خشبة المسرح تُسائل الراهن اللبناني برؤى شبابية #لبنان

تنطلق في الثاني من فبراير القادم على خشبة مسرح المدينة ببيروت الدورة الثانية من مهرجان لبنان الوطني للمسرح، الذي تنظمه وزارة الثقافة اللبنانية، بدعم من الهيئة العربية للمسرح، ويستمر حتى الثامن من الشهر نفسه، بعد أن كان مقررا تنظيمها في شهر ديسمبر 2019، لكنها تأجلت بسبب الانتفاضة التي يشهدها لبنان منذ شهر أكتوبر الماضي.

القاهرة – يقدّم مهرجان لبنان الوطني للمسرح في دورته الثانية التي تنطلق الأحد على خشبة مسرح المدينة ببيروت ستة عروض هي: “كوميديا العبابيد”، “ما شاء الله”، “المعلقتان”، “أصل الحكاية”، “شاطر فؤاد” و”مجدّرة حمرا”، تتنافس على جوائز الهيئة العربية للمسرح لأفضل ممثل دور أول، وأفضل ممثل دور ثانٍ، وأفضل ممثلة دور أول، وأفضل ممثلة دور ثانٍ، وأفضل تأليف موسيقي ومؤثرات صوتية، وأفضل سينوغرافيا، وأفضل تأليف للنص المسرحي المحلي، وأفضل إخراج، وأفضل عمل مسرحي.

بين الواقع والفانتازيا

يقدّم عرض “كوميديا العبابيد”، للمخرج هشام زين الدين، وأداء كل من هشام خداج وإدمون حداد وربيع أيوب وأمل طالب وسالي فواز وبيان ضو صورة من صور التدنّي في العلاقة التي تربط المسؤولين بالمواطنين.

مسؤول كان يتجوّل في منطقة بعيدة عن بيروت اضطر إلى استعمال حمام أحد منازل القرية لقضاء حاجته، وإذا بالأهل والجيران وأصدقاء صاحب المنزل يحتفلون بكرسي الحمام، ويحاولون استلهام المعاني والمغازي والرموز من أهمية هذا الحدث الكبير بالنسبة إلى القرية، وتحديدا صاحب المنزل الذي نال شرفا عليه أن يسعد بحصوله طوال حياته.

ويدور عرض “المعلقتان” الذي كتب نصه الكاتب الشاب حسن مخزوم -وهو أول تجربة إخراجية للمخرجة الشابة لينا عسيران، مع ممثلتين شابتين هما يارا زخور وسارة عبدو، يرافقهما ممثل شاب هو طوني فرح- حول فتاتين في مصعد متوقف عن العمل ببناية، إحداهما ممثلة مرتبطة بموعد لإجراء اختبار لدور تؤديه في مسرحية عن شاعرة منتحرة، وهي موجودة في المصعد منذ مدة، والثانية عُلقت توا وتبدو أشد عبثية، فهي عالقة منذ مدة لا تحدّدها. ويكون من سوء حظهما أن المدة تطول، ومن ثم تكونان مضطرتين إلى التعايش مع بعضهما البعض، والتكيف مع ظرفهما ريثما تعثران على حل يخرجهما من الأسر الخانق.

 “أصل الحكاية” تأخذ الجمهور إلى أجواء الأساطير القديمة وسلالة الحكايات بحثا عن الأصل، وتقدّمان مشاهد حيّة للرسم والنحت

تتراوح أحداث العرض بين منحيين، واقعي وفانتازي، وقد أراد المؤلف والمخرجة أن يجعلا الشخصيتين معلقتين بين الفعل واللافعل، تتداعيان، تبوحان، تعترفان، تتألمان، تشكوان، وتسخران سخرية عبثية تكاد تكون سوداء. وآثر حسن مخزوم أن يغرقهما في سيل من الحوار والمونولوغ، القصير والمتقطع، الذاتيين، الوجدانيين والوجوديين.

وتعرض مسرحية “أصل الحكاية”، كتابة وإخراج أورليان الزوقي وإريك دينيو، وإنتاج مجموعة “كهربا”، جذور الحكايات الخرافية وأصولها بين الحضارات المختلفة، من خلال تقنية صناعة الطين والسيراميك، وشخصيتين رئيسيتين تأخذان الجمهور إلى أجواء الأساطير القديمة وسلالة الحكايات بحثا عن الأصل، وتقدّمان مشاهد حيّة للرسم والنحت. ويمزج العرض فنّ الرواية بالرقص وقولبة الطين وتحريك المنحوتات والمواد والصوت.

ويُشار إلى أن “أصل الحكاية” عرض مسرحي شبابي بامتياز، لكنه لا يخلو من روح احترافية عالية، سواء في الكتابة أو في الإخراج أو في التمثيل، أو على مستوى طرح الأسئلة التي تعني الإنسان المعاصر وشؤونه اليومية والوجودية، وكذلك اللعبة المسرحية نفسها وإشكالاتها.

من الخاص إلى العام

يعرّف الموسيقي والمغني والممثل والمخرج المسرحي فؤاد يمين، في عرضه المونودرامي “شاطر فؤاد” عن كثب، وبأسلوب المونولوغ، شخصيته وأبرز المحطات في حياته ومسيرته الفنية ليفضفض عمّا يساوره من أفكار وأحلام وتطلعات نحو المستقبل، وغيرها من الأمور التي تتعلّق به شخصيا، كالتغيير الذي أصاب شكله الخارجي منذ أن خسر الكثير من وزنه.

وهو يفعل ذلك مثل غيره من الفنانين الذين، عندما يقعون في مشكلة ما، يركنون إلى أدوات فنّهم للتعبير عنها، تماما كما الرّسام الذي يهرب إلى لوحة جديدة، والكاتب إلى قصة، والمطرب إلى أغنية، وما إلى هنالك من فنون مختلفة. كما يتضمن العرض، بموازاة ذلك، قصص أشخاص آخرين كان لهم تأثيرهم على مسيرة الفنان فؤاد يمين المهنية والحياتية، ويخلط بين الحقيقة والخيال لتأخذ القصص منحى سرياليا في ظل هذه الأجواء المتداخلة.

وتتقاسم عرض “مجدّرة حمرا”، تأليف وإخراج يحيى جابر، ثلاث نساء من مدينة النبطية في جنوب لبنان هنّ: مريم وسعاد وفطم، يسكنّ في الضاحية الجنوبية، ويروين، على لسان ممثلة واحدة هي أنجو ريحان، قصصهنّ عن الزواج والطلاق والأولاد والطعام والغربة.

“مجدّرة حمرا” يقدم ثلاث نساء يعتصرن تجاربهنّ الخاصة، في جلسة منزلية تكشف الكثير عن واقع يأسره التسليم والرضى، ويتخبط بين سعادة مؤقتة ووجع، وواقع وطفولة معذبة

مريم الكاتبة الحائرة بين العيش في باريس أو في النبطية، تمنح نفسها فرصة أخرى لإعادة ترتيب أوراقها، فهي لا تحب الإنجاب وتفضل عليه الحب، بعد سنوات من تغلبها على زواج انتهى بالتوافق، وترفض محاولة طليقها العودة إليها من باريس مجددا.

سعاد المرأة المعذبة التي رفض أهلها زواجها من حبيبها الأول، وفضلوا عليه اللبناني المغترب القادم لاقتطاف ثمرة شبابها، تعيش معه صراعا عنيفا، وتنفّذ نصائح والدتها الجاهلة حتى تتأقلم مع تعنيفه، ويصبح الضرب وجبة كما هي حال تحضير طبق “المجدّرة”.

وأخيرا فطم التي توفي زوجها وهي في الثالثة والثلاثين، تقرّر بعد عشر سنوات الاقتران برجل آخر، لكنها تقع فريسة استغلال أبنائها الثلاثة لها، ومنعها من إتمام هذا الزواج، فتثور وتضع كامل أنوثتها على المسرح.

النساء الثلاث يعتصرن تجاربهنّ الخاصة، في جلسة منزلية تكشف الكثير عن واقع يأسره التسليم والرضى، ويتخبط بين سعادة مؤقتة ووجع، وواقع وطفولة معذبة.

ويستعرض العمل المسرحي مجتمعا يعيش التناقضات الطائفية، والعادات والأوهام، من خلال هؤلاء اللائي عانين الأمرين جراء سلطة الأهل، والحروب، وتأثير البيئة والأحزاب، والقمع الذي يتحوّل مع الوقت إلى عادة، لا يعود للبكاء نفع فيها.

يذكر أن الدورة الأولى من مهرجان لبنان الوطني للمسرح نُظمت في شهر ديسمبر 2018، حاملة اسم المخرج والممثل المخضرم أنطوان كرباج، وشاركت فيها سبعة عروض مسرحية، ونال فيها المخرج كارلوس شاهين جائزة أفضل عمل مسرحي عن مسرحيته “وهم”.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح