السوري.
بعد صمت أكثر من سنة لم أكتب شيئاً ذا بال، أنجزت في الشهرين الماضيين مسرحيتين شعريتين قائمتين على نظام التفعيلة هما: «ترنيمة حب، ليلى وتوبة» وهي قصة سيدة الشعر العربي القديم ليلى الأخيلية، ومسرحية «أغنية الطائر المسافر، ليلى والمجنون» وهي معالجة خيالية فلسفية صوفية لقصة مجنون ليلى.

هل المسرح رسالة توصيل أم صراع نقدي لكل إشكاليات الحياة؟
المسرح هو توصيل ونقد، ثمة رسالة أو مقولة يحملها الكاتب وتؤرق تفكيره يود أن يوصلها إلى الآخرين عن طريق النص أولاً ثم العرض ثانياً، وهناك أيضاً حياة إنسانية، فردية أو جماعية يريد أن يكتشف مجهولها وجوانبها ومشكلاتها بالوصف والتشخيص، وبالنقد، وبرسم مآلها وممكنها بالتحليل والإرهاص، كل ذلك عن طريق الشخصيات والعلاقات بينها وحواراتها، وهذه القيم الفكرية في النص والعرض يجب أن تكون مصحوبة بالقيم الفنية والجمالية التي تجعل من المسرحية كائناً مسرحياً ممتعاً ونابضاً بالحياة والمصداقية.

في ظل ذلك، كيف ترى واقع المسرح العربي عامة وفي سورية خاصة؟
المسرح السوري أصيب بنكسة خلال سنوات الجمر التي نعيشها لكنه بدأ بالتعافي، فقد عاد مهرجانا حمص وحماة إلى الحياة، وتوالت عروض القومي بدمشق وانتظمت، وتشهد حلب المنكوبة تعافيا ملحوظاً لحياتها المسرحية رغم بعض الاضطراب في مفهوم المسرح لدى الفرق الخاصة، وعاد قومي حلب ليقدم مسرحيات مهمة نصاً وإخراجاً.
الجوانب الثقافية والاجتماعية والسياسية شبكة مترابطة ببعضها بعضاً فإن استطاعت سورية اجتياز الحصار والشلل الاقتصادي واستعادة أجزائها المنتهكة والمبعثرة والتعافي، فإن المسرح سيشهد ولادة جديدة لعلها تستفيد من التجارب المريرة التي مرَّت.
وأعتقد أيضا أن المسرح العربي قد أدى دوراً مهماً في الحيوات الثقافية والاجتماعية والسياسية، ثم حاد بعضه عن طريق إنماء الوعي منساقاً وراء البوح والجزئيات وتقليد المدارس الغربية في الشكل والمضمون، مبتعداً عن القيم الوجودية الكبرى والقضايا القومية والوطنية، لكنه اليوم ينتفض من هذه الانتكاسة، وقد تأكد لي ذلك من خلال اطلاعي مؤخرا على حوالي مئتي نص مسرحي عربي دفعة واحدة بحكم كوني محكما عربياً في أكبر مسابقة يشهدها الوطن العربي للنص المسرحي لكبار الكتاب وللشباب، فقد وجدت أن أغلب النصوص المشتركة تعالج هموم الإنسان العربي وتحفز وعيه بالأحداث التي تطيح بهذه الأمة.
أعتقد أنه بعد هذه الانتكاسات القاتلة والمخاض العسير ستكون ولادة جديدة ليس في المسرح فحسب وإنما في جميع جوانب الحياة في سورية والوطن العربي، وسيكون هناك مفهوم جديد ولو بعد أمد طويل جداً للحرية وللإنسان بجميع أطيافه وأجناسه واتجاهاته الفكرية، كموضوع وكمركز كوني للوجود لا بد من عشقه وتكريمه والدفاع عن أمنه وحريته وكرامته المهدورة ولقمة عيشه فالإنسان هو الوطن.

 

هناء أبو أسعد

الرئيسية

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح