أخبار عاجلة

«خريف».. مشاهد بصرية متقنة تجسد المعاناة الإنسانية

الشارقة:محمد ولد محمد سالم
انطلقت، مساء أمس الأول، بقصر الثقافة في الشارقة عروض مهرجان أيام الشارقة المسرحية في دورته السابعة والعشرين بالعرض المستضاف «خريف» لفرقة أنفاس المغربية، من تأليف فاطمة الهوري، وإخراج أسماء الهوري، وتمثيل فريدة بوعزاوي، وسليمة مومني، ووضع الموسيقى الفنان رشيد البرومي، والإضاءة رضا عبدلاوي، والسينوغرافيا، حنان باري… و «خريف» هو العرض الفائز ب «جائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي عربي» في مهرجان المسرح العربي التاسع، الذي انعقد في الجزائر، يناير/ كانون الثاني الماضي.
جاء عرض «خريف» على شكل مونودراما حركية، رغم أن الدور لعبته امرأتان، لكن إحداهما كانت مجرد تمثيل حركي وتجسيد لأفكار وهواجس وهذيانات المرأة الأخرى، وهي تشبهها تماماً في الشكل والزي، فكلتاهما ترتدي فستاناً أحمر، وقد ظلت صامتة طوال العرض، استعاضة عن الكلام بالحركة، أما الثانية، فتمثل امرأة حقيقية مريضة، تتحدث وتبوح بأفكارها أثناء جريان العرض، ورغم ذلك، فقد ظلت مساحة الكلام والبوح محدودة، في حين أن مساحة الحركة كانت واسعة، وهذا هو سر تميز العرض، فقد نجح في تحويل فكرة المسرحية إلى أداء حركي، وترجم أفكار المؤلفة إلى صورة بصرية جميلة، وقد أحسنت المخرجة باختيار ديكور محدود، مجرد دولاب للملابس في الجهة الخلفية من الخشبة، وكرسي صغير في الوسط، قابل لعدة استخدامات، ما سمح للممثلتين بحرية الحركة، وتركتْ للإضاءة تحديد مساحة اللعب، فكانت تضيق وتتسع حسب الحاجة، وبما يساعد الشخصيتين على الأداء.
تعاني المرأة سرطان الثدي الذي تسبب في بتر ثدييها، وتساقط شعرها، وقد عبرت الممثلة التي تجسد أفكارها وهواجسها، عن تلك المعاناة بأداء جسدي بليغ، فكانت تأخذ ورقة التقرير الطبي الذي حمل إليها ذلك الخبر المشؤوم، وترفعها إلى عينيها وتتمعن فيها، ثم ترتسم على وجهها الصدمة، وتسقط الورقة من يديها، وتتراجع، ثم تتقدم وتنحني، وتمد يدها إلى الورقة من جديد، كأنها تريد أن تتأكد من الخبر الذي تعجز حواسها عن تصديقه، وعندما يأتيها قرار الأطباء بضرورة بتر ثدييها، تتلوى وتتراجع وتطوح بيديها في الهواء، كأنها ترفض القرار، وتمتنع عن الانصياع له.
وقد تضاعفت معاناة تلك المرأة؛ بسبب تخلي زوجها عنها، ونفوره منها، بعد أن أصابها المرض، فكان ذلك أقسى عليها من المرض.. وبين عزيمتها على الرحيل وترك ذلك الرجل وتشبثها بالأمل تعيش لحظات صراع وتمزق أليم، جسده إخراج الممثلة المؤدية للملابس من الدولاب، وتأهبها للمغادرة، ثم رميها وتراجعها عن القرار عدة مرات، ويتخلل ذلك بوح من طرف الممثلة التي تجسد المرأة، على شكل محاكمة لذلك الرجل القاسي الخائن للعهد، الذي تخلى عنها بسهولة، في وقت هي في أمس الحاجة إليه، وفي لحظة تحتاج إلى سمو إنساني يتجاوز النظرة النفعية للأشياء والبشر، ليرتقي إلى الجوهر الإنساني الذي هو عطاء بلا مقابل، لقد أهملها ولم يعد يحس بمعاناتها، وانشغل عنها بحياته وملذاته، وتركها للمرض والوحدة، وتمزقات الجسد الذي يتساقط قطعة قطعة، عبرت عنها الممثلة الثانية بطريقة جميلة عندما أمسكت بالمقص، وبدأت تقطع بهدوء قصاصات من فستانها وترميها، في حركة متأنية ودائبة.
لقد أصبحت غصتها بسبب ذلك الحبيب المنقلب عليها أعمق من معاناة المرض ذاته، حتى أنها تخاطبه قائلة: «علاش ما تكون أنت الورم ديالي؟!.. الورم هو أنت».
أثناء تلك المحاكمة البوحية تخرج المرأة جاكيت زوجها الغائب وتلبسه وتؤدي حركات تحاكي حركاته وهو يتأنق في لبسه، ويتفقد كل مكان من جاكيته، ويمسح على أطرافه استعداداً للخروج، وهو في ذلك مشيح عن زوجته المريضة، التي تراقبه بأسى وعتاب، لا يبالي بها، ثم يتصاعد البوح والغضب لتنزع المرأة المعطف وترمي به أرضاً، وتبدأ في ضربه بقدميها ورميه بالأشياء الموجودة حولها، وتدخل معها المرأة المؤدية في ذلك، فتضرب البدلة وترميها بدورها، ثم تدخل خمس فتيات بنفس هيئة الممثلتين الأوليين، ويبدآن في رمي المعطف بما وجدنه على أرضية الخشبة من أثواب وأوانٍ وغيرها، حتى غطته من ذلك كومة، فأصبحت كأنها جسد رجل مات «رجماً»، وأثناء ذلك تؤدي النساء لوحة استعراضية راقصة، فيها تجسيد للاحتجاج والرفض واللوم والألم، ثم تنسحب الفتيات خارج الخشبة، لتبقى المرأة في معاناتها، فرغم أنها تخلصت من الرجل، لكنها لا تزال تغالب نفس الصراع، فهي تنحني تريد أن تنتشل المعطف، ثم تتركه وتتراجع، وتكرر ذلك.
وفي النهاية تدخل المرأة إلى الدولاب كما خرجت منه لتبقى الممثلة المؤدية، فتباشر جمع أثواب المرأة وتنظيف المكان من كل آثارها، وتضع كل ذلك داخل الدولاب، وتغلقه، ولا تترك خارجه سوى جاكيت الرجل مطروحاً بحال مزرية، وحيداً فوق الكرسي وسط فراغ لا نهائي، لا تريده أن يعود إلى الدولاب، ولا أن يستقر بين أثوابها كما كان، فهو لم يعد جزءاً من كيانها، ولم يعد يعني لها شيئاً، لقد أسقطت الرجل من حسابها، ورمته وحيداً كما رماها، إنها تنتقم منه، وتريه أنها في غنى عنه.
وظفت المخرجة كل عناصر السينوغرافيا برشاقة خدمت العرض، ولم يكن هناك بذخ ولا مبالغة، وساهمت الإضاءة بقسط كبير في رسم صورة العرض، وإعطاء الخشبة حدودها، وعكست الحالات المختلفة، أما الموسيقى فكانت باستخدام آلة العود، ومن خلال الطرب المغربي الأصيل، وقد شكلت فضاء إيقاعياً ملائماً للتقلبات النفسية للبطلة، وكانت تسرع حين تشتد ضربات قلب البطلة، وتتدفق مشاعرها، وتتراخى وتهدأ حين تهدأ البطلة كذلك، وقد تفادت المخرجة الوقوع في فخ الملل الذي يحاصر عادة العروض المونودرامية، بالتقليل من التكرار، والاقتصار على الفكرة الرئيسية، وتقليص عنصر الزمن إلى أقل من ساعة، فحافظت بذلك على رشاقة عرضها وسرعة إيقاعه.

http://www.alkhaleej.ae

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.