دراسات: الممثل في كتابات (أحمد شرجي )

التمثيل في خطر هذا الهاجس الذي يؤرقني دائما وأنا أرى العشوائية التي يتعامل بها الممثل العراقي مع هذه المهنة الجمالية. نشعر ببؤس المسرح عندما نجد مهنة التمثيل في خطر، تكمن الخطورة في غياب الورش العملية والمباحث الأكاديمية التي تأخذ على عاتقها تطوير أدوات الممثل على وفق الطرائق المنهجية وبعدها الطرائق المبتكرة في مباحثنا حول مفهوم مابعد التمثيل المنشورة في الصحف الورقية أو الإلكترونية. كذلك وجدنا في كتابات الفنان والباحث (الدكتور أحمد شرجي) مدخلا إنقاذيا لمادة التمثيل وهي تشيخ بالتزامن مع شيخوخة المسرح عراقيا وربما عربيا والأقسى أن تكون شيخوخته عالميا، ومن أهم الطروحات المبتكرة تلك التي أطلقها الدكتور احمد شرجي هي طريقة “الممثل الباحث”، وهي منهج عملي تطويري مدعما بمباحث علمية ضج بها كتابه سيمولوجيا الممثل بفصوله الثلاث. بالإضافة إلى بحوثه المنشورة في أكثر من صحيفة ومواقع الكترونية مختلفة، اعتمدنا في قراءتنا لكتابات الدكتور (أحمد شرجي) على المقاربات والمقارنات مع المنهاهج التي ساهمت في تطوير طرائق التمثيل، ويعد كتاب “سيمولوجيا الممثل” من بين الكتب المهمة التي أضاءت المناطق المظلمة في تاريخ التمثيل

حيث جاء الفصل الأول من الكتاب بعنوان “السيمولوجيا” وهو إطار نظري ابتدأ الباحث هذا الفصل بمدخل لمصطلح السيمولوجيا التي اقترنت حسب الدكتور (أحمد شرجي) بمدرسة براغ خلال فترة ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي منذ البدايات المبكرة للمسرح الإغريقي وحتى يومنا هذا يعتبر الممثل هو العلامة الأكثر رسوخا وهيمنة بين مجموع العلامات الداخلة ضمن فضاء المسرح وبالرغم من أن البحوث السيمولوجية لم تتناول الممثل ضمن دراساتها إلا أنها تشتغل ضمن مناهج ونظريات التمثيل التي جعلت من الممثل أحد العناصر الرئيسة فوق الخشبة، يشير مؤلف كتاب سيمولوجية الممثل الدكتور (أحمد شرجي) إلى تعريف العلامة حسب وصف (باتريس بافيس) الذي يرى فيها توحد ببن دال ومدلول وهي أصغر وحدة حاملة لمعنى ناتج من تأليف بين عناصر الدال وعناصر المدلول، وهذا التعريف يوافق ما ذهب إليه مؤلف الكتاب الذي يعرف العلامة تعريفا إجرائيا على أنها ناتج عملية شراكة اشتغالية مابين الدال والمدلول، تمثل ذاتها، وتنوب عن شيء آخر غيرها. كما يتطرق الدكتور (أحمد شرجي) خلال الفصل الأول إلى الأصول والبدايات لعلم السيمولوجيا باعتباره الدائرة الكبرى لمبحثه سيمولوجيا الممثل، وينطلق المؤلف من انطلاقة المنهج البنيوي الذي ركز على دراسة اللغة كظاهرة تواصليه عند السويسري (دي سوسير). حيث رشح هذا المنهج لاكتشاف باقي الظواهر التواصلية لتؤسس لعلم جديد الذي يعود في أصوله الاصطلاحية إلى اليونانية وهو مصطلح السيمولوجيا، حيث الإشارة ضمن الفصل الأول إلى شيوع هذا المصطلح في الفلسفة اليونانية القديمة. وكما يشير الايطالي (امبرتو ايكو) إلى الرواقيين على أنهم أول من قال بأن العلامة تحمل وجهان.

ولأجل الدخول في بحثنا حول الممثل في كتابات الدكتور (أحمد شرجي) فإن هذا الأمر يدعونا بطبيعة الحال للمقدمات التي يطرحها الدكتور ضمن كتابه سيمولوجيا الممثل انطلاقا من التعرف على ارتباط مصطلح السيمولوجيا بعمل الممثل على وفق ما جاء ضمن الكتاب الذي يطرح عدة آراء لمصطلح السيمولوجيا ، حيث يستخدم هذا المصطلح حسب المؤلف للخلفية التي ترتبط بها العلامة لكل ما هو ثقافي، اجتماعي، اثني، عقائدي، شخصي، فكري، إيديولوجي, سايكولوجي. كما يتطرق المؤلف بالاعتماد على كتاب أسس السيميائية من (ان بورس) و(دو سوسير) من أن العلامة هي وحدة ذات معنى، تفسَّر على أنها تنوب عن شيء آخر. وما أشار له الدكتور (أحمد شرجي) يقترب من تعريف (كير ايلام) في كتابه “سيمياء المسرح والدراما” الذي يجد في هذا المصطلح بأنه مكرسا لإنتاج المعنى في المجتمع وأن السيمياء تعنى بالعمليات الدلالية وعمليات الاتصال على كل رسائل يتم من خلالها إنتاج المعاني. وهنا لابد من استعارة المقولة (لدو سوسير) ضمن كتاب “البنيوية وعلم الإشارة” ونصها: ” من الممكن تصور قيام علم يدرس حياة الإشارات في المجتمع، وسيكون جزءا من علم النفس الاجتماعي وبالنتيجة جزءا من علم النفس العام ساسميه سيمولوجي “

وفي الدخول للعلاقة بين المسرح ومصطلح السيمولوجيا يتناول الدكتور (أحمد شرجي) ضمن الفصل الأول لكتابه “سيمولوجيا الممثل” حيث التأكيد على الاختلاف والمغايرة لعملية التلقي الذي ينتمي لثقافة أخرى غير ثقافة المنتج للعمل الفني، فلا يمكن للمتلقي من فك شيفرات العرض كما ركبها المخرج، حيث يكون للتأويل دورا فاعلا يختلف باختلاف المتلقي. وهنا لابد من الإشارة إلى الورش التي أقامها الدكتور (أحمد شرجي) في مدينة كازبلانكا (الدار البيضاء) / المغرب حيث اعتمد في هذه الورشة على الاختلاف الثقافي بين المتدربين حيث كانت مرجعياتهم لعدة دول ومنها المغرب، تونس، الجزائر، ليبيا، ألمانيا و فرنسا. وهذا الاختلاف حسب الدكتور (شرجي) أعطى أهمية كبيرة لمنهاج الورشة الذي اعتمدت الاختلاف بين السلوك والتقاليد لمجموع المتدربين. ونحن نقف على عتبة الفصل الثاني من كتاب“سيمولوحيا الممثل” لا بد من الإشارة إلى طرح (كولين كونسل) ضمن كتاب “علامات الأداء المسرحي” حيث يرى أن المسرح يتولى تحويل المعنى إلى رموز ليس في نطقها العلني ومضمونها، ولكن في صياغتها وشكلها وتوظيف هذا الشكل كإشارات، وهذا الرأي يمهد لنا إمكانية الدخول لعالم (أحمد شرجي) في بحثه الدءوب للمثل المسرحي وما يجسده من علامة وحامل لعلامات في الوقت ذاته، حيث يرى (شرجي) بأن العلامة اقترنت بالقديس (اوغسطين) وقوله الوارد ضمن هذا الفصل “يقدم المهرجون للعارفين بعض العلامات بواسطة تحريك كل أعضائهم، ويخاطبون عيون المتفرجين”.

الإشارة ضمن هذا الفصل بأن المسرح ظاهرة ثقافية يمتلك آلية تواصلية ضمن بنية تتشكل من الممثل المرسل, والمتلقي المرسل إليه، وأن المسرح كنسق سيميائي غير خاضع لمبدأ الاعتباطية. يؤكد الدكتور (أحمد شرجي) ضمن الفصل الثاني على أهمية مدرسة براغ للسيمياء ودورها الفاعل ضمن الدراسات المسرحية، ومن أهم تلك الدراسات “التحليل البنيوي لظاهرة الممثل” لــ “موكاروفسكي” وهذه الدراسة تحيلنا إلى (سوسير) الذي يرى في البنيوية الألسنية فرعا من فروع السيمياء، ومن بين بحوث (موكاروفسكي )المهمة في هذا المجال ” الفن كحقيقة سيميائية” بحث آخر بعنوان” حول الوضع الراهن لنظرية المسرح” الذي يؤكد من خلالها على إقامة تواصل فعال بين المتفرج والخشبة باعتبار أن هذا التواصل يمثل العقدة التي يحاول المسرح المعاصر فكها، كما يركز ضمن مبحثه الأخير على دور الممثل وما يحمله من علامات ثانوية كالصوت وتعابير الوجه والإيماءات والحركة والأزياء وغيرها. وفي العودة لكتاب الدكتور (أحمد شرجي) وما كتبه عن مدرسة براغ حيث يشير المؤلف ضمن الفصل الثاني إلى تلاميذ (موكاروفسكي) الذي وصفوا العرض لا على أساس كونه علامة مفردة، بل كشبكة وحدات سيميائية ، تنتمي إلى انساق مختلفة ومتفاوتة. الإشارة أيضا ضمن الفصل الثاني حول سيميائية الممثل إلى دراسة (ليسنغ ) مفهوم التقليد عند الممثل واللعب الذي يقوم الممثل لإنتاج علامات، الإشارة هنا أيضا إلى (ديدور) على أن الدال في عمل الممثل هو نقطة الانطلاق وما المدلول إلا نتيجة، كذلك يشير مؤلف الكتاب إلى ما ذهب إليه (روتشر) من أن الدال هو نتاج جماعي لسائر الممثلين الذين يشاركون في عرض مسرحي.

الإشارة في الفصل الثاني إلى طرح (رولان بارت) الذي يعتبر المسرح آلة سبرنطيقية كونه يبعث مجموعة رسائل لأجل التواصل بين طرفي الإرسال والتلقي وتكون هذه الرسائل متزامنة بالرغم من تباينها، حيث يكون الممثل هو الرسالة الأكبر ويحمل كذلك رسائل ثانوية من أزياء وإيماءات بالإضافة إلى الديكور والأزياء والإضاءة وغيرها من المهام الأدائية لمجمل مفردات العرض المسرحي.

في الحديث عن الشخصية التي أفرد لها الكاتب مبحثا ضمن الفصل الثاني يشير الدكتور (أحمد شرجي) إلى دور الممثل وعلاقته مع الشخصية داخل العرض المسرحي باعتبار أن هذه العلاقة هي جوهر الدراسات حول سيمولوجيا المسرح عموما. فإن الممثل يحول الشخصية من عنصر جامد إلى عنصر ملموس ونابض بالروح، ويعبر الكاتب أن الشخصية هي بمثابة الهوية للممثل، وهذا التوصيف ينقلنا إلى الفصل الثالث من الكتاب الذي جاء بعنوان ( سيمولوجيا الممثل )

وقبل الدخول في الفصل الثالث لابد من الإشارة إلى ورشة الممثل التي أقيمت في فاس المغربية التي ارتكزت على محور مهم بعنوان ” الممثل والتاريخ الوهمي“. حيث أن هذا الممثل حسب وصف (شرجي) يكتب تاريخ وهمي لشخصية افتراضية، من خلال الزي وبقية المفردات في فضاء المسرح باعتبارها شريك درامي مع الممثل, وكل هذه المفردات تمثل منظومة علاماتية متعددة الأنساق. الممثل حسب وصف الكاتب هو أيقونه قبل دخوله الفاعل في فضاء المسرح, لكنه على المسرح يتحول إلى علامة حاملة ومتفاعلة مع عدة علامات، فتولد علامات عن طريق الجسد، والصوت وعلاقتهما بــ ( الأزياء، الديكور، الموسيقى، الإضاءة, الإكسسوارات) وبهذا يتحول العرض المسرحي برمته إلى متوالية علاماتية ، من خلال اتساع دائرة العلامات، وتشظيها.

يثير الدكتور (أحمد شرجي) ضمن الفصل الثالث جدلية غاية في الأهمية وربما تكون المطب الذي يعرقل مسيرة التمثيل تلك الجدلية تتعلق بــ الممثل/ المخرج , هل من المفترض أن يكون الممثل أداة طيعة بيد المخرج خاضعا لعقل خارج عنه , باعتبار أن (أحمد شرجي) يطرح فكرة ( الممثل / الباحث) بالتأكيد فإنه يصطدم بالتأكيد بجدلية المخرج الممثل, كيف للمثل أن يتحرر من سيطرة منظومة معرفية وجمالية خارجية، منذ القرن التاسع عشر أصبح المخرج يمثل الظاهرة الأكثر فاعلية وهذا ربما انسحب على أفول نجومية الممثل , لهذا تنبه (ستانسلافسكي) لهذا المطب بتعرض مهمة التمثيل للخطر , لذلك كتب كتابه إعداد الممثل. وربما يجد الدكتور (أحمد شرجي) حلا توفيقيا يكاد أن يكون مثاليا عندما يذكر في ص 112 ما نصه : ” فإن الدلالة تحتفظ بقصديتها عبر آلية الاتفاق بين صناع العرض المسرحي ( المخرج, الممثل, مصمم السينوغرافيا) وفي كل الأحوال، يبقى المسرح عملا منظما, اتفاقيا” يتعرض أيضا الكاتب إلى تاريخ الممثل عندما كان هو المركز داخل العرض في المسرح الإغريقي حيث كان الممثل هو القائد والمنظم للعرض يختفي خلف مجموعة من العلامات ” الأقنعة “.

يصرح الكاتب (أحمد شرجي) ضمن بحوثه بالقول :” لم يعد الممثل مجرد أيقونة على خشبة المسرح وأداة بيد المخرج، أو مجرد ناقل للغة المؤلف (النص) إلى المتلقي. بل إن الممثل في المسرح الحديث هو ممثل آخر، ممثل باحث ،خلاق وواع تثيره الأسئلة ويستفزه اليومي. وهذا ما أكده المخرج جواد الأسدي، في رؤيته للممثل في المسرح الحديث: إنه لتطور نوعي وسريع هذا الذي يطرأ على مفهوم المسرح الجديد، وبالأخص الممثل المعاصر بحيث أصبح للأخير مكان الصدارة في الحياة المسرحية الحديثة، ولم يعد بالإمكان تلفظ كلمة مسرح أو مسرح طليعي أو تجريبي …الخ من التسميات والنعوتات إلا ويكون للممثل الحظ الأوفر في تخصيص ماهية هذه الطليعية “

وقد وجد الممثل قبل المخرج كقائد للجوقة وأحيانا مؤلفا ومنظم للعرض المسرحي، حتى جاء القرن التاسع عشر بولادة رسمية لمهمة المخرج وهنا حصل الاشتباك بين المهام وليس بالضرورة أن يكون هذا الاشتباك سلبيا ربما يؤسس لمنظومة بديلة كمفهوم (الممثل الجوكر) عند (اوغستو بوال)، ولكن تبقى العقدة قائمة داخل البروفة أو العرض عندما يتمتع الممثل بمحمولات معرفية وجمالية متراكمة، هنا تكون مرشحات لدى هذا الممثل لا تسمح بمرور أي مقترح جمالي للمخرج إلا بعد إخضاعه للبحث الدقيق وإجراء التعديلات التي قد تصدم مع رؤى المخرج.

يعرض لنا المؤلف في الفصل الثالث عن مراحل التطور لدى الممثل / الباحث منذ عصر الإغريق، عندما استثمر الممثل الشهير بولوس تجاربه النفسية في أداء شخصية الكترا , و هنا ينتقل بنا الكاتب وضمن هذا الفصل إلى طروحات الفرنسي (ديدرو) الذي اهتم بالتنظير لفن الممثل ضمن المنهج الطبيعي، حيث طالب أن يكون أسلوب الممثل على خشبة المسرح،  شبيها بأسلوبه في الحياة، بمعنى أن يستعير حادثة أو شخصية ما من الحياة اليومية وينقلها إلى الخشبة، وطلب (ديدرو) من الممثل أن يذوب في الشخصية وأن ينسى الجمهور، وكأنه يمثل داخل غرفته الخاصة، وأن يؤدي الممثل دوره وكأن الستارة التي تفصله عن الجمهور لم ترفع , باعتبار أن هذه المسافة الفاصلة تمثل الجدار الرابع , لذلك كان يؤكد على الإحساس الداخلي للمثل على حساب قدراته الصوتية والجسدية. ولكن (ديدرو) بعد سنوات من عمله انتقل إلى مرحلة أخرى يدعو من خلالها إلى التوافق بين الإحساس الداخلي والقدرات الفنية، وقد أكد هذا المذهب مقولته: “إن الممثل الذي لا يملك سوى العقل والتقدير المحسوب يكون شديد البرودة، والممثل الذي لا يملك سوى الإثارة، والانفعالية، يكون سخيفا” وفي هذه المرحلة وجد (ديدرو) أن الإحساس ليس هو السمة العبقرية للممثل، بل إن القدرة على الفهم العميق هي السمة الأكثر أهمية للممثل، ويجب أن يسيطر عقل الممثل على قلبه، وهذه الفقرة هي الأساس في مبحث الدكتور (أحمد شرجي) عن ممثله الباحث , وهنا اقترب كثيرا من الدكتور (شرجي) عندما كتبت في أحد مقالاتي ضمن اصطلاح ما بعد التمثل بأن يمتلك الممثل عين ثاقبة، وذهنية متقدة، ووعي مستفز على الدوام ، ربما تعد المرحلة الثانية في حياة (ديدرو) انقلابا على النفس بحيث يطرح الكاتب ضمن الفصل الثالث بأن على الممثل أن لا يطلق العنان لعواطفه كما هو الحال في الحياة، بل عليه التعامل مع النص باعتباره مخططا واعيا، باعتبار أن الانفعالات العاطفية الحادة تفقد الممثل السيطرة على ردود أفعاله على المسرح. وفي هذه المرحلة يكون الممثل لدى (ديدرو) وحسب الكاتب (أحمد شرجي) مفكرا، مبدعا، ولا يخفى على كل المشتغلين بالمسرح أن من أكثر المشتغلين على الممثل وأهمهم هو (قسطنطين ستانسلافسكي) الذي وضع مناهج خاصة بتدريب الممثل، حيث قدم (ستانسلافسكي) حسب (شرجي) منهجا متكاملا لإعداد الممثل، أكد (ستانسلافسكي) على الذاكرة الانفعالية لدى الممثل في أن تكون تجاربه الحياتية تدخل ضمن خزين واعي يستدرجه حينما تناط به شخصية تتطلب منه استدعاء تلك التجارب على وفق مقاربات مع الشخصية التي يمثلها على الخشبة بعد أن يكون الممثل حسب (ستانسلافسكي) مسيطرا على الشخصية، لا أن يكون أسيرا لانفعالاتها، ويشير ضمن منهجه أيضا إلى آلية جديد للاشتغال أطلق عليها ( لو السحرية ) من أجل تنشيط المخيلة لدى الممثل، وأن تتركز أدوات الممثل بأسئلة ثلاث : ماذا افعل؟ لماذا افعل؟ مالذي افعل؟ وعلى الممثل إيجاد أجوبة واعية لكل من هذه الأسئلة الثلاث لكي يدخل ضمن نسق الممثل الواعي، أو كما يطلق عليه الدكتور (أحمد شرجي) “الممثل/ الباحث” وعلى الممثل على وفق منهج (ستانسلافسكي) أن يتوافق لدية الفعل العضلي والنفسي، والتوازن بين الداخلي والخارجي وهذا التوازن يقود الممثل إلى الصدق حسب (ستانسلافسكي)، وهذا الصدق لن يكون إلا باستخدام ( لو السحري ) التي تمهد للممثل استعارة اليومي والحياتي وتوظيفهما فنيا، وبهذا يقسم الدكتور (أحمد شرجي) اشتغالات (ستانسلافسكي) إلى جزأين حسب مؤلفات الأخير:

1 / اشتغال الممثل الداخلي والخارجي فيما يخص ذاته، بوصفه إنسانا شخصا عاديا..

2 / اشتغال الممثل الداخلي والخارجي فيما يخص الدور باعتماد القيم الفكرية والجمالية من خلال الظروف المعطاة من داخل النص.

فإن الممثل مهما حاول الاستقلالية عن سلطة النص وهيمنة المؤلف فإنه لا يستطيع أن يتجنب الشروط التي يفرضها عليه النص الدرامي حسب قول (يوري فلتروسكي) الذي يؤكد أيضا على أن الممثل هو عبارة عن بنية معقدة لإشارات تتضمن جميع العناصر بما في ذلك النص وما يفرضه من معطيات رئيسة وإرشادات ثانوية , لكن بالعودة لكتاب الدكتور (أحمد شرجي) فإنه يرى ومن خلال الفصل الثالث أن (مايرهولد) سعى بكل جهده إلى تهميش النص الدرامي باعتماده على البيوميكانيك , بالرغم من الحديث الكثير والانتقادات التي تعرض لها (مايرهولد) لكنه حقق ثورة في فن التمثيل باعتماد الفعل العضلي والتقنية الخارجية للممثل وصار للجسد لغته الخاصة ويرسل العلامات للتعبير عن الانفعالات الداخلية , ربما سبق (مايرهولد) زمنه بكثير بهذا الكشف وحتى أنه سبق اكتشاف (روبرت ولسن ) في اعتماد الحركة الحرة والرقص الحر، حيث يعتبر (مايرهولد) من الداعين إلى فن التشكيل المسرحي، ويدون الدكتور (أحمد شرجي) ص 153 ما نصه : ” أراد (مايرهولد) الاعتماد على الجانب الحركي البصري في خطابه الجمالي المسرحي, ولم يحبذ أن يكون الممثل مستجديا للمعاناة، فسعى لاستنطاق الجسد على حساب المشاعر، هنا (مايرهولد) يشير لحاله لازال مسرحنا العراقي يعاني منها بأن الممثل يصرخ ويؤدي بطريقة بكائية من أجل أن يستجدي تصفيق الجمهور وكلمات الإطراء التي صارت ظاهرة منذ عروض الثمانينات وحتى يومنا هذا حيث يتحول الممثل في كثير من الأحيان إلى ( شاعر شعبي) وحتى أن (كوبو) ذكر أيضا هذه الحالة في العام 1924 حينما قال: ” قد ولى زمن الصراخ والحشرجات على المسرح” وممثلنا العراقي وربما العربي في الغالب يمارس هذه الطريقة المملة بالأداء”.

الدكتور (أحمد شرجي) يطرح في الفصل الثالث أيضا طريقة (برشت) ومعارضته للشكل الدرامي الأرسطي الذي يتبنى طريقة التقمص في التمثيل، واعتبر الممثل وسيطا بين الخيال والواقع، الإشارة في ص 164 من هذا الفصل إلى:” يرى برشت – العلاقة بين الشخصية والممثل ليست علاقة تشابه وتقمص، وإنما علاقة تغريب، أي ابتعاد مقصود، بحيث يقوم الممثل بعرض الخصية على الجمهور بدلا من أن يجسدها” في الابتعاد قليلا عن الكتاب، توجد بهذا الخصوص طريقة ربما هي الأنسب للمثل بالرغم أنها مكتشفة في وقت سابق وهي طريقة الروسي اخلوبكوف( المسرح وهم – المسرح لعبة).

في العودة للفصل الثالث من الكتاب سيمولوجيا الممثل يرى (برشت) أن على الممثل أن يتخذ موقفا من الشخصية التي يمثلها وهذا مصداق للممثل المفكر، الممثل الباحث لدى (أحمد شرجي)، والممثل في مسرح (برشت) الملحمي حسب وصف (شرجي) هو من يقوم بمهمة تحويل العلامات المصطنعة إلى علامات طبيعية، ولا وجود لفعل متصل، بل الفعل في المسرح الملحمي هو منفصل وهذا الفعل على وفق تقسيمات الكاتب يمر الممثل بثلاث مراحل:

1/ التعرف على النص والشخصية.

2/ المعايشة بقصد التعرف على الدور.

3/ النظر إلى الشخصية من الخارج …

وبهذا يكون الممثل لدى (برشت) يساند الغاية التي يروم (أحمد شرجي) الوصول لها ( الممثل/ الباحث)

 

عن/ صادق مرزوق (مكتب مجلة الفرجة بالعراق)

 

عن بشرى عمور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.