رؤى بصرية متعددة لسينوغرافيا عرض “الخرتيتRhinoceros” ليونسكو

    آمن يوجين يونيسكو [1]Eugène Ionesco, وزملاؤه من كتاب مسرح العبث، ومنهم صموئيل بيكيت، وفرناندو ارابال، وآدمون، وغيرهم، بأن الذين وقفوا مع هذا العالم بشكل جاد لم ينجحوا كثيرا ، كما رأى أن التعامل الأمثل معه بالسخرية، والعبث. فالعالم فى وجهه نظر يونيسكو لا يمكن أن نأخذه بشكل جدي. فهو يوشك فرط ما به من سخف أن يثير الضحك والسخرية ، لذا اعتمدت نصوص يونسكو بشكل عام علي المفارقة اللغوية التي تتم عبرها تعرية الواقع في محاولة لجر المتلقي الي عملية مواجهة مباشرة مع القيم الفاسدة والمستهلكة التي أخذت تحاصره وتفرض عليه أنماطا خاصة من السلوك والتفاعل.و تنتمي نصوص يونسكو في عوالمها وتصوراتها الي عالم وتيار( اللامعقول), ولكنها في معالجاتها وأطروحاتها تنتقي نماذج متنوعة من هموم وتداعيات الإنسان المعاصر بأزماته وغربته الذاتية والاجتماعية.[2]

  ومن عالم اللامعقول وُلدت فكرة مسرحية ” وحيد القرن” أو “الخرتيت” من خلال خطاب تلقاه “يونسكو” من صديق له يعيش فى ألمانيا النازية ، حيث تزاحم  الناس لرؤية هتلر ، فوقع عدد من الحوادث كأصطدام سيارة رجل عجوز بطفل صغير واللذى مات فى الحال ، وسقوط سارية علم شرفة بها أسرة كاملة فماتت الأم والخادمة وكلب صغير …..وغيرها من الحوادث ،وفى نفس الليلة رقص أهل المدينه وشربوا وتشاجروا حتى مات أربعون شخصاً من العربدة . وهذه هى الحوادث التى أدت لولادة مسرحية الخرتيت والتى وقعت أحداثها فى ميونيخ بألمانيا عام 1938 م .[3] فمن هذه الحوادث استوحى يوجين يونسكو قصته القصيرة التى تحولت فيما بعد لمسرحيته “الخرتيت”، وهى مسرحية واقعية استخدم فيها الرمز ، وهى مكونه من ثلاث فصول مبنية على بداية ووسط ونهاية .

     و تجري احداث هذه الكوميديا المرعبة والتى كتبها يونسكو عام  1959م  في مدينة فرنسية صغيرة مغمورة هي في طريقها إلي الجنون, يشهد سكانها عددا من الخراتيت تتجول في شوارع مدينتهم, تعطي انطباعا بأنها هاربة من حديقة حيوانات, لكن الحقيقة التي سنتعرف عليها لاحقا, أن سكان هذه المدينة أنفسهم كان قد نمت علي جباههم فجأة قرون طويلة, وتصلبت جلودهم واستحالت سحنة بشرتهم إلي لون أخضر داكن, ومسخوا جميعا, في الآخر, إلي قطيع من الخراتيت, صار يعبث في شوارع المدينة وبيوتها محيلا إياها إلي دمار.لكن, من بين جميع سكنة هذه المدينة, يصمد شخص واحد فقط اسمه بيرانجية, يبقي محتفظا بآدميته, لأنه لم يكن قادرا علي أن يتحول إلي خرتيت, ولأنه يرفض, في نفس الوقت, الانصياع لمذهب الامتثال للتقاليد وتبلـد المشاعر.[4]

       يبدأ العرض بموقف غير واقعى إلى حد الاستحالة ،وفيه يدور حوار بين (جان)و(بيرانجيه) ويبدو من الحوار أن (جان) غير راضى عن (بيرتنجيه) وأثناء الحوار تُسمع ضجة يُحدثها خرتيت ضخم مندفع للمكان قاتلاً قطة فى طريقه ، ويصاب الناس بالفزع وتدور أحاديثهم حوله دون أى رد فعل مضاد ، وعلى الرغم من استحالة الموقف إلا أن المؤلف يستمر فى تنسيقه وتطويره بما يزيد من استحالته ، وفى الجانب الأخر تجلس فتاه تبكى قطتها التى داسها الخرتيت فماتت ويشاركها أهل المدينه البكاء وتقام جنازة مهيبة للقطة وتدفن، ويستكمل (جان) و(بيرانجيه) حديثهما حتى يثور (بيرانجيه) ويعود لكأسه وينصرف (جان) غاضباً ، والبدايه عنيفة تصيب المشاهد بالصدمة المفاجئة وتتوالى الأحداث وذلك من داخل المكتب حيث يعمل (بيرانجيه) –الشخصية الرئيسية- ومعه عدد من الزملاء ، ونعرف من حديثهم أن خرتيتاً حطم سلالم المبنى ، ونكتشف كونه زوج لإحدى الموظفات بالمكاتب وتُدعى (السيدة بويف).

    ويتحول المشهد لحجرة (جان) وهو يشكو الحمى ويتحول شيئاً فشيئاً لخرتيت ويحاول صديقه (بيرانجيه) الهرب إلا أنه يكتشف أ، الخرتيت فى كل مكان ، ويستبد الفزع بـبيرانجيه وتتركه (ديزى )حبيبته وتعلن إنضمامها للخراتيت ، ويبقى (بيرانجيه) – رمز الإنسان فى مواجهه التدهور الإنسانى معلناً مقاومته لكل الخراتيت.[5]

    اعتبر الكاتب الروماني الأصل الفرنسي اللغة “يوجين يونسكو” مبدعًا عندما كتب مسرحيته “الخرتيت ” عن مجتمع من  فاقدي الحس والذوق والعقل والشعور، تتحول فيه خِلَقُ البشر إلى ملامح خرتيتية.[6]

وتحرر فيها يونسكو من كل القيود فى تتابع الأحداث ، وقام بشحن العواطف المختلفة تجاه (بيرانجيه) ومن حوله شحناً مطرداً ليصل لنقطة الذروة وهى تحول كل من حوله إلى خراتيت – رمز كل ماهو فاسد- وفى النهاية التى يمكن أن تعتبر الحل وهو اتخاذ (بيرانجيه) القرار بمواجهه الخراتيت . وتمتاز الشخصيات بتطورها من خلال أفعال وقرارات تتخذها ، والإيقاع المسرحى يمتاز بالتدرج من البطء المنتظم ويزداد فى النمو حتى يصل لإيقاع جنونى.[7]

      يشير “يوجين اونسكو”  فى مسرحيته “الختيت” إلى النازية دون أن يذكرها بالإسم. وهو يرمز ليس فقط للنازية إنما إلى أية فكرة طارئة فاشية أو دكتاتورية أو أية حركة تسير بعكس اتجاه حركة الواقع والتي لن يوقفها عن النخر في المجتمع سوى الوعي . وقد استخدم يونسكو الخرتيت كمجاز شعري للوحشية المتأصلة في الكائن البشري, وأيضا بمثابة استعارة للتعبير عن لامعني الكون, إن الخرتيت يمثل معا, طغيان الاستبداد وبربريته, ولامعقولية الواقع الذي يستطيع أن ينتج مثل هذه المسوخ  .وقد وصف يونسكو مسرحيته هذه بأنها مسرحية مضادة للنازية, وقد قيل إنها تجسد مشاعره قبيل مغادرته رومانيا عام1938, حين أعلن الكثير من معارفه من المثقفين عن ولائهم واستسلامهم للحركة الفاشية والنازية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية, إلا أن السبب الذي دفعه حقا لكتابتها, هو ببساطة, ليس نقداً مباشرا لرعب النازي, بقدر ما هو الكشف عن ذهنية أولئك الذين استسلموا لذلك النازي واستجابوا لأفكاره وقيمه, لذا فإن وباء الخرتتة إذا جاز لنا أن نستخدم هذا التعبير, يستغل هنا كنوع من الترميز المناسب للتعبير عن تلك الجمهرة التي أنتجها ظهور النازية والفاشية علي حد سواء.[8]

     ففى عرض “الخرتيت” للمخرجة آمى شامبرج Amy Shamburg ،واللذى أقيم عام 1999 م  ويميل للعبثية ، يبدو المكتب وقد عُلقت كراسيه ومكاتبه فى وضع غير طبيعى . ولقد تأثرت المخرجة بعبثية النص ولا معقوليته ، وعبرت عنها بهذا المشهد العجيب اللذى انقلبت فيه المعايير تماماً كإنقلاب المكاتب ، وشكلت هذه الكتل المعلقة والمائله فيما بينها العديد من المستويات المتقاطعة فى تكوينات أقرب للتكعيبية تتصارع وتتلاحم وكأن الهدف هو تحليل الكتل المختلفة وإعاده النظر لها من جديد بتجميعها مرة أخرى بشكل جديد فى المنظر المسرحى .أما الإضاءة فتتراوح بين الأبيض وتدريجات الرمادى الشاحب .

  كما نلحظ اختلاف طرز المقاعد والمناضد دلاله على محاولة المخرجة كسر مفهوم المكان والزمان ، فما يحدث فى العرض يحدث فى كل زمان ومكان . أما المشهد الثانى نلاحظ أن المخرجة حولت المكاتب إلى سرير فى مشهد حجرة (بيرانجيه) ، والأزياء عبارة عن خليط من الطرز المختلفة لتأكيد عالمية المعاناة التى يلاقيها الإنسان – (بيرانجيه) فى العرض- أمام الفساد بكل صوره وأشكاله.

     أما المخرج “إيمانويل ديمارسى  Emmanuel Demarcy ” فقدم فى عام 2004 معالجة للعرض ، وأقام فيها  جسر فى حاله الإنهيار يعلوه مكتب ، وانهيار الجسر بسبب ما أحدثه الخرتيت من دمار للمكتب- رمز للعالم المتحضر – ودلاله على انهيار القيم من وجهه نظر مخرج العرض . وتزاحم الممثلون للهرب فى حاله من الفوضى وعدم الإتزان ومحاوله منهم فى مقاومة الإنهيار بصعوبة . والمنظر فى مجمله أقرب للإتجاه البنائى اللذى يركز على التركيبات المعقدة والكتل الموحية بالصدام والتصارع ، كما استخدم الإضاءة المركزة والشاحبة والتى تزيد من التوتر فى المشهد مع إظلام خشبة المسرح بحيث لا تظهر الحدود بين الخلفية والمنظر دلاله على اللامكان ، كما ألغى الإحساس بالزمن للتأكيد على عالمية الحدث فى أى زمان وأى مكان ، مؤكداً على ذلك الإحساس بالإزياء المتنوعة وغير محددة الطرز.

     أما المخرج “تيرى دونوفن سميث Terry Donovan Smith” فبدأ فى معالجته البصرية للعرض بظهور مقهى فى المشهد الأول ْ يدور فيه الحوار بين (جان ) و(بيرانجيه) وعدد من الشخصيات مثل المتفلسف بأقوال جوفاء (المنطقى) بالإضافة لرجل أنيق ، ثم نجد فتاه تبكى على مقتل قطتها بسبب الخرتيت. ولم يحدد المخرج زمان أو مكان للعرض وهو مايعد أحد سمات الإتجاه العبثى ، وإنما أحدث تغيراً بسيط فى إضاءه السيكلوراما دلاله على تغير الحدث دون تحديد زمنه ، أما المبانى فى الخلفية فقد ابتعدت عن تحديد طراز خاص بها لنفس السبب ، والإضاءة تتدرج فى خلفية المشهد باللون البرتقالى دلالة على  بدايه حدوث توتر وقلق من ذلك الخرتيت المجهول اللذى يقتل ويدمر ماحوله ، ولقد إلتزم المخرج إلى حد ما بطرز الأزياء الأوروبية الخاصة بمنتصف القرن العشرين .

     بالمشهد الثانى يظهر (بيرانجيه) فى حجرة المكتب مع زملاءه ثم نرى الموظفون عند اندفاعهم لرؤية الخرتيت من خلال بئر السلم (الفتحة بإرضية المسرح) اللذى أثار رعب زميلتهم السيدة”بويف” ودمر سلالم المبنى ، وفى المنظر التالى تتعرف السيدة بويف عليه بإعتباره زوجها اللذى تحول لخرتيت وتُلقى بنفسها إليه. والتصميم رمزى بسيط حيث ثُبت المكتب فى منتصف المشهد على إرتفاع عالِ –رمزاً لتحكم رئيس العمل (بابيون) فى موظفيه – واستخدم الإضاءه الزرقاء بكثافة تخيم على المشهد لتعطى الإحساس بقرب وقوع الكارثة . والإضاءة تُحدث تقاطعات ومستويات متداخلة من الأشكال والخيالات لإعطاء الاحساس بالتوتر والقلق من هجوم الخرتيت على المكتب. وتسرح الشخصيات المساعدة الموجودة فى المشهد فى الظلال فيما يمثل تأثراً بتقنيات الإتجاه التعبيرى.

      المشهد الثالث عبارة عن حجرة نوم (جان) واللذى يعانى فيه من الحمى ويبدأ فى التحول للخرتيت أثناء سماع الأصوات والحركات الغير إنسانية – تقنيه تعبيرية الإتجاه- وإلى جواره صديقه (بيرانجيه) ورغم واقعية المكان إلا أنه تخيم على المكان إضاءة برتقاليه لتوحى بالتغير والتحول الحادث فى شخصية (جان). وبالمشهد الاخير يتحدث (بيرانجيه) فى مونولوج داخلى ليخبرنا بكونه سيتصدى للخراتيت ، ويميل المشهد للاتجاه للاتجاه التعبيرى ، كما أظهر التصميم والإضاءة الصراع الباطنى فى نفس(بيرانجيه) –رمز الانسان السوى. والتصميم عبارة عن منظور من الحوائط المائلة والمسددة بقوة لأعلى ولداخل المشهد فى جوانبه للدلالة على احاطة الفساد والضغوط بالإنسان ،. وتتداخل الخلفية مع الحجرة  بدون حدود فاصة، ورُكزت الإضاءة على البطل دون إظلام لمنصة المسرح ، وتدرجت الإضاءة من مساحة لإخرى تعبيراً عن تنوع البشر وتدرجهم فى القرب أو البعد عن الفساد.

[1] –   يوجين يونسكو (1909 –  1994 ) ولد يونسكو في رومانيا لأب روماني وأم فرنسية وتنقل بحياته بين رومانيا وفرنساوهو مؤلف مسرحي روماني-فرنسي يعد من أبرز مسرحيي مسرح اللامعقول، بالإضافة إلى السخرية من عبثية أوضاع الحياة فإن مسرحيات يونسكو تصف وحدة الإنسان وانعدام الغاية في الوجود الإنساني ,   ومن اهم اعماله المغنية الصلعاء والخرتيت وماكبث وغيرها من الاعمال المسرحية.


المصدر : مجلة الفنون المسرحية –  د. راندا طه

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.