رؤى خالد الصاوي: المسرح حالة تجريب متواصلة

 

 

القاهرة: عيد عبد الحليم

خالد الصاوي ممثل ومخرج صاحب تجربة مميزة في المسرح، كانت خشبة المسرح بداية انطلاقته لعالم النجومية في السينما والدراما التلفزيونية، حيث عمل لأكثر من عشرين عاماً وأسس واحدة من أهم الفرق المسرحية المستقلة وهي «فرقة الحركة» التي قدمت مجموعة من العروض التي لاقت انتباه النقاد ومنها «حفلة للمجانين، والميلاد، واللعب في الدماغ» وكان الصاوي بطلاً ومؤلفاً ومخرجاً لكل عروضها.
*عملت في المسرح لأكثر من عشرين عاماً كيف ترى تجربتك في هذا المجال؟
– المسرح هو حياتي، وهو الذي شكل تجربتي الفنية وعرّف الجمهور بي، فمنذ منتصف ثمانينات القرن الماضي بدأت العمل على خشبة المسرح مؤلفاً وممثلاً ومخرجاً، ودائماً ما كنت أرى أن العمل المسرحي محاولة لتحريك الواقع والخروج من دائرة الثبات إلى دائرة التحفز والمواجهة، وكنت من ضمن جيل أسس لحركة المسرح المستقل مع عدد من المهتمين بالمسرح المصري والعربي، وقد أسست فرقة مسرحية خاصة بي، اسمها «فرقة الحركة» المسرحية عام 1989، وقدمت من خلالها عدة عروض منها مسرحية «المزاد» ثم مسرحية «الدبلة» عام 1990 و«حفلة المجانين» عام 1992، ثم «مسرحية الميلاد» عام 1995، ومسرحية «اللعب في الدماغ» عام 2004، وقد قمت ببطولة هذه العروض بالإضافة إلى كوني مؤلفها ومخرجها أيضاً.

*اعتمدت في تجربتك المسرحية على عناصر التجريب الفني من خلال استخدام تقنيات جديدة تجعل الجمهور قريباً من العملية المسرحية ماذا عنها؟
– المسرح تجريب متواصل، وأنا وأبناء جيلي اعتمدنا على ذلك كثيراً، فالتجريب قفزة محسوبة في عالم الحداثة لإنتاج أشكال مختلفة من الفن، خاصة في ظل التطور التقني المذهل، ولذلك حاولنا صنع حالة مسرحية تختلف جذرياً عما قدمه جيل الستينات والسبعينات في المسرح العربي، فهذان الجيلان تحديداً قدّما نماذج فريدة في تاريخ المسرح، وهنا كان التحدي الأكبر لنا، لكننا استطعنا بقدر الإمكان صنع حالة جديدة، من خلال مسرح مختلف يمكن أن نسميه «مسرح المخرجين»، وقد وضعنا في اعتبارنا أن المسرح يقتضي تهيئة الأذهان للمتعة الجماعية ما بين خشبة المسرح والجمهور، لقد تراكمت لدينا مفردات وأساليب وأماكن وأحاسيس وأفكار وخبرات في الممارسة المسرحية، تناسلت وتوالدت عبر كل مسرحية وأخرى لا تتكرر ولا تتشابه.
لقد حاولنا أن ندخل عناصر من «الفرجة الشعبية» وهذه مغامرة تحسب لأبناء هذا الجيل، حيث لم نقدم التراث بشكل حرفي أو آلي، بل استفدنا من كل تقنياته، داعمين ذلك برؤيتنا للواقع الذي نعيش فيه والتي تتشكل من الدلالات السياسية والثقافية والاجتماعية، وقد قمنا بتطوير سينوجرافيا العرض المسرحي وأسلوب الأداء الصوتي، الذي لا يعتمد على الصياح أو الصراخ، وإنما ذلك الذي يصل من خلال الهمس والخفوت واحترام لحظات الصمت، وذلك من خلال الخروج عن الشكل المألوف للمسرح أو ما يسمى «مسرح العلبة الإيطالية» ذلك المسرح التقليدي في الشكل والمحتوي.
*تنوعت المسارات المسرحية التي قمت بها فقدمت ما يمكن أن يسمى «مسرح المواجهة».. إلى أيّ مدى استطعت أن تقدم ذلك من خلال مسرحياتك؟
– حاولت أن أقدم عروضاً هادفة بتقديم رؤية خاصة للواقع، فبنظرة سريعة للعروض التي قدمتها كممثل أو كمخرج حاولت تقديم رؤية مغايرة تتسم بالجسارة والاقتحام فنرى أن مسرحية «حفلة للمجانين» جاءت لتطرح مراجعة لثورة 23 يوليو 1952 ومناقشة دورها بلغة مسرحية جادة، بها قدر كبير من التوازن ومغلفة بلغة المفارقة، أما في عرض «الدبلة»، فقد قمت بمحاكمة الخطاب الثقافي الآنيّ الذي وقع في فخ الشعور بالاضطهاد نتيجة هيمنة القيم الرأسمالية، وتناسى الخطاب الثقافي والمثقفين مهمتهم في إعداد كوادر تكون قادرة على خلق رؤية جديدة تتحلى بالتصدي والمواجهة والخروج من أسر الإحساس بالقهر والتخلف، أما مسرحية «الميلاد» فناقشت فكرة «القهر» المتكررة والضاغطة على الإنسان البسيط.
*شاركت في ورش مسرحية كثيرة إلى أي مدى أثرت هذا المشاركات في رؤيتك للمسرح؟
– استفدت كثيراً من التجارب المباشرة التي كان لي الحظ في الاشتراك فيها مع مخرجين عرب وأجانب فقد عملت مع اثنين من المخرجين أحدهما فرنسي والأخرى مخرجة سويدية، ودخلت أيضاً عدداً كبيراً من الورش المسرحية والفنية، ما ساعدني على الاطّلاع على أهم التجارب الفنية سواء في المسرح أو في السينما على مدار أكثر من عشرين عاماً وقد ساهم «مسرح الهناجر» حين كانت ترأسه الناقدة د. هدى وصفي في توفير عدد هائل من الورش المسرحية التي شارك فيها عدد مميز من كبار مخرجي ومؤلفي المسرح في العالم العربي ومن العالم أيضاً.
*البعض يصف العروض التي قدمتها أنت وأبناء جيلك بأنها تخص النخبة المثقفة بعيداً عن الخطاب الشعبي كيف ترد على هذه الآراء؟
– هذا الكلام لا ينطبق على ما قدمته من عروض من خلال فرقة الحركة المسرحية التي تعد أعمالاً شعبية بامتياز، راعت الانفتاح على أكبر عدد ممكن من الجمهور العادي ولاقت نجاحاً كبيراً فقد عرضت مسرحية «الميلاد» أمام الجمهور العادي، وكان المسرح كامل العدد طوال فترة عرض مسرحية «اللعب في الدماغ» على خشبة مسرح الهناجر، وقد حولت بعض العروض المسرحية إلى أفلام مثل «الحب مسرحية من 3 فصول» والذي شاهده قطاع كبير من الجمهور أثناء عرضه بالتلفزيون المصري.
المسرح الذي قدمته يخاطب الإنسان البسيط، بشكل أساسي وهو الإنسان الذي يكدح ويعاني رغم أنه شريك أساسي في صناعة الحياة بكل ما فيها من منجزات وقد أخذت على نفسي أنا وفريق العمل معي لسنوات طويلة أن نناصر المهمشين.
*ما رؤيتك لمستقبل المسرح العربي؟
– المسرح العربي هو مسرح متنوع ومتعدد الروافد وهذا التعدد يمنحه ميزة كبرى تجعله مختلفاً عن المسارح الأخرى في العالم، لكن عليه لو أراد صانعوه الانطلاق إلى الأمام أن يحافظوا على هويته وعلى خصوصيته، مع الأخذ في الاعتبار الاستفادة من التطورات الجديدة التي تشهدها الحركة المسرحية في العالم، وعلى المؤسسات الثقافية في العالم العربي أن تتولى المسرح اهتماماً أكبر، وبزيادة عدد الدارسين له خاصة إرسال البعثات لدراسة القواعد الدرامية في أهم المعاهد المتخصصة في العالم، فالحركة المسرحية العربية التي ازدهرت في ستينات القرن الماضي لم تقم إلاّ على وجود مخرجين درسوا المسرح في إيطاليا وإنجلترا وروسيا مثل كرم مطاوع ونجيب سرور وسعد أردش وغيرهم. وأعتقد أننا كعرب عندنا ما نبني عليه من تراث مسرحي عريق بشرط الاستفادة من كل ما هو جديد، وصلت إليه تقنيات العمل المسرحي في العالم.
ثقافة نوعية

السينما والدراما التلفزيونية أثّرا كثيراً على المسرح، خاصة مع تغير ذائقة الجمهور، ومع ذلك يبقى للمسرح سحره الخاص الذي لا يقارن، فالممثل الحقيقي هو الذي بدأ في المسرح وارتبط بالخشبة المسرحية، خذ مثالاً على ذلك تجربة الفنان الكبير يحيى الفخراني الذي بدأ بالعمل في المسرح ثم اتجه للتلفزيون والسينما لكنه عاد مرة أخرى لبيته الأول، وعروضه تحقق نجاحات غير مسبوقة على خشبة المسرح القومي، وأنا أتمنى العودة مرة أخرى للمسرح فهو بيتي الأول الذي تعلمت منه الكثير والكثير، وما زالت أفضاله عليّ أتذكرها عند نجاح أي عمل فني لي، أنا فنان مسرح في الأساس منه تعلمت فنون الأداء والتمثيل وزودني بخبرات فنية لا محدودة وأمدني بثقافة نوعية أستفيد منها حتى الآن.

 

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح