دلالات الزمان والمكان في نشأة المسرح زقورة اور والمسرح السومري – الدكتور راجي عبدالله

 دلالات الزمان والمكان في نشأة المسرح 

                        زقورة أور والمسرح السومري                        

                             الدكتور راجي عبدالله                            

في البدء سيكون من الصائب على ما أظن أن أستهل الموضوع أعلاه بتوضيح عن الزقورة وموقعها في العراق القديم , وتأثيرها على نشأة الحضارة في الماضي السحيق وعلى كل أجزاء المعمورة قريبها وبعيدها , من خلال إبتداع أول وأهم أداة معرفية في التاريخ إلا وهي الكتابة السومرية كما هو معروف . وعليه فأن هذه الزقورة التي تبعد ثلاثين كيلو متراً تقريباً عن مدينة الناصرية جنوب العراق تعد المدينة الأولى التي إنبثقت منها العلوم والفنون ومنها المسرح ,  لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هل عرف الإنسان القديم المسرح منذ تلك الفترة أم أن الإجتهادات كلها ستبقى كما كانت تعود إلى نفس الإطروحات السابقة التي تشير إلى نشأة المسرح بطريقة تقترب كثيراً من التـأملات البحثية وليست الحقائق , في أن المسرح نشأ عام 600 قبل الميلاد في اليونان إعتماداً على النصوص المدونة لإسخيلوس ويوربيديس وأسخيلوس وسوفوكلس , متناسية بذلك أن النشأة الحقيقية للحضارة وإنتقالها من مرحلة إلى أخرى قبل ألاف السنين ربما تكون بطريقة مغايرة لهذا الرأي السائد , فالنصوص المسرحية وحدها لم تكن  كافية إن وجدت للتأكيد على النشأة الحقيقية للمسرح في أية حال من الأحوال , لأن نشأة المسرح لابد أن تقترن أولاً وأخيراً بحضوره في الواقع جماهيرياً وليس إفتراضياً بإعتباره إبداعاً  مباشراً يعرض أمام  الجمهور وليس نصاً أدبيا مكتوباً على الورق . فهل يعقل أن تنشأ الحضارة وتبنى المدن العامرة في وادي الرافدين وفي مصر القديمة , ويبدأ ذلك الإشعاع الحضاري بالإنتشار التدريحي لينتقل إلى المدن الفينيقية كافة التي تمتد حتى حدود البحرألابيض المتوسط  , دون أن تكون هنالك  حركة مسرحية فيها ولو كانت بدائية ,  أو دون أن تكون هنالك بواكير لنشأة الحركة المسرحية في هذه المناطق وهذه البلدان ؟

وهنا يتوجب علي من جديد التأكيد على أن النصوص المسرحية اليونانية المعروفة لايمكن أن تكون وحدها  الدليل الوحيد الصحيح على أن نشأة المسرح كانت في ذلك التاريخ المشار إليه أعلاه ولا هي يونانية النشأة , ولا  أن تكون  كما ذهب الباحث المسرحي   دريني خشبة على الرغم من إجتهاداته الكثيرة وبحوثه القيمة التي مازلنا ندرسها وتربينا عليها مسرحياً في ثقافتنا المسرحية منذ  القرن الماضي , من أن المسرح ظهرفي بدايات التكوينات البشرية الأولى عندما كان الإنسان القديم يقص ويمثل ولو بالإشارة لأقرانه الصيادين , حكاية من الحكايات التي يمكن أن تحدث مئات المرات , ومنها صيده لحيوان مفترس ولبس جلده , ومن ثم يسرد أو ويمثل لهم  تلك الحكاية البسيطة التي لايمكن تصديقها أو الأخذ بها على أنها الدليل الأول على ظهور فن التمثيل وفن المسرح لأول مرة في مرحلة التكوينات البشرية الأولى على وجه الخصوص.                                                                                                                                  

لكني مقتنع  تماماً أن فكرة نشأة المسرح كانت أساساً  بإعتباره شكلاً من أشكال فن الدراما , والمقصود به فن نظم الشعر أو هي الشعر نفسه كتعبير عن معاناة الأقدمين في تلك الحياة التي كانوا يعيشونها , وإن هذه الحالة إرتبطت بالفلسفة الدينية أولاً ومن ثم بالبيئة الإجتماعية  التي كانت سائدة آنذاك , مما ساهم ذلك بعد ذلك في ظهرر حالة جديد من بلورة فكرة التعبير الإنساني بأشكال جديدة ومنها الرسم والنحت والموسيقى و المسرح , ومن الصحيح أيضاً أن فكرة بلورة التفكير بلغت أوجها بعد نِشأة وظهور الملاحم والأساطيرالتي ساهمت مساهمة فعالة فيما بعد  في ظهور النص المكتوب وصفيأ ومن ثم حوارياً أي إنتقل من مرحلة الوصف إلى مرحة فن المحاورة , وبهذا  نِشأ المسرح أول ما نشأ في بلاد سومر بإعتبار أن حضارته قد سبقت كل الحضارات بآلاف السنين .                                                                                                                                                                  ولعلي أكون مصيباً إذا ذهبت بالتحليل إلى أن عامل الزمن وتطوره التاريخي كانت له حساباته ونتائجه الهامة في نِشاة المسرح أيضاً , وإن وحدة  الزمان هذ هي التي قد ساهمت مساهمة فعالة في التطور الدرامي لهذه النشأة  , وكما يكون لهذه الوحدة  في المسرح  وظيفة هامة هي ضبط الإيقاع المسرحي في أية مسرحية قديمة وحديثة  من أجل تطور البناء الدرامي فيهما  حالياً  , فإن هذه الحالة هي التي أنتجت لنا  حالة من الفعل المسرحي في مرحلة تأسيسه الأولى,  بعد أن تنامى عقل الإنسان   ووصل إلى ذروته بعد عدة مراحل تاريخية , حيث تبلورت فكرة المسرح إجتماعياً و تكونت الحاجة إجتماعياً  إلى فعل دائم جديد مقنع للمشاهدين هو فعل المحاورة ومن ثم فعل  الحركة والتصوير واللون المسرحي , الذي بدأ يتطور تدريجياً في يومنا هذا حتى وصل إلى ما هو عليه الآن.                 

بالإضافة إلى ذلك فإن عامل المكان أيضاً غالباً ما يكون هي الأهم , لأنه يؤكد  بالدليل القاطع إن هنالك حقيقة ثابتة لنشأة المسرح تتمثل في الأثر الواضح لهذه النشأة , لأن المكان هو الوعاء الذي يحتوي على كل التجارب الإنسانية الإبداعية منذ زمن بعيد إلى الآن , على الرغم من تضاءل  تأثيره الدرامي حالياً بفعل عوامل كثيرة ومنها  التطور التقني الذي أخذ يرسم لنا صورة مغايرة على خشبة المسرح مثلما يحدث الآن في جميع المسارح العالمية  . 

وفي الحقيقة أن جمع هذا التراث التاريخي الأثري المبعثر من الأمكنة يمكنه أن يثبت لنا بما لا يقبل الشك إن نشأة المسرح بدأت من هنا أو من هناك , خاصة إذا ربطنا ذلك معرفياً بالأسباب التي ساهمت في وجوده وما هي ضرورات بقائه كل هذه الفترة من الزمن . نعم . إن عامل المكان باقٍ كفعل مؤثر دال على حالة تأسيس أو تكوين المسرح , وهو فعل دال أيضاً على ضرورات تأسيسه إجتماعياً , لأن أي أثر تاريخي لم يبنى من فراغ لكي يملأ الفراغ وينتهي إليه , وهذا ما حث أيضاً  بفعل تأثير المكان على تطور المسرح من مرحلة إلى أخرى إبتداء منذ المرحلة التي سميت فيما بعد بالمسرح الكلاسيكي وهو الذي كان يعتمد على وحدة الزمان والمكان والوحدات الأخرى المعروفة   .

من هنا إخترت بناء الزقورة الشامخ والباقي منذ المراحل الأولى لنشأة الحضارة تاريخياً , هذا البناء الذي يمتاز ببنائه الهندسي الذي يقترب كثيراً من فن المنظور من جميع الجهات , حيث بإمكان الرائي أن ينظرمن جهة واحدة إلى جميع أجزائه الأخرى بوضوح تمام دون أي حجب لأي جزء منها , وهنا أود التوضيح أن فن المنظور في المسرح الذي إبتدعه الفنان الإيطالي الكبير ليوناردو دافينتشي قد فتح آفاقاً واسعة لتنظيم جميع الأفعال الحركية للأفراد والمجاميع على خشبة المسرح وساهم مساهمة فعالة في ظهور وبروز الحاجة للمخرج المسرحي تاريخياً بعد أن كان دوره ملغياً ولا وجود له , أو لا حاجة له في تنظيم كل الميزان سين المسرحي أو التوازن المسرحي في الشكل العام للحركة الفردية أو الجماعية . وهكذا تم بناء مسرح العلبة الإيطالي التقليدي ليكون  فيه كل ما يجري على خشبته مرئياً من جميع المشاهدين بعد أن كانت الحركة تجري بشكل فوضوي متداخل أو متشابك بحث تنعدم فيه الرؤيا أو جمالية الحركة  , لكن الأمر هنا يختلف في الزقورة إذ لا حجب على أية حركة في الهواء الطلق وأن وسائل التوصيل المرئي جميعها غالباً ما تكون  مرئية بالعين المجردة للجمهور .

وعلى هذا الأساس  فإن الزقوة بهيكلها العام كانت مرئية من جميع الجهات كما ذكرت بإعتبارها مركزاً للتجمعات الطقوسية , أو أنها معبداً للتضرع والتقديس للآلهة السومريين حسب المعتقدات القديمة , أو لآقامة المهرجانات أو الكرنفالات المختلفة  أيضاً ,  لذلك فإننا نجد أن سعة سقف الهيكل مفروشة على الهيكل كأنها خشبة مسرح علوية وترتفع نحو السماء وأنها مرئية بشكل كامل من مسافة بعيدة للجمهور , وإن مدرجاتها ترتفع بشكل منسق من الجانبين والخلف للصعود والنزول إلى الأعلى والأسفل , ومن الجدير بالذكر هنا أن هذا الإرتفاع الشاهق المبني ضمن سياق هندسي مذهل , كان سببه للتقرب إلى إله الآلهة التي يعتقد أن مسكنه ووجوده في مركز السماء ووسطها حسب المعتقدات القديمة , وهو يختلف في بنائه عن الإهرامات التي ترتفع أجزاؤها وجوانبها سوية على شكل هرمي على الرغم من أن المعتقد كان واحداً ومتشابهاً في الديانتين.                                             

وقد يتساءل المرء ما علاقة الشكل في البناء وهيكلية البناء في نشأة المسرح منذ مراحل مبكرة من التاريخ البشري , وهل أن الطقوس والإحتفالات التي تقام في الهواء الطلق كانت لها علاقة في هذه النشأة ؟ وللإجابة على هذا السؤال فإنني أستطيع التأكيد أن نشأة المسرح كانت طقوسية المنشأ في جميع الديانات القديمة , ففي العراق القديم كانت تقام هذه الطقوس في عودة الإله تموز إلى الحياة في فصل الربيع وفي مصر الفرعونية كانت نشأتها من خلال الطقوس في أساطير إيزيس وأوزريس , وفي اليونان كانت تقام تلك الطقوس والإحتفالات في أعياد الإله ديونيسوس , وقد رافقت تلك الطقوس تقديم عروض تعبيرية مأخوذه من تلك الطقوس , تتخللها في اليونان عروض مسرحية تسمى العروض الساترية التي كانت تقدم تحت ضوء القمر في أوقت الربيع. 

                                                                                       إضافة إلى ما تقدم ولكي أعطي للموضوع دلاله الفكرية البحثية نظرياً فإن القطع القديمة المكتوبة من أكدية وسومرية وبابلية المكتشفة هناك تؤكد هذا الأمر , إذ أن هنالك العديد من قطع فن المحاورة التي أشرت إليها سابقاً  في بحوث مختلفة تحتوي على العديد من القصص والحكايات التي تقترب كثيراً من كونها قطع مكتوبة بلغة درامية واضحة المعالم مثل قصة الخليقة ونزول عشتار إلى العالم السفلي والعبد والسيد وغيرها من القطع القديمة الكثيرة التي تم إكتشافها في بلاد الرافدين.                              

ومن الجدير بالذكر إن الفنانين المسرحيين العراقيين شأنهم شأن الفنانين المصريين قد حاولوا إستلهام أعمالهم المسرحية من التراث القديم من أجل أن يثبتوا للعالم وجود علاقة وطيدة بين قديم المسرح العربي وبين حديثة , فقد تعامل الفنان الكبير الراحل إبراهيم جلال مع مسرحية الطوفان المأخوذه من الأساطير القديمة , بعد أن كتبها الفنان الراحل عادل كامل وعمد المخرج أستاذ إبراهيم إلى  أن يكون ديكورها المسرحي مأخوذاَ من شكل الزقورة التي  قدمت المسرحية في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام  1966 , وقد ساهمت أنا شخصياً في تحويل ملحمة كلكامش إلى نص مسرحي طبع لي في كتاب في بغداد , حيث كنت أنوي تقديمه وإخراجه في عرض مسرحي بمدينة أورالتاريخية لكن الموضوع قد تأجل لأسباب إنتاجية , بينما حاول الفنانون المصريون تقديم العروض المأخوذة من الأساطير والقطع الفرعونية المحجوبة وتقديمها في منطقة الإهرامات في الستينيات من القرن الماضي  .

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح