أخبار عاجلة

رؤية إيفو فان هوفا الجديدة لرائعة إبسن

مشهد من المسرحية

د. صبري حافظ

لا شك في أن المخرج البلجيكي إيفو فان هوفا يؤكد نفسه على الساحة المسرحية الدولية كأحد أكثر مخرجي المسرح المعاصر تميزًا وإبداعًا بلغته الإخراجية الفريدة، وتأويلاته الشيقة للنصوص المسرحية العريقة. فبعد أن شاهدت له إخراجه المدهش لمسرحية “الملعونون” المأخوذة عن فيلم فيسكونتي الشهير في مهرجان أفينيون المسرحي قبل أشهر، ها أنا أشاهد إخراجه الجديد لرائعة هنريك إبسن (1828 -1906) “هيدا جابلر” التي كتبها عام 1890، على خشبة المسرح القومي الإنكليزي، فتتأكد بها موهبته الإخراجية المتفردة، ولغته البصرية التي تستهدف التوجه إلى عقل المشاهد واستثارة تلقيه للعمل المسرحي بشكل عقلي ونقدي معا. تتيح له الاستمتاع بجماليات ما يرى، وكأننا بإزاء مخرج سينمائي يفكر في تشكيلات “كادراته” البصرية مشهديًا وحركيًا، وتأمل ما تنطوي عليه الأحداث أو الشخصيات من دلالات. أو كأننا بإزاء مخرج مسرحي يتفق مع جوهر منهج التغريب البريختي، ولكنه يحقق هدفه بطريقته المتميزة والمغايرة كلية لطريقة بريخت.

والواقع أن هنريك إبسن، أحد أهم كتاب المسرح، إن لم يكن أهمهم في القرن التاسع عشر؛ وأن إنتاجه المسرحي الثري يضعه جنبا إلى جنب مع كبار القامات المسرحية في العالم مثل شكسبير وراسين وتشيكوف. كما أن مسرحيته الشيقة “هيدا جابلر” واحدة من المسرحيات القليلة التي تحمل اسم امرأة، وتقدم دراسة شيقة وعميقة للمرأة، توشك أن تكمل اهتمامه بها، الذي صاغت ملامحه الأولى مسرحيته الشهيرة “بيت الدمية” وبطلتها “نورا هيلمر” التي ظلت أصداء إغلاقها للباب خلفها تدوي في أرجاء العصر الفيكتوري المتزمت، حتى تمخضت عن حركات تحرير المرأة المختلفة في الغرب. والواقع أن مسرحية “هيدا جابلر” أو بالأحرى بطلتها التي منحت المسرحية اسمها، لا تقل ثراء وتعقيدًا عن مسرحية “هاملت” وعن شخصيته المفتوحة على العديد من التأويلات. فقد تعددت تأويلاتها من اعتبارها ضحية لواقع لا يفهم المرأة، ولا يهتم بطموحاتها، أو دراسة في أوجاع مرحلة من مراحل التحول الاجتماعي الحرجة ووقعها على المرأة وعقابيلها، إلى إدانتها كلية كتجسيد حيّ لقوى الشر والدمار، أو كأفعوان خبيث ينفث سمومه في كل من حوله، ويموت بها أيضًا.

وهذا ما جعلها أحد أكثر المسرحيات إشكالية من حيث تأويلها، والتعرف على الدوافع الداخلية لسلوك بطلتها التدميري، التي توازي في تعقيداتها دوافع هاملت وسلوكه وتردده كما ذكرت. فإذا كان من اليسير التعاطف مع “نورا هيلمر” بطلة (بيت الدمية) لإيثارها سعادة أسرتها ونبلها، والنقمة على زوجها الفظ “تورفالد هيلمر” لأنانيته وتمركزه حول ذاته وضيق أفقه، وعدم وعيه بمدى تضحياتها الجمّة من أجله، فإن الأمر ليس بهذه البساطة في “هيدا جابلر”. فقد كتب إبسن فيها عن حق واحدة من أكثر شخصيات المسرح النسائية إشكالية وتعقيدًا. وكشف فيها بشكل باكر عما استمرت الحركات النسوية في تكراره من بعده لعقود، وهو أن من العسير فهم شخصية المرأة عبر تبسيطات الرجال عنها؛ وأن الرجل هو آخر من يستطيع فهم المرأة، أو سبر أغوار أعماقها الدفينة. وهو الأمر الذي يتبلور في المسرحية أيضا عبر شخصياتها الرجالية الثلاثة حيث يساهم كل منهم بطريقته الخاصة في تعميق عزلة “هيدا”، وإحكام إغلاق الأفق أمامها.

ولذلك فقد شاقت تلك المسرحية الكثيرين، وأصبحت واحدة من مطامح الممثلات اللواتي تترسخ أقدامهن على خشبة المسرح، تماما كما أصبح هاملت أحد مطامح الممثلين الذين رسخوا أقدامهم على الخشبة، وأحد أبرز التحديات لهم في الوقت نفسه. وهو الأمر نفسه بالنسبة لعدد من كبار المخرجين المسرحيين في الغرب خاصة. وقبل الحديث عن تأويل إيفو فان هوفا الشيق والمبتكر معا لهذه المسرحية لا بد من عرض ملخص لها على القارئ، بالرغم من توفر أكثر من ترجمة لها في اللغة العربية. فـ “هيدا جابلر” كما تقول الكلمات الأولى في المسرحية هي ابنة جنرال ميت. أي أنها تنتمي لطبقة كانت في طريقها وقتها للموت، أي الطبقة الأرستقراطية التي عانت من صعود البرجوازية في القرن التاسع عشر. وقد وفرت لها حياتها الأرستقراطية كثيرًا من المميزات من ركوب الخيل إلى الاستمتاع بالحفلات والسهرات الاجتماعية الباذخة، إلى الحد الذي جعلها تدّع عنها كل من وقع في غرامها، أو حاول التقدم لخطوبتها. لكن موت الأب بعدما تجاوزت سنوات عشريناتها الأولى وضعها في مأزق الوعي بأن سنوات اللهو قد مضت، والقبول بمن يوفر لها حياة مستقرة بعد وفاته. وهذا ما دفعها للقبول بالزواج من “يورجين تيزمان” الذي كان آخر من وقع في غرامها، وهو جامعي نشيط، ونموذج لابن الطبقة الوسطى الذي يسعى عبر المعرفة للارتقاء والحصول على وظيفة في الجامعة عبر المزيد من البحث والكتابة. وقد سبقه في الوقوع في غرامها جامعي آخر هو “إيلرت لافبورج”، لكنها هددته بإطلاق النار عليه، فقد كانت منذ شبابها شغوفة باللعب بمسدسات أبيها. فهرب وغرق في دوامات إدمان السكر حتى دمرت الخمر حياته.

وتبدأ المسرحية بعودة تيزمان وزوجته من رحلة شهر العسل التي امتدت لستة أشهر، أمضاها أيضًا في البحث عن مزيد من المواد والمصادر التاريخية لكتابه القادم، الذي سيمكنه من التقدم للوظيفة الجديدة في الجامعة. ونعرف من زيارة عمته “جوليانا تيزمان” له في مفتتح المسرحية، أنه استدان منها الكثير كي يوفر لزوجته الحياة التي اعتادت عليها، بشراء منزل جدير بها في العاصمة برغم أنه يتجاوز إمكانياته، وتوفير رحلة شهر عسل طويلة لها، حاول أن يجعلها مفيدة لحياته العلمية أيضًا. وأن العمة قد أقنعت “بيرتا” خادمة أسرة “تيزمان”، والتي ربّت “يورجين” منذ أن كان طفلاً، بالعمل في بيت “يورجين” الجديد، بالرغم من ترفع “هيدا” عليها، وانتقادها الدائم لكل ما تقوم به. بل إن العمة نفسها لم تسلم من انتقاداتها وترفعها. لكن “يورجين” يطلب من “هيدا” أن تتلطف معها، ويؤكد لها أنه لم يستطيع أن يوفر لها الحياة الباذخة التي اعتادت عليها من دون مساعدتها، وأن من الضروري له أن يكمل كتابه الذي جمع مادته، وأن يحصل على الوظيفة الجديدة التي أعلنت عنها الجامعة، كي يوفر لها حياة مستقرة، وإن حذرها من أنها لن تكون كحياة الحفلات المتتالية التي اعتادت عليها في بيت أبيها.

هنا يظهر الحديث عن أن منافسه القديم في نفس المجال “إيلرت لافبورج”، والذي كان الجميع يعرفون أنه دمر حياته العملية بالإدمان على الشراب، قد نشر كتابًا جديدًا حظي بترحيب النقاد والجمهور على السواء. وأنه قد جاء إلى العاصمة بعدما فرغ من كتاب آخر يعتقد أنه سيكون أكثر أهمية ونجاحا من كتابه المنشور، مما يجعله منافسًا قويًا محتملاً على الوظيفة التي ينشدها “يورجين”. وقد جاءت وراءه وللبحث عنه “تيا إلفيستيد”، التي نعرف أنها تركت زوجها من أجله، والتي تتخوف من أن يعود للشراب، بعدما ساعدته في التغلب على الإدمان، وتوجيه طاقته من جديد للبحث والكتابة. بعدما تدهورت به الأحوال إلى حد العمل معلمًا لأبناء زوج “تيا” الذي كان يكبرها بأكثر من عشرين عامًا، وتزوجها كي تربي أولاده. فوقعت في غرام “إيلرت لافبورج” فهو من عمرها؛ وساعدته على التخلص من الإدمان كلية، وعلى مواصلة أبحاثه، حتى انتهى بفضلها من كتابه الجديد الذي يعتقد أنه سيرد له الاعتبار على جميع المستويات. وحينما تأتي “تيا” لبيت “تيزمان” بحثًا عن “إيلرت” نعرف أنها كانت زميلة لـ”هيدا” في المدرسة، وأن “هيدا” كانت تستأسد عليها وتشد شعرها، وكانت دائمة الاعتداء عليها، وهو أمر تزعم “هيدا” أنها لا تتذكره، بل تعتقد أنهما كانا صديقتين. وتحكي لها “تيا” قصتها مع “إيلرت” وتخوفها من أن تعيده العاصمة للشراب، ومدى خطورة الأمر عليه كمدمن سابق. فيثير هذا الحب القوي المغيّر لحبيبها السابق غيرتها من زميلتها السابقة وتأثيرها البالغ عليه.

وحينما يظهر “إيلرت لافبورج” ومعه مخطوط كتابه الجديد الذي سيعزز مكانته ويرد له الاعتبار يبدأ التوتر الدرامي، لأنه سيكون منافسًا خطيرًا يهدد فرصة “يورجين” في الحصول على وظيفة الجامعة. ونعرف أن حبه الكبير الذي لم ينسه أبدًا، كان “هيدا”، وها هي تتمكن من جديد من التأثير عليه، بل تدفعه إلى الشرب من جديد، وتحدي “تيا” الذي يعتقد أن تخوفها من وقوعه في السكر يعبر عن فقدان الثقة في شفائه من دائه القديم. وتدفعه “هيدا” للذهاب مع “يورجين” والقاضي “براك” لحفل سيسيل فيه الشراب أنهارًا، ولن يستطيع له مقاومة. وهذا هو ما جرى بالفعل، فقد شرب حتى سكر تمامًا كما هي الحال مع كثير من الاسكندنافيين. وضيّع باستمراره في الشراب بعد انتهاء الحفل، والتجول بين حانة وأخرى، مخطوطة كتابه الجديد الذي عثر عليه “يورجين” وهو في طريق عودته لبيته؛ وكان قد استمع إلى قراءات منه أثناء الحفل، وتأكد من أهميته العلمية البالغة. وأخذت “هيدا” المخطوط منه، وحينما يظهر “إيلرت” من جديد وقد تعتعه السكر، ويخبرها بأنه مزق مخطوط كتابه الجديد، مع أنه ضيّعه؛ لا تخبره بأن زوجها وجده، بل تشجّعه على الانتحار الإرادي الجميل، وتعطيه أحد مسدسات أبيها. وعندما ينصرف تبدأ في حرق المخطوطة حتى آخرها في المدفأة.

ولما يعود زوجها تخبره بأنها حرقت المخطوطة، فيصعقه الخبر ويثور عليها لتدميرها عملاً بالغ الأهمية، لكنها تبرر فعلها بأنها قامت بذلك للحفاظ على مستقبلهما، وإزالة خطر تهديد “إيلرت” له في وظيفة الجامعة التي يحلم بها؛ مع أننا نعرف أن “إيلرت” كان قد أخبرها بأنه قرر ألا ينافس “يورجين” على تلك الوظيفة. فتهدأ ثورته وتتحول إلى امتنان واضح لأنها تحبه إلى هذا الحد، وهو الأمر الذي يثير تقززها، لأننا نعرف من حوار سابق لها مع القاضي “براك” الذي يطمح في أن يكون له مكان حميم في حياتها الجديدة، أنها لم تحبه قط، وتعاني من السأم، كما أن اهتماماته الأكاديمية تصيبها بالملل، وأنها قبلته زوجًا على مضض. عند ذلك يجيء نبأ موت “إيلرت”، فيثير كلاً من “تيا” و”يورجين” لبعث المخطوطة المفقودة، فيقررا العمل معًا على إعادة كتابتها من الأوراق والمسودات التي احتفظت بها، ويشرعا في التخطيط لهذا العمل معًا. وعندما يصل “براك” يخبر “هيدا” بأن “إيلرت” مات، لا في فعل انتحار إرادي جميل مثلما تخيلت، وإنما في ماخور وأثناء مشاجرة انفجر فيها المسدس خطأ وهو في جيبه. كما يخبرها بأنه يعرف مصدر المسدس، وأنه لو صرح بما يعرف فسوف يتحول الأمر إلى فضيحة تلوك سمعتها فيها الألسنة، وأنها أصبحت الآن في قبضته، يفعل بها ما يشاء من دون أن تستطيع له مقاومة. عندها تدرك “هيدا” أنها وقعت في شراك “براك”، الذي كانت تقاومه وتتلاعب به كما سبق لها أن تلاعبت بالآخرين، وأنها أصبحت الآن ألعوبة في قبضته، فيفزعها الأمر، وتتراجع إلى غرفتها وتطلق النار على نفسها.

هذه هي تفاصيل المسرحية التي يعتقد بعض النقاد أن سيجموند فرويد قد استلهم منها توصيفه الشهير للمرأة العصابية، في كتابه (أمراض الحياة اليومية النفسية) بعد أكثر من عشر سنوات من عرضها على المسرح. فهي بحق مسرحية غنية بالتأويلات، تستثير من يتعرض لها للتعرف على حقيقة دوافع “هيدا” الداخلية لما تقوم به، وعلى سر قدرتها في التأثير على من يحيطون بها في آن. فكيف كان تأويل إيفو فان هوفا الجديد لها؟ هذا هو ما يهمنا في هذه المقالة. لأن منهج هذا المخرج الموهوب هو ما يشد الانتباه ببساطته واقتصاد مفرداته وتركيزه، بقدر ما تجذب مسرحية إبسن الاهتمام بتعقيدات بطلتها وانفتاحها على أكثر من تأويل. لأن الستارة تنفتح فيه على مسرح شبه فارغ تقريبًا، مساحة كبيرة خالية، حسب تعبير بيتر بروك، يسيطر عليها كلية اللون الأبيض، ويغمرها ضوء النهار الساطع. (ستنتهي المسرحية بسيطرة الظلمة في مشهدها الأخير، وكأننا بإزاء دورة زمنية كاملة). صحيح أن فيها أثاثًا قليلاً وبيانو (سنكتشف أنه تمت تعريته، والكشف عما وراء واجهته الصقيلة عادة من أوتار) وعددًا كبيرًا من أصص الزرع وباقات الورود أمام الباب المفتوح على الضوء، إلا أن تجريد المشهد من كل شيء أو لون، وحوائطه العارية، إلا من تجويف (طاقة) فيها مسدسان، هو أهم ما يشد الانتباه.

وقد ذكرتني المسدسات المعلقة في واجهة المشهد بمقولة تشيخوف الشهيرة: إذا علقت بندقية على حائط المشهد الأول، ولم تنطلق قبل إسدال ستار المشهد الأخير، فلا بد من إزالتها. أي أهمية أن يكون كل شيء في المشهد المسرحي موظفًا، بل حتميًا. وهو الأمر الذي يكشف عنه تصميم هذا العرض المحكم. والواقع أن في حضور تلك المسدسات نوعًا من التأكيد على أن المسرحية كلها تدور في حضرة الموت الرازح، الذي ستذكرنا به الجملة الأولى فيها عن “هيدا” كابنة لجنرال ميت؛ لكن حضوره (أو بالأحرى حضور مسدساته) يتحكم في كل شيء منذ موته. بل إن إبسن نفسه أشار إلى أن اختياره لاسم المسرحية الذي احتفظ لبطلته فيه باسمها قبل الزواج يشير إلى أن “هيدا” ابنة أبيها، أكثر من كونها زوجة، لذلك فإنها لا تحمل اسم زوجها “هيدا تيزمان” كما تنص القواعد الغربية. لكن أهم ما يكشف عنه هذا المشهد بجماليات تقتيره البيضاء هو قدرته على فصل المسرحية عن أي مكان معين أو بيئة محددة، وجعل أحداثها تدور في أي مكان، وربما في أي زمان بالرغم من الملابس العصرية.

في هذا المشهد العاري، نجد “هيدا” مكومة على البيانو. وبدلاً من الملابس التاريخية، ملابس القرن التاسع عشر، التي تبدو فيها “هيدا” عادة وكأنها مدرعة وراء طبقات من المشدّات التي يمكن أن تحميها، أو تعبر عن قوتها وفق التأويل الإخراجي، نجدها في رداء أقرب إلى قميص النوم، وكأنها شبه عارية، أو في قميص داخلي، وإن كان يقوم أيضًا بدور فستان السهرة، في مشهد آخر. كما أنها تقوم بدورها بطريقة تعري لنا أيضا تذبذبها بين الترفع على ما حولها، بل اشمئزازها منه، وبين الحماس أو الاندفاع الأعمى للتدمير، كحماس الانتحاريين. هكذا يقدم العرض من البداية مفاتيح تلقيه، تعرية كل ما يدور في المسرحية، والتركيز على مدى قدرتها على إثارة الحوار العقلي مع ما يعيشه المشاهد الذي يعرضها المخرج عليه. حيث نجد أمامنا “هيدا” جديدة نسبيًا، ليست ضحية لتحولات المجتمع الذي لم يعد لابنة جنرال ميت مكانًا مرموقًا فيه، ولا لكونها امرأة غير قادرة على التأثير على الرجل وتغييره كلية كما فعلت “تيا”، التي كانت “هيدا” تسيطر عليها في المدرسة، ولكن لشعورها بالغربة بين أكاديميين ممتلئين ثقة في قيمة ما يفعلونه ويكتبونه. فـ “هيدا” غير قادرة على التخلص من زمن كانت فيه محط انتباه الجميع، والتأقلم مع وضع جديد انصرف فيه عنها الجميع، ويتوقعون منها القيام فيه بدور جديد، بل محدود. فهي تعرف حقيقة ما يدور حولها، وقيمة ما فعله عاشقها السابق، بعدما دمرت حياته ولكن “تيا” أنقذتها من جديد فأشعلت غيرتها؛ بل وقيمة ما يقوم به زوجها من أبحاث للحصول على الوظيفة الجامعية المرتجاة، لكنها غير قادرة على التأقلم مع وضع يهمشها، بل يحيلها في النهاية إلى فريسة في شبكة القاضي “براك”. لذلك فإنها ترفض ذلك كله، وتوظف طاقتها في تدميره وتدمير ذاتها معًا.

وهكذا تكشف لنا “هيدا” من خلال هذا التأويل الإخراجي الجديد عن سر نزعة التدمير الذاتية وآليات حراكها المعقدة، والتي يبدو أنها تتفشى في جل أنحاء عالمنا المعاصر: من العالم العربي الذي يستشري فيه تدمير الذات، والإجهاز على أي أمل في التطور وبشكل وحشي، وحتى العالم الغربي الذي صوتت فيه أغلبية الشعب الانجليزي المهمش، وقد فقد الثقة في المؤسسة السياسية، ضد البقاء في الاتحاد الأوروبي، مع وعي الكثيرين في مستوى من المستويات، بأن هذا ليس في مصلحته، وأن من المستحيل إعادة عقارب الساعة للوراء، حينما كانت للكثير منهم أوضاع فقدوها، أو أن فيه نوعًا من تدمير الذات. ويمكن بنفس منطق نزعة تدمير الذات المراوغة تلك فهم ما جرى في الولايات المتحدة الأميركية، وانتخاب دونالد ترامب الرافض للمؤسسة المهيمنة كلية هو الآخر. والواقع أن كل تلك الظواهر التدميرية، سواء منها ما يدور في الشرق أو الغرب قد اعتمدت أيضًا، كما هو الحال في المسرحية، على الاستخفاف بالأكاديميين وآرائهم، وتسخيف تنبؤاتهم وتحذيراتهم، وعلى الرفض الكامل لمنطق العقل الذرائعي الذي ساد في الغرب خاصة.

—————————————————–

المصدر : مجلة الفنون المسرحية – الضفة الثالثة 

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.