أخبار عاجلة

د.إبراهيم عبد الله غلوم .. منطلق صهيل النقد في مضمار حراكنا المسرحي يوسف الحمدان

 

 

 

د.إبراهيم عبد الله غلوم .. منطلق صهيل النقد في مضمار حراكنا المسرحي

يوسف الحمدان

في وقت كان النتاج الأدبي والمسرحي في مملكة البحرين يتكيء في أغلبه على الكتابات الانطباعية والصحفية التي لا تؤسس لمشروعات ورؤى فكرية وثقافية من شأنها أن تقرأ هذا النتاج بعدّة وذخيرة المحلل والمفكك والمستقصي الواعي لتصديه له وإثارة الأسئلة العميقة الشائكة في تلابيب إنتاجه وإبداعه ، يأتي الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم أنعم الله عليه بالصحة والعافية وطول العمر ، يأتي في سبعينيات القرن الماضي ليؤسس لوعي جديد مشاكس وخلاق في حقل النقد الأدبي والمسرحي ، منطلقا من ضرورة التصدي للتجربة بأدوات نقدية باحثة مغايرة ومختلفة عن تلك التي سادت فضاء التلقي لمنتج هذا الحقل لفترة ليست بقليلة إبان ستينيات وسبعينيات القرن الماضي .

لقد وجد هذا الحصان في هذا المضمار المهمل شغفه اللامحدود للانطلاق فيه بحرية ملؤها الوعي والإدراك بكل الأحصنة التي ظلت وحيدة ولم تتوفر على من يحسن فهم جودتها ومغايرتها وأسباب استئثارها لهذا المضمار دون غيره ، إذ مع هذا الحصان الجامح الناقد الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم أصبح في حينها للنقد مكانة ودور وحضور وأفق في مضمارنا الأدبي والمسرحي بمملكة البحرين ، فلم يعد معه النقد تلك الكتابات التي اتكأت على شرح المضمونات أو التي آثرت الأيديولوجيا على أفق التحليل والأسئلة القارئة أو الخاوية من الروح الجمالية والمخيلة الخلاقة ، معه النقد تحول إلى منهج وقراءة ورؤية وأفق ، معه تغيرت وجهات ومسارات النتاجات الأدبية والمسرحية ، وكان تأثيره ممتدا حتى سفوح وأفضية إبداعية أخرى في خليجنا العربي ، بدءا من إصداره ( القصة القصيرة في الخليج العربية – دراسة تحليلية (1981) ، وامتدادا حتى ( المسرح و التغير الاجتماعي في الخليج العربي ) و ( الثقافة وإشكالية التواصل الثقافي في مجتمعات الخليج العربي (1991) و ( تكوين الممثل المسرحي ـ1990) و (  دراسة و توثيق لبدايات النقد الأدبي في الخليج العربي ) و (منارات كويتية – فهد الدويري- بالاشتراك مع خالد سعود الزيد، المجلس الوطني للعلوم و الفنون و الآداب، الكويت ـ 2003 ) .

فهذا الحصان الجامح الرائي لم يترك مضمار حقله النقدي بأسرة الأدباء والكتاب البحرينية التي انتمى إليها بمعزل عن جهده الباحث في التجارب الإبداعية التي كان يقدمها أقرانه وزملاؤه وأصدقاؤه من الأدباء والكتاب ، بل كان أول المتصدين لها برؤيته النقدية وأول القارئين بدقة لنسيجها الفني ولممكنات تطورها ومديات تعالقاتها مع المعطيات الأدبية الرفيعة ، إلى جانب وقوفه على إشكاليات تأرجحها بين كونها أدبا وبين كونها خلاف ذلك ، وكان جريئا مواجها ودون هوادة في كل ما يذهب إليه في تحليله للنتاج الذي يتصدى له .

وحين شغل مناصب أكاديمية عليا بجامعة البحرين ، في كلية الآداب تحديدا ، تمكن من أن يشكل لطلبته رؤى نقدية أدبية باحثة جديدة افسحت المجال أمامهم لقراءة جديدة في النقد أسهمت في تشكيل رؤى مغايرة ومشاكسة لرؤيته النقدية لدى بعضهم ، الأمر الذي أوجد معه مساحة لجدل خلاق في اتجاهات النقد كان وراء تشظيتها الدكتور غلوم نفسه .

ولكن هذا الجهد لم يقف أو يتبيأ في حقول النقد الأدبي فحسب ، إنما وجد متنفسه الحقيقي والفاعل أيضا في حقول النقد المسرحي ، خاصة وأنه أحد أهم الأعضاء الفاعلين في مسرح أوال منذ انطلقت فعالياته المسرحية في أوائل السبعينيات ، إذ راح يشاخص ويحلل التجارب المسرحية الحديثة في حينها ، وكان أحد أهم أنداد التجارب المسرحية التي لا تلتئم ورؤيته النقدية في المسرح ، وبسبب هذه الصرامة النقدية لديه ، اشتعلت صراعات ومعارك مسرحية بينه وبين من كان له في تجاربهم المسرحية آراء يصعب بالنسبة إليهم تقبلها واعتبارها لدى بعضهم انحيازا لفكر أيديولوجي متطرف .

هو الباحث عن وهج مسرحي جديد يلتئم ورؤيته المحصنة بالمعرفة الواسعة في بحورها المتعددة ، لذا لم يكتف مضماره بحدود جغرافيا الصهيل في بلده ، فوجد ضالة صهيل حصانه الأبعد في مسرح الخليج العربي في الكويت ، حيث المخرج المبدع الراحل صقر الرشود ورفيق درب التجربة المسرحية والثقافية الطويلة والمؤسسة الكاتب المبدع والمنظر لتجارب مسرح الخليج العربي الأستاذ عبدالعزيز السريع ، هناك وعبره تآخت روح التجارب المسرحية الجادة والمؤرقة بهموم وأحلام الوطن بين مسرحي أوال في البحرين والخليج العربي في الكويت ، وهناك توثقت عرى الصداقة والفكر بينه وبين أساتذة ونقاد كبار لهم دور بارز في حمل مشعل الثقافة الجديدة في الخليج العربي ، هذه العرى التي على ضوئها تشكل وهج مسرحي وثقافي جديد في البحرين ، كانت الزاد التبادلي الخلاق بين عروض فرق مسارحنا الأهلية والفرق المسرحية بالكويت .

وفي غمرة الصهيل النقدي والتنظيري في المسرح لدى الدكتور غلوم الذي لفت أنظار كل المسرحيين في البحرين والخليج العربي لقدرته على التأثير والامتداد في أفضية الحراك المسرحي ، خاصة وأن المعنيين بالنقد المسرحي في فضائنا المسرحي البحريني حتى نهاية السبعينيات لم يتوفروا على هذه الحاسة إلا في حيزها الانطباعي والصحفي ، يأتي الفقير لله يوسف الحمدان في أول الثمانينيات من المسرح إلى المسرح ، من المعهد العالي للفنون المسرحية بدولة الكويت إلى المسرح في البحرين ، ليختبر ما تعلمه هناك في مجال النقد المسرحي في العروض المسرحية التي كان يشاهدها وفي مجالسات ومحاضرات وندوات الكبار التي تقام بين عرض وفعالية مسرحية ، ليجد نفسه في حضرة ناقد محلل متمرس كبير هو الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم ، ولكن الحصان الصغير الشقي النزق كان يريد أن يجد له موقعا في مضمار هذه المناقشات وإن كانت آراؤه متواضعة حينها إلى حد ما ، وأذكر أنه كلما اختلف الدكتور مع آرائي ازددت إصرارا على تفنيد ومعارضة أفكاره وآرائه ، حتى اتسع مع الأيام فسح مضماري في حقل النقد المسرحي ، وخاصة بعد مشاركاتي في كثير من المهرجانات المسرحية الخليجية والعربية والدولية ، ولكني أجزم بأن هذا الحصان العنيد ، الدكتور إبراهيم عبدالله غلوم ، كان له فضل كبير علي بسبب معارضته للكثير من قراءاتي المسرحية وخاصة التجريبية ، الأمر الذي يدفعني إلى تحدي ومشاكسة كل ما اتعاطاه وأتزود به في حقول المسرح والنقد والدراسات والبحوث المسرحية .

ويصبح هذا الحصان العنيد بعد انطلاق الفعل المسرحي التجريبي من فرقة الصواري التي يشرفني أن أكون أحد مؤسسيها ، يصبح أكثر الأصدقاء وأقربهم إلينا وإلى الفرقة بمؤسسيها الفاعلين ، من أمثال الصديق عبدالله السعداوي والمخرج إبراهيم خلفان والصديق الفنان الراحل إبراهيم بحر ، وهنا يكون هذا الحصان أمام مرأى من طموحه المغاير لكل ما تحصن به من قراءات نقدية سبقت تجارب الصواري المسرحية الجديدة والمشاكسة والتي أحدثت انقلابا في حراكنا المسرحي نظرا للتجارب التي غايرت كل ما هو سائد في هذا الحراك .

ولكن الرؤى مستمرة في التباين والمغايرة ، حيث الاحتكام بعد هذه التجارب إلى الرؤى والجسد والطاقة المشاكسة للنص الذي غالبا ما كان حصاننا العنيد يتكيء عليه في قراءاته هي الأساس والمرتكز ، لذا نلحظ توجه الدكتور غلوم في قراءاته فيما بعد إلى الممثل وإلى فضاء العرض بجانب التنقيب عن المسرحي في الكائن الأدبي أو الثقافي كما تحقق في كتابه ( عبدالله الزائد وتأسيس الخطاب الأدبي الحديث ) إلى جانب توجهه إلى استنطاق رؤى جديدة في النص الشعري والتاريخي ، ولقد لمست ذلك في قراءاته لهذا الفعل من خلال اهتمامه بالعملية الإخراجية في المسرح ومدى إمكانية تأسيسها عبر المكان وعبر استثاراته الخلقية فيها ، كما نلحظ استقراءه الحركة المسرحية في البحرين من منطلق حفري في آلياتها المعملية ، لا من منطلق رصدي كمي لها .

إنه يذهب في قراءاته الاستثنائية الاستثارية هذه إلى ملامسة عناصر العرض المسرحي وكيفية تخلقه في المكان ، وكما لو أنه يرى تاريخ الحركة المسرحية من بؤر البحث والاستقصاء والاكتشاف ، دالفا نحو مساحة التجريب الخلاقة في التجارب المتاحة أمامه ، وهي بلا شك قراءة اختزالية لمفردات العرض المسرحي والمكان الذي ينشأ فيه ويتشظى .

ولعل الرؤية التي آثر الدكتور غلوم أن ( يتأشكل ) فيها قد أسست لحوار التجربة المعملية في عمقها ، لا في ضفافها كما تذهب إلى ذلك الكثير من الرؤى ، وهو في ( تأشكله ) عبر هذه الرؤية ، يؤكد أن المسرح قرين المسئولية الخلقية وصنو إبداعي ضالع فيها .

إنه يقرأ الفضاء المسرحي من منطلقات أهمية مفرداته وعناصره غير الناجزة المعهودة في المسرح التقليدي ، وهو في ذلك يقف على نماذج أسهمت في تجذيتها عبر رؤية خلاقة ، لا عبر رؤية طارئة عابرة ، إذ أن بعض ( الطارئين ) في المسرح استاؤوا ـ حسب علمي ـ من عدم وقوف الدكتور غلوم عند بعض تجاربهم .

وإذا كان الدكتور غلوم قد وقف مليا عند تجربة مسرح الصواري المعملية وعلاقتها بالمكان ، فذلك لأن المسرح منذ أن تأسس قد سخر جل طاقته ورؤاه لقراءة مسرحية مغايرة ، ولأنها ـ كما أعتقد ـ الأقرب إلى روح ورؤية الدكتور غلوم ، وهذا الذهاب لا يعد خطيئة في رأيي أو تجاهلا منه للآخرين ، بقدر ما يعد إيمانا بالرؤية التي يتوهجها الدكتور غلوم ، ونحن هنا لسنا بصدد تقييم هذه الرؤية من منطلق إجحافي أو عدم إنصاف ، فلكل رأيه ورؤيته ، وللمسرح متسع الرؤى والتوجهات .

إن الجهد الذي يضطلع به الدكتور غلوم ، هو في حد ذاته ورشة مسرحية ينبغي على كثير من المسرحيين والفرق المسرحية الخوض فيها والنهل منها والحوار معها والاختلاف كذلك ، فالسباحة في المياه الضحلة والراكدة لا تخلق ذراعا قوية لمواجهة التيار ، والمسرح هو في أحد تخلقاته ، السباحة ضد التيار ، وضد الضحالة والركود .

ولعل أجمل وأروع ما في استاذنا الناقد الدكتور غلوم ، انه برغم الأعباء الثقافية والأدبية والأكاديمية التي يحملها على عاتقه ويسعى من أجل تذليلها ، ليس له فحسب ، بل لغيره وللمؤسسات الثقافية في البلد وخارجه ، فإنه لا يزال عاشقا متمرسا بالمسرح ، وقادرا على محاورة قناعاته والاختلاف معها والإتيان برؤى حية تستثير الذاكرة والمخيلة والتجربة ، ولو أحصينا عدد المسئوليات الجسام التي يتحملها الدكتور غلوم لعذرناه ، فهو بجانب كونه ناقدا ومؤلفا ورئيسا للجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية الخليجية التي تعطل نشاطها لأسباب خارجة عن الإرادة ، والتي نتمنى أن تنخرط في حراك آخر تحت مسمى آخر يضمن لها استمراريتها ، سواء كانت في البحرين أو في إحدى دول الخليج العربي وأقربها حضنا شارقة الفكر والثقافة في دولة الإمارات العربية المتحدة ، هو إلى جانب ذلك يتولى مهام كثيرة كان له فضل التأسيس لها ، فهو مؤسس لمسارح وجمعيات ثقافية واتحادات محلية وعربية. و شارك في صياغة مشاريع وخطط و استراتيجيات ثقافية خليجية وعربية ، وهو مؤسس و رئيس تحرير مجلة  كلمات التي صدرتها  أسرة الأدباء والكتاب في 1983، ومؤسس و رئيس تحرير مجلة  العلوم الأنسانية – جامعة البحرين ، وهو مؤسس و رئيس تحرير مجلة  ثقافات – جامعة البحرين ، وهو مؤسس و رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة البحرين سابقا ، وهو مؤسس و رئيس قسم الإعلام والسياحة والفنون بجامعة البحرين ، وغيرها من المسئوليات ، فأي عبء سوف يتحمله هذا الحصان في هذا المضمار ؟ .

ولكن أجمل (الخيول) إلى قلبه تلك التي حملت عنوان مسرحيته التي أخرجها الصديق المخرج العراقي المبدع الراحل البروفيسور عوني كرومي في البحرين، وكنت دراموتارج هذا العرض، والفنان عبدالله يوسف سينوغراف هذا المضمار التجريبي الواسع الطويل، وما أشد فرح الحصان وهو يرى خيوله تتجسد روحا وجموحا وشموخا أمام عينيه، فكان الفنانين عبدالله السعداوي وخالد الرويعي في هذا العرض لا يكفان عن الصهيل والتجلي في حومة مضمار العرض حتى خبب ورعيف آخرين تهدأ معهما روح الحصان الدكتور إبراهيم عبد الله غلوم.

ولا يزال ناقدنا الكبير الدكتور إبراهيم عبد الله غلوم يحلم بالحصان الذي تاهت به المضامير وشح صهيله في وطن المسرح عله يأتي أو ….

يوسف الحمدان – البحرين

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح