أخبار عاجلة

دور مسرح الشارع في تنشيط الفضاء العمومي للمدينة د. سافرة ناجي – باحثة مسرحية من العراق

دور مسرح الشارع في تنشيط الفضاء العمومي للمدينة

د. سافرة ناجي – باحثة مسرحية من العراق

 

المقدمة:

        بعد المتغيرات الكبرى التي احدثتها مفاهيم ما بعد الحداثة التي رصدت اشكاليات الانسان المعاصر، ولاسيما عندما يتعالق هذا المتغير مع ما افرز من مفاهيم سياسية غيرت من نظام وعلاقات الانسان بالدولة، وقلبها لمفهوم الهامش والمركز.  وتبنيها لمفهوم الهامش واهميته في النظام الجديد، بوصفه اللاعب الاهم. لأنه هو منْ يحرك المركز لا العكس، كما كان سائد في نظام البرجوازية.  وهذا الانقلاب كان له الانعكاس الواضح على الخطاب المسرحي بوصفه الفضاء الامثل لتعضيد هذه المتغيرات وتفعيلها. وما مسرح الشارع إلا أحد تجليات هذه المفاهيم، اذ هو الاخر انقلاب على مركزية المسرح التقليدي الذي يحكمه نمط معماري وطقس محدد الملامح بين الباث والمستقبل تحدده وتتحكم به سلطة الزمان والمكان.

       والمسرح فعل اتصالي غايته الجمالية خلخلة السائد عبر التفاعل الحي مع المتلقين/ الجمهور. ومما لا يغيب عن الذهن انه طقس له شروطه التي تميزه عن مجاوراته الفنية. ولأنه طقس حياتي/ مدني جوهره ارادة الانسان والبحث في تجلياته. لذلك رسخ المسرح من هذا المفهوم، فديدنه الجديد والمبتكر، وهذا الفعل الابتكاري متاتٍ من نسبية فرضيته الجمالية.

      كما ان المسرح من الطقوس الانسانية التي تبيح للإنسان ان يعلن عن مقولاته بحرية لأنه فضاء للتعبير الحر. وما يتيح له هذه الحرية هو جوهر فرضيته الجمالية التي تقبل الصدق والزيف في آن واحد. وهذه الاحتمالية جعلته في منأى عن تحكم سلطة التقاليد المنطقية، التي تكمم الفكر لصالحها. لذلك نجد السؤال الفلسفي يخضع لهيمنة السلطة، في حين المسرح يتجاوزها وعلى اختلاف دائم معها. لهذا نشأ وبقي الى الأن خطاب انقلاب وتمرد على التقاليد. وما عربة ثيسبيس الا صورة واضحة عن الانقلاب الجمالي على سلطة المعبد/ الطقس الديني، بوصفه المركز الذي يحرك المدينة باتجاهه آنذاك. لذلك عرف الفكر المسرحي بانه فن الاختلاف. ولكن ليس الاختلاف العشوائي بل الاختلاف المنضبط فكريا الذي يفضي الى الجديد المنفلت عن المألوف. فجاء مسرح الشارع تجسيدا لجوهر فلسفة الاختلاف، كونه محاكاة لإشكالية الانسان في حدود دائرة يومياته، وتعبيرا عن حقوقه. فهو تجسيد لتيمة الرفض والاحتجاج لكل ما يمنع ممارسة الانسان لحرياته، وهدر حقوقه. ويمتاز مسرح الشارع بقوة التأثير في المدينة، لأنه يدخل فضائها ليكشف عن عمق ما تضمر من استفهامات واشكاليات انسانية تغطت ببنى معمارية. فالمدينة بالنسبة لمسرح الشارع فاعل ومفعول غير مجرد كما الفلسفة التي تحول سؤالها الاستفهامي من التجريد الى الاحتكاك بشكل مباشر وفاعل في حياة ويوميات المجتمع.  لذلك وجدت الحاجة الى أن يكون الفكر والفن عضوي منصهر في يوميات المجتمع، يتداول اشكالياتها ويعيد استعمالها بوظيفة اخرى لها دالتها المغايرة التي تسلط الضوء وتحرض تجاه ما يحيط به.

   وهذه المسؤولية التي تفرز عن دور واهمية مسرح الشارع في الحياة العامة، وكما يقول (بيتر شومان) عن مسرح الخبز والدمى بان المسرح مهم في حياة المجتمع مثله مثل الخبز. ومن هذه الاهمية يمتلك مسرح الشارع القدرة على تنشيط المدينة، لذلك ارتأينا ان نبحث هذه العلاقة الجدلية بين مسرح الشارع وفضاء المدينة. وسنكشف عن ذلك من خلال قراءة تجليات مسرح الشارع المدنية، ومن ثم وصف لعميلة التواصل المسرحي، وبعد ذلك علاقته بمحددات الفضاء العمومي. 

مسرح الشارع:

        يرتبط الانسان بالشارع لأنه فضاء لتحقق كينونة المدينة وكينونة الانسان في آن واحد.  فهو يمثل الحمولة الثقافية الكلية لأي ثقافة. ناهيك عن انه هوية ثقافية لها دلالاتها التي تعرف به. ولا يمكن ان نفصل الانسان عن الشارع في الحياة المعاصرة، لأنه يجمع بين دالتين دالة معمارية واخرى ثقافية. فضلا عن انه وسيط اتصالي بين الانسان والمدينة. لذلك الكل يعرف ما يعني الشارع في الحياة الحضارية للإنسانية. فالشارع بنية ثقافية مغلقة على ذاتها.

ولان مسرح الشارع يشير من تسميته بانه يلتصق بالفضاء العام للمدينة، لذلك يُعرف بانه شكل من اشكال المسارح المفتوحة، والفرق بين هذين المسرحين: ان مسرح الشارع غير محدد المكان لتقديم العرض في حين المسرح المفتوح محدد من حيث طبيعة المكان والزمان والجمهور، لذلك يقدم صانع العرض رؤيته الجمالية على وفق سمات هذا المسرح.

واهمية هذا المسرح جاءت من الامتيازات التي تتحقق في عروضه لما لها من قدرة على؛ جذب المتفرجين الى دائرتها الجمالية واكثر سهولة في الوصول الى هذه العروض، وينتفي فيها عامل الصعوبة في الوصل الى العرض المسرحي كما يحدث في العروض المقدمة على المسارح التقليدية؛ في حين مسرح الشارع والمسارح المفتوحة تتغاير فيهما تقنية التواصل مكانا وزمنا وموضوعا (1).

          وبما ان الفن المسرحي هو شكل احتفالي تطور عن الاحتفالات بالإله ديونيس يوس. اذ كان المحتفلون يجوبون الشوارع والساحات وبشكل ماجن، واول من تمرد على هذه الطقوس الاحتفالية هو ثيسبيس، الذي انفصل عنها ليقدم احتفالا مسرحيا يحاكي واقع المدينة، وفضاءاتها هي مكان العرض المسرحي. فعربته هي معمار مسرحي قائم على ثلاثية المسرح (ممثل/ جمهور/ مكان). وهذا ما أكد عليه (بيتر بروك) في كتابه المكان الخالي اذ يقول عندما تحضر هذه العوامل الثلاثة يعني انك في طقس مسرحي.

       ومن مميزات هذ المسرح أنه معني باليومي المعيش لإنسان اليوم الذي تتجاذبه العديد من الاشكاليات وفي مقدمتها وجوده الارادي. فهو حاجة تعبيرية عن حريته المفقودة. فضلا عن انه قراءة استعارية لموقف المسرح الاغريقي من الحياة المدنية في اثينا أنداك، حيث كان المسرح فضاء فرجوي لممارسة حرية الفرد، وهذا لا يعني ان المسرح قد غاب عنه هذا المعيار الجمالي، لكنه في مسرح الشارع أصبح هو المتغير الجمالي والتيمة الاساس في خطابه. لذلك هو مسرح احتجاجي رافض لكل انساق السلطة سواء كانت سلطة معرفية او مسرحية او سياسية وغير ذلك فهو انقلاب على سلطة الاشكال المسرحية السابقة له، فهر برقية احتجاج. واولى صور الرفض المتحققة فيه هو رفضه لسلطة المعمار المسرحي أيا كان شكلها. ورفض لنمطية العلاقة بين بين المسرح والجمهور التي تمارس نوعا من القسرية المكانية عليه. لهذا يعد وسيلة احتجاجية معلنة عن حرية المدينة. ومن اهم ما يتميز به هذا المسرح بانه يحول انظار المدينة الى موضوع الاحتجاج ويغير في مسارها المتسم بالتكرار اليومي الى توقع مغاير تماما لا يشكل اي علاقة جوهرية او شكلية مع ما يسودها.  فضلا عن انه يتجاوز فعل الانتقاء من قبل الباث والمتلقي، فجمهوره متنوع غير مهيأ لما سيحدث امامه. وبالتالي فهو قد حقق أحد شروط التلقي الظاهراتي الذي يؤكد على (نفي التوقع الاستباقي لشكل العرض) أي بمعنى أنه يحقق لا قصدية التلقي، لذلك التفاعل معه مفرغ بالكامل من اي توقع استباقي.

فكل توقعاته التي تحدث في (الآن والهنا) لانه آنه هي منجز التفاعل في لحظة الارسال الدرامي. لذلك يمتلك صفة التفاعل العفوي مع الجمهور الذي يلعب الدور الاكبر في تغيير افق التوقع لكل من الباث والمستقبل على حد سواء، حتى وان كان الباث مدرب على أكثر من توقع. مما يجعل من عنصر المرتكز الجمالي (المفاجئة) في هذا الشكل المسرحي هو اللاعب الاكبر لعناصر البث والارسال. فتتميز التشاركية في هذا العرض بأنها متكافئة على مستوى المدرك العقلي والحسي لكليهما. لهذا فعله المسرحي غير منضبط بسمات تجعل منه ذو نظام محدد الاتجاه، كما نلاحظ ذلك في مسرح ثيسبس او مسرح الخبز والدمى. باستثناء عنصرين رئيسين لا يمكن تغيبهما وهما الممثل والموضوع في هذا المسرح، وعنصرين متغيرين الجمهور والمكان. ومن اهم سمات هذا المسرح انه يذهب الى اللامرئي من المدينة التي يبلورها مسرح الشارع فعل جمالي. فهو اعلان عن كل ما هو مسكوت عنه في اقبية المدينة.

لذلك هو قراءة اخرى للمدينة من منظور الهامش الذي يحوله العرض في زمنه الى مركز باث ومحرك للمدينة عبر ممارسة مسرحية تفاعلية. ومن المهم الالتفات الى ان جذور هذا المسرح حاضرة في المشهد المسرحي العربي، عندما بحث المنظر والفنان المسرحي العربي عن قالب مسرحي عربي يتخذ من الأثنوجرافيا معيار تواصليا بينه وبين الجمهور فذهب الى المقامة كما في تجارب (قاسم محمد والطيب الصديقي). ودور المقهى في حياة المدينة العربية وهذا ما التفت اليه (سعدي يونس) في سبعينات القرن العشري عندما اتخذ من المقهى فضاءً لتقديم عروضه المسرحية، بوصف المقهى فضاء عمومي يجمع كل نماذج المدينة، لهذا عدت تيم جبسون “مسرح الشارع بانه اسلوب حياة متكامل” (2).  

وفي رأينا ان مسرح الشارع هو تعبير عن التحول في نظام التمثيل الذي تحول من التقمص الى الاداء فهو لعب مسرحي حر، كما انه استجابة لثورة التكنولوجيا وعلوم الاتصال في السينما والتلفزيون والسوشيال ميديا التي وصلت الى الفرد في كل طقوسه اليومية الجماعية والفردية. وهذا حًيد نوعا ما فعل المسرح، ما دام بفضل هذه التكنولوجيا أصبح كل شيء ميسر للفرد بكبسة زر تحضر لديه كل اشكال التعبير، وبالتالي يحقق المتعة بحسب شروطه هو لا بشروط طقسية التلقي المسرحي التقليدي. غير ان مسرح الشارع قد قلب المعادلة وأصبح فضاء للجذب حسب شروطه هو. فهو منْ يحدد بداية الاتصال ويترك حسمها بيد جمهور المتلقين، وهو بهذا وصل الى الجمهور في مكانه وترك له حرية الاختيار في الاستمرار، او اللا استمرار في التواصل معه. وهو بهذا حقق نظام الاتصال وجوهر التواصل مع الجمهور. مما يؤكد ان كل ما انتجته علوم ونظريات الاتصال راسخ في الخطاب المسرحي أيا كان شكله وتميزه في فعل الاتصال الحيوي، في حين كل تقنيات الاتصال التكنلوجي لم تتمكن من تجاوز الوسيط المادي في اتمام عملية الاتصال وظل في حدود شاشتها الزجاجية. مما يؤكد بالدليل القاطع أن أفضل سمات الاتصال الحيوي وفعل الادراك المتصل يتحقق في مسرح الشارع، لآنه يتميز عن مجاوراته من فنون العرض المسرحي بحميمية الاتصال وملامسته المباشرة مع المتلقي، فضلا عن انه يحقق الاندماج المسرحي بين التلقي والعرض المسرحي. كما ان التمايز الجمالي بين المسرح التقليدي ومسرح الشارع يعزز من تفرد الاتصال والتواصل فيه، لهذا نقول ان:

  • المسرح التقليدي رسالته غير قابلة للتغيير لأنها مقننة على وفق قانون الموضوع المحاكي الذي تحاكيه على تراتبية البداية والوسط والنهاية.
  • تهيمن على طقوسيته الدرامية سلطة الشكل المعماري.
  • العرض التقليدي مغلق على فرضية صانع العرض المسرحي.
  • مسرح الشارع رسالته متغيرة بفعل التجديد الاني لأن موضوع المحاكاة فيه يؤسس على ضوء مفهوم السؤال التفاعلي لاستنتاج رؤى متعددة نتجت من حوار النقاش، وقد يتبنى او يلغى فهو يحقق احتمالية ما يمكن ان يكون عليه بفعل الممارسة المسرحية المؤادة في الآن والهنا.
  • العرض في مسرح الشارع مفتوح على موقف الجمهور المسرحي من سؤال العرض.

مسرح الشارع وفعل التواصل:

      كل فنون التعبير هي فضاء يبغي الاتصال سواء كان سمعي سردي كما في الفنون الشفاهية، او سمعي مرئي كما في المسرح والسينما والتلفزيون والتشكيل، او مقروء عبر فعل القراء كما في الرواية والقصة والمقالة. فالفاعل بين كل هذه الفنون هو المتلقي. وفعل التواصل في أصله قائم على المنطق الفيزيائي (الفعل ورد الفعل). وهذه الفنون لا يمكن ان تحقق كينونتها الجمالية بدون التواصل، لذلك يرى جان كازانوف (Jean Cazeneuve) “هو جعل الشيء مشتركاً أي الانتقال من الحالة الفردية الى الحالة الجماعية عبر الفعل” (3)

ولان المسرح يتم عبر الفعل الحي، فهو الذي يشارك به المتلقي سواء تشارك عاطفي أو عقلي. ومن الثابت والراسخ معرفيا انه لا يتم التواصل الا من خلال خلق وسيط تفاعلي. والمسرح بشكل عام يمثل هذه السمة لأنه يحقق ثلاثية التواصل القبلي والآني والبعدي. بمعنى ان العرض المسرحي ” عقل تواصلي يتجاوز الذات ليكون نسيجاً من الذوات التي تتجاوز ذاتيتها” (4). فالمسرح في جوهره هو نشاط تواصلي، وان اي نشاط تواصلي لا يمكن ان يحقق أثره الا عبر تحقق فعل التفاعل بين فرد وأكثر داخل سياق معين. وهذا السياق لا يخرج عن العالم المعيش بوصفه الدليل المادي على فعل التواصل. (5)

والعرض المسرحي يحقق شروط التواصل عبر الحوارية الجمالية وتكون على مستويين داخلي بين الارادات (المتصارعة/ المتناقشة) في صيرورة العرض المسرحي، وخارجي بين (آنا العرض وآنا التلقي). وهذا الحوار الجمالي يتم عبر تجليات الواقع المعيش كفرض جمالي مقترح (موضوع الحدث المسرحي/ موضوع النقاش). “فالعالم المعيش هو الوسط الذي يحدث فيه الاستنساخ الرمزي والثقافي للمجتمع، وهو الوسيلة التي يتم خلالها توريث التقاليد… فالعالم المعيش يعمل عمل الوسيط في نقل كل اشكال المعرفة وتطويرها، المعرفة الفنية والعلمية والاخلاقية، فالعالم المعيش هو الوسيط الامثل وذلك لدوره في نقل المعرفة. (6)

     وهذا ما يمتاز به المسرح بشكل عام، ومسرح الشارع بشكل خاص لئن يكون الوسط لنقل المعرفة عبر ما يقدم من افكار احتجاجية، لآنه دعوة جمالية للتغيير، فهو يعمل على تغير مهارات التعامل مع الواقع المعيش من خلال الصدمة المفاجئة للمتلقي، لذلك عَدته الدراسات النقدية الما بعد حداثوية بانه أحد وسائل بناء المجتمع ما دام يتخذ من التواصل اللا استباقي وسيلة ارسال لمقصدتيه الجمالية، اي بمعنى ” علاقة البيذاتية القائمة بين الأنا والآخر البعيدة عن الصراع والاكراه” (7ينظر: زوارق خديجة ص84).

       لهذا مسرح الشارع يحقق فعل التواصل عبر تقنية التحاور لهذا نراه يفتح افق للحوار بينه وبين المتلقي ويدعو بشكل ناعم الى اعادة انتاج واقعه المعيش الى واقع قادر على التساوق معه والاستجابة لما يريد ان يكون عليه. وهذه هي اولى مضمراته الاحتجاجية التي ترفض سلبية الاداء للمتلقي كما يحدث في مسرح العلبة. اذ يمارس هذا المسرح نوعاً من فرض الانتماء القسري لمقولاته التي بنيت على نظام معين محدد التوقعات لدى صانع العرض وهذا النظام اقصاء لفعل اداء المتلقي بشكل موارب.

     وما يميز التواصل في مسرح الشارع بأنه ذو ديمومة في خلق عنصر المفاجأة للباث والمستقبل في آن واحد، حتى وأن كان الباث حسب تقنيات مسرح الشارع الأدائية مدرب على عنصر المفاجأة، يبقى اللاتوقع لكلا العنصرين هو القيمة العليا في هذا المسرح.

وبما أن “الفعل التواصلي كما تدل تسميته، تحطيم دوائر الانغلاق سواء جاءت من العبارة، أو رموزها الواقعية أو ممثليها المنفذين”(8)

 لذلك دائرة العرض فيه لا تقبل الانغلاق وترفضه، واولى معطيات الرفض ذهابه بأتجاه الفضاءات المفتوحة (اشارع/ الساحات العامة) دالة لجوهر خطابه الجمالي ذو المعطى التحريضي. 

مقتربات الفضاء العمومي ومسرح الشارع: 

       مصطلح الفضاء العمومي هو من المصطلحات الفلسفية/ السياسية التي جعل منها (ها برماس) مقتربا معرفيا ما بين طروحات الفلسفة والمجتمع فـ:هو مجال من مجالات حياتنا الاجتماعية يتشكل فيه الرأي العمومي، وهو مجال  متاح للجميع ، وتظهر مسارته الفكرية في كل نقاش ينعقد حول قضية من القضايا العامة ؛ (9).

ولا يعني ان اي فضاء عمومي هو فضاء سياسي لذلك يفرق (دومنيك فولتون) بين الفضاء المشترك الذي يمكن التداول والتعبير فيه، والفضاء العمومي الذي يتضمن الحوار والنقاش. والفضاء السياسي الذي ينتج القرار. لهذا يُعرف الفضاء العمومي على انه فضاء اوسع بكثير….. لأنه يضم عدد أكبر من القضايا المطروحة للنقاش وعدد كبير جدا من الفاعلين المتدخلين علانية وبوجود مستمر وعلى نطاق واسع للمعلومات ولاستطلاعات الرأي وللتسوق وللتواصل” (10)

      يرتبط مسرح الشارع بالفضاء العمومي بعلاقة جدلية، اذ لا يحقق ذاته المسرحية الا عبر مسارات الفضاء العمومي، اذ كل منهما يحقق حضور الاخر. وكال المصطلحين هما دعوة لمغادرة الصورة التجريدة لمفاهيم الفلسفة والجمال المسرحي، والاشتغال على ان يكون المسرح ذو فعل عضوي ومحرك لفضاء المدينة العام الفكري والسلوكي.

     ولان الخطاب المسرحي يضمر السياسة تيمة تحريضية تدعوا لمساءلتها جمالياً. لهذا يتماهى مع تجليات الفضاء العمومي. ومرجعيات مفهوم الفضاء العمومي هو مصطلح سياسي اول من قدم له هو (كأنط)، ثم تبناه (ها برماس) فيما بعد عندما وجد الفلسفة غير مندمجة بالمجتمع وبعيدة عن اشكالياته، ومما هيأ لأن ينضج المفهوم عند (ها برماس) على ضوء ما حدث من جملة متغيرات سياسية تدعو الى الديمقراطية ومبدأ التعددية، لذلك تجلى مفهومه بانه سياق سياسي يتداوله ويتبنى مفهومه  كل منْ يبحث عن الحرية، الديمقراطية، التعددية، الرأي والرأي الآخر، وقبول الآخر، وجذره المعرفي كما يعرفه ها برماس “بأنه دائرة وسطية تكونت تاريخياً في عصر الانوار بين المجتمع المدني والدولة، وهو المجال المتاح لجميع المواطنين، حيث يجتمع الجمهور للتعبير عن رأي عام. لذلك ربط مفهوم الفضاء العمومي بالعقل التواصلي”. (10)

     وهذا الحد المعرفي يمثل مقتربا معرفيا وتقنية اداء لمسرح الشارع. هذا من جانب ومن جانب اخر، ما دامت الحرية هي اساس الفضاء العمومي، وبما انه فضاء مشترك يتحقق فيه الالتقاء الجمعي بواسطة القول والفعل، اي انه يشترط تمكين الحرية ونمط تفكير مغاير لإدراك حقيقة الواقع المعيش. وهذه المعايير راسخة في مغايرة مسرح الشارع لما سبقه من فنون العرض.

      لان كل من مسرح الشارع والفضاء العمومي ” يعتمدان العقل المتواصل المتحاور وليس على العقل الفردي”(11)

وكما أشرنا سابقا ان الخطاب المسرحي يضمر السياسية، فأن مسرح الشارع مسرح سياسي صريح واضح الاهداف، وكذلك الفضاء العمومي هو الاخر اظهار للاختلاف السياسي، والاختلاف هو تيمة الابداع، ويقول (ليوتار) بهذا الصدد بان” الابداع والتطور هو الاختلاف وليس الاجماع”(12)

  وعليه وتأسيسا على ما تقدم فان مسرح الشارع هو الفاعل الاجتماعي الذي ينظم حوارية التواصل عبر مسرحة الاشكاليات الانسانية المعاصرة (اليوم) ومناقشتها. فأنه بذلك يتجاوز القانون الثلاثي للتواصل، ويؤسس فعله التواصلي على ضوء نظرية التواصل التي لا تتحقق الا بتمثل رباعية التواصل من (باث الى مستقبل عبر رسالة ومتلقي عبر رسالة التلقي)، مما ينتج هذا التواصل فعلا مسرحيا اخر يتبناه المتلقي ليعيد انتاج الرسالة من جديد. فالتواصل المسرحي في مسرح الشارع يتمايز عن حيثيات الفضاء العمومي بالمناقشة بان القرار فيه معلن واضح. بينما القرار في مسرح الشارع هو فتح النقاش في الاشكالية فيبقى التواصل مستمر في الاحتمالية.

مسرح الشارع وفعل تنشيط المدينة:

     تعود الفكر الانساني على سلوكيات خاصة تجاه مساقاته الفكرية. وبالتالي وضع مفاهيم وتقنيات ومحددات لها. وعلى ضوء هذا الفهم جرى التصنيف المعماري للمدينة وأصبح لكل معمار علامته الوظيفية وطقسه الادائي. ومنها الشارع الذي يمثل علامة ثقافية لها سياقها الوظيفي والاستعمالي، ومن أبرزها أنه فضاء مشترك يزيح التراتبية المجتمعية، اذ كل الحضور فيه متساوون. فالشارع في حد ذاته هو فعل اتصال بين الانسان ومعمارية المدينة، بمعنى هو ملكية مشاعة للجميع. لذلك يلعب دوراً في تحريك المدينة وتغيير وجهتها السياسية او الثقافية. والادلة التاريخية على هذا الفعل كثيرة. وكما نعلم ليس هناك اي فكر او نشاط ينتج من فراغ، لابد من اسباب تهئ له ليكون ظاهرة لها حضورها.

فالفكر ينتقل من منطق الغياب الى منطق الحضور والتأثير عندما تلد الحاجة له، فكانت الحاجة لمسرح الشارع هو لما للبنى التحتية الانسانية للمدينة من دور فاعل في رسم حركة مساراتها. وعند استقراء تشكل رؤى مسرح الشارع الادائية نجده هو امتداد لعروض المسارح المفتوحة وتطور “لما تم تصميم Pompidou center في باريس بحيث يشتمل على مساحة معينة تستخدم خصيصاً من اجل عروض الهواء الطلق كان ذلك الحدث الحجر الاساس لبلورة فكرة مشروع مسرح الشارع، وبعد ذلك اخذت العديد من المدن تحذو حذو باريس، وأصبح من المتعارف عليه ان تلك العروض المسرحية تساهم بشكل كبير في تحسين المناخ الذي تعمل فيه مثل تلك المراكز التجارية الكبرى وذلك عن طريق تقديم شيئا مضحكاً مفعم بالحياة. (13)

   اي ان دور الفعل المسرحي هنا وظف لجذب الانتباه وكسر ايقاع نظام التسويق التجاري المتعارف عليه، وان كان الهدف هو التسلية بهدف لفت الانتباه لما تقدم هذه المراكز من متع متعددة. ولأهمية هذا الفعل الجمالي وجدت السلطات المحلية اهمية حضور هذه العروض في إنعاش حركة البيع والشراء في اسواق المدينة فكانت تدفع لهم الاجور لقاء الترويج لهذه الاسواق فكان الهدف منه بادئ الامر دافع اقتصادي، (14)

ومن فضاء الفكرة التسويقية لخلق تواصل بين الفرد والبضائع التجارية ظهرت اهمية توظيف هذه التقنية في المسرح، فتبلور منها مسرح الشارع لعدد من الاسباب اختزال في مصاريف الديكور، لأنه لا يحتاج الى تقنيات معقدة في الديكور والاضاءة والازياء. فهو مسرح يعتمد على الممثل والموضوع بالدرجة الاساس. كل هذه العوامل تبعث برسالة على اهمية مسرح الشارع في تنشيط المدينة والتعبير عن موقفها الاحتجاجي، ولا يعني ان يكون مسرح سياسي بامتياز لأنه يقر التحريض منهجا جماليا. لان التحريض والاحتجاج في مسرح الشارع يغادر مفهوم الفضاء العمومي الى فضاء المدينة والتنبيه الى اهمية لفت انتباه المتلقي الى محيطه المدني والكشف عن علاقته بموجودات اثاث الشارع على سبيل المثال وما يحمل من رمزية تعبر عنه، فضلا عن انه يعمل على تغيير ايقاع المدينة وبالتالي يخلق عنصر ترقب لدى المدينة وهو اولى شروط الاتصال والتواصل المسرحي.  لذلك أصبح لفنون التعبير ومنها مسرح الشارع في ضوء طروحات ما بعد الحداثة الفاعل الرئيس في تحريك الراكد من المدينة، ولا سيما في هوامشها التي تنتج الابداع، وبالتالي تحول الشارع والسوق من ساكن الى فاعل، فضلا عن ان مسرح الشارع يمتلك القابلية على توجيه المدينة ومسرحة فعلها اليومي، وهو بهذا يسحب المدينة من منطقها اليومي الى منطق رسالته الجمالية، فضلا عن قدرته على ان يوقف زمن المدينة ويدمجه بزمنه في توقيت البث الذي يريد. فالمدينة كلها تكون مسرح له. وهو هنا يعيد مقولة (شكسبير) (بان العالم مسرح كبير).

لذا فالمدينة خشبة مسرح غير مرئي، وهو بهذا يساوق بين شكسبير وبيتر بروك في تقنيات عروض مسرح الشارع. وبالتالي يمكن له ان يُمسرح اي دلالة في المدينة مما يؤكد على اهمية وظيفته الجمالية في تنشيط فعلها اليومي وولفت الانتباه الى ما تضمر موجودات الشارع من اشكاليات ورموز تصميمية ونصب فنية واسواق الى أهمية دورها في حياة المدينة. وبما ان الفضاء العمومي هو انتقال من فعل الذاتية الى البيذاتية فانه يتشارك مع مسرح الشارع في هذا الفعل، اذ كلاهما يَجد السبل بالبحث عن الذات الانسانية، واجابة اسئلتها الوجودية…. لذلك يتخذ من العلاقة الحوارية وشرط التواصل معيار لهذا البحث اذ ان الفعل الانساني يتجسد حضوره عبر الفعل التواصلي مع ذاته او مع محيطه (15) ومثال ذلك عرض مسرحية (يوم من هذا الوطن) تأليف واخراج (جبار خماط) اذ قدم العرض في ليلة من ليالي رمضان من عام 20007 في أنقاض تفجير بناية الانباري في بغداد/ كرادة داخل في. وهو أول عرض مسرحي يقدم مساءا بعد 2003 اذ لفت الانتباه للمكان على فرضية ان للمسرح قدرة على تحويل سكونها المادي الى فعل حيوي.

وبالتالي قد حرك من فضاءات الحي السكني وجعل من فضاءاتها المعمارية الميتة مدار سؤال وتواصل ما بعدي، وهو بهذا منح الحياة الى البنى المعمارية الميتة المنهارة بفعل التفجير. وكذلك مسرحية (صرخة شارع المتنبي) تأليف واخراج (جبار محيبس) اذ قدم العرض وسط تفجير وركام ورماد وأنقاض تفجير شارع المتنبي/ بغداد في 7/3/2207. فهو اعلان حي وتسليط ضوء على ما يواجه الارادة الانسانية من تحدي وجودي، فهو انتصار لكينونة الذات. وهذا ما أعلن عنه خطاب مسرحية (ماء غير صالح للشرب) الذي قدم في مهرجان شرم الشيخ 2017 اذ عمل الى استفزاز الموقف الدولي لما يتعرض له الانسان العراقي من تهديد لوجوده الانساني. وكذلك عرض ( عمال النظافة) لـ (حسين درويش) وسط سوق مدينة الحلة، وكيف استطاع ان يحرك فضاء السوق ويغير من ايقاع السوق والمتبضعين والبائعين ويجعل من ايقاع السوق ايقاع جمالي/ مفكر فيه، وايضا عرض (فلاش موب) في حدائق الزوراء / بغداد، اذ غير من ايقاع الجمهور الباحث عن المتعة والترفيه الى ايقاع البحث والتفكر فيما يقدم العرض من رسائل مستفزة لذائقته البصرية والفكرية أ اذ كان الجسد فضاء لغوي تعبيري  وظف كل عناصر الجسد لتكون دواة لإنتاج علاماته متعددة الدلالة والمدلول، فخلق بها عنصر المفاجأة  الذي غير من فعل رواد الحدائق وجعل منهم مشاركين في العرض، وبالتالي كان عنصر المفاجأة قد كسر النمطية المألوفة للمكان ورواده، وهذا هو جوهر الفعل الفلسفي والاتصالي لمسرح الشارع، بانه يمنح المدينة حياة ويحرك من سياق تداولها اليومي الساكن على الرغم من ضجيج حركتها الزائف ، فأنه يوقف  من الضجيج في حدوده الظاهرة الغائصة في السكون، ليقول انها تضمر دوال اخرى غائبة، فمسرح الشارع يمنحها شرعية الحضور الدينامي. وهذا المعيار يستعيد حوارية (سقراط) التي وظفت المدينة للوصول الى الاستدلال المنطقي وكيف كان يقوم بتنشيط فعل المدينة فكريا.

    وهذا ما يتسم به مسرح الشارع اذ يعيد تأثيث العقل الانساني على ضوء تواصل متفاعل بين باث ومستقبل يزيح من مركزية السلطة الفوقية لتكون افقية تبادلية. وكما يدعو هابرماس الى تحرير فضاء المدينة من سطوة الإيدلوجية، أيا كان بعدها المعرفي، وان تفتح فضاءات المدينة لمعارف اخرى… وإدراك الحقيقة لا يكون الا بمساهمة جماعية لذوات متنوعة (16).  

  فمسرح الشارع فضاء معرفي تؤسس جماليته على ضوء علاقته بفضاء المدينة.

ومن خلال ما تقدم نستنتج:

  • أن أحد اهم دلالاته المعرفية ان يحفز وينشط الفعل اليومي للمدينة ويحسن من ادائها على كل المستويات، ولا سيما في مدننا العربية التي هيمنت عليها الكثير من الظواهر السلبية ومن اهمها سيادة العنف وعشوائية الذوق العام، وانتهاك حقوق المرأة وتمكن ثقافة فحولة الاسلام السياسي من توجيه فضاء المدينة بحسب ما يريد وهذا الاقصاء والتهميش لبنى المدينة، يؤكد اهمية وفاعلية هذا المسرح في تنشيط الفضاء العمومي المدينة.
  • يعد أحد اهم وسائل بناء المجتمع لأنه يقوم على اساس التواصل المحاكي لإشكاليات الواقع مادام الفضاء العمومي للمدينة هو الجمهور، وما يحمل هذا الجمهور من اراء مواقف كامنة ومعلنة إذا يمارس دورا نقديا، ومسرح الشارع يحفز هذه النقدية لديه لتكون فضاء تنشيط ودور لإعادة تنظيم دوره. لذلك هو شكل من اشكال الاندماج الاجتماعي بين الفعل الدرامي والجمهور. فهو يديم العلاقة المدنية للمدينة.
  • ان مسرح الشارع هو تمثيل تطبيقي لطروحات ما بعد الحداثة التي تنفي اي مركزية سلطوية سواء كانت سلطة التقعيد الفني، أو سلطة المعمار، وسلطة العلاقة التبادلية بين الجمهور والمسرح التي تؤكد على ذهاب الجمهور الى المسرح، غير ان مسرح الشارع قلب مركزية هذه المعادلة ليكون الجمهور هو المركز، والعرض المسرحي يذهب الى الجمهور. وبالتالي أكد على فاعليته في تنشيط فضاء المدينة العمومي عندما جعل منها فضاء لممارسة فعالية المسرحية وبث مقولاته الجمالية. 

____________________________________

الهوامش:

تم تدوين الهوامش بحسب ورودها في متن البحث، لذلك لم نتبع التسلسل الابجدي

(1) تيم جبسون: مسرح الشارع والمسارح المفتوحة، ترجمة: حسين البدري، مراجعة دكتور محمد عناني، مركز اللغات والترجمة، اكاديمية الفنون، ب. ت.ص16. 

(2) ص16 المصدر نفسه

(3)  يورغن هابرماس: اتيقيا المناقشة ومسألة الحقيقة، ترجمة وتقديم: عمر مهيبل، الدار العربية للعلوم، منشورات الاختلاف، الجزائر، ط1، 2010. ص80

(4) هابرماس: القول الفلسفي للحداثة. ص452

(5) ينظر: زوارق خديجة، العقلانية التواصلية هابرماس نموذجا، رسالة ماجستير في الفلسفة، جامعة محمد بوضياف – المسيلة، الجزائر، غير منشورة، 2016، ص70

(6) ص 80 المصدر نفسه.

(7) ص84 نفس المصدر.

(8) ص 6 المصدر السابق

(9) ينظر: الفضاء العمومي بين الاجماع والمنازعة، ضمن كتاب الفرجة والمجال العمومي، اشراف وتنسيق خالد امين، منشورات المركز الدولي لدراسات الفرجة.   ص20-22

(10) نفس المصدر

(11) نور الدين أفاية، الحداثة والتواصل في الفلسفة النقدية المعاصرة، نموذج هابرماس، بيروت، الدار البيضاء . 1998 ص 243

(12) سالم يفوت فلسفة التواصل عند هابرماس، ص3.

(13)ص10 مسرح الشارع والمسارح المفتوحة.

(14) ينظر: ص10 نفس المصدر

(15) ينظر: محمد الاشهب: يورغن هابرماس وراهن الفلسفة في الفضاء العمومي. مجلة رهانات عدد3 ربيع 2007، ص13

(16) ص13 المصدر نفسه

المصدر نفسه

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح