خبأ الموت تحت جلده، ومضى على ثقافة الحياة

لم يلبث برج فازليان (1926 ــ 2016) يتردد إلى صفوف الجماهير الشعبية. ابن العائلة الميسورة، امتلك القوة اللازمة لكي يشتري حياته، لأكثر من مرة. تحت هدوء الرجل عرق كثير، خوف كثير، نضال كثير، حياة عمّدها بحب الحياة. يروي الرواة أنه ما فكر في كسر الطوق الحديدي في اسطنبول، إلا بعدما أكد له أحد الأساتذة في كلية الفنون أن لا ضمان بعد. لا ورقة تكفل حياة الأرمني، الطويل القامة، ذي الجاذبية الناضجة. في كلام الأستاذ نكهة الموت. خبأ الفتى الموت تحت جلده، ومضى على ثقافة الحياة ــ عبر الموت ــ إلى الحياة الجديدة. يروي الرواة، وبرج على رأس الرواة هؤلاء، أنه ترك عباءة المسرح هناك. ترك ثيابه الفاخرة. وحين سافر على حمار من تركيا إلى سوريا، في الجبال والأودية، أضحى الصبي القادم من عالم الغرب. أكل فاكهة الهواء وشعب الطرقات. وإذ وصل إلى الحدود اللبنانية، وجد نفسه في مدينة من الشعر. النزول في بيروت منزلة، قال لي. دونت سيرته كاملة في «هم» (دار الآداب). روى صلته بالمسرح والحياة وكتبت ما روى. مسرحي شعب وطبقة.

جهز للرحلة مع بعض أرمن بيروت. وجدهم كاللسان في انتظاره في العاصمة. مذّاك، راح حضوره يرتفع. كما ارتفع صوته الجهوري. صوت صرف، ساهم صاحبه في كتابةِ سوناتات المسرح في لبنان. في التسعين، قرر رجل القوى الكامنة، الرحيل عن بيروت، بدون أن يتفق مع أرمن عاصمة أخرى. ترك متاعه خلفه، كشعره الطويل، غير عابئ بآلاف الأفئدة المفجوعة بالرحيل. غادر أبرز عراة الإعلام، عاري البدن، إلى بلاد الكسوة الآخرة، كما تفعل الأشهر، شهراً بعد شهر. أبرز عراة الإعلام، لأن الإعلام لم يف برج فازليان حقه، لأنه ليس صاحب زمن هجومي ثقيل. وجدوه على الحياد بين الفجر والمساء. تركوه هناك، حين راحوا يبرقون على الآخرين الواقفين على تخوم ما لا تجدي صلاة معه. تركه الإعلام كغريب في عهدة غرباء. إلا أنه بعظامه، الأقرب إلى خشخشة الرعد، انتصب كصبيحة، لم تلبث أن أعلنت بغضها لكل حب مأجور. لم يُدجَّن الرجل بسطوة مولى ولا قائد ولا زعيم. وإذ اهتزت الهندسة المعمارية للبنان الكوسموبوليتي، حلم بكتابة عهوده الجديدة في كندا. ما افتخر يوماً بالهجرة، ولو أنه وجد الهجرة عقلاً ثانياً في مواجهة الحرب وأمراء الحرب وتصاعد الفوضى في الكوسموس المحلي المتداعي. أنشأ إذاعة هناك. بقي في كندا طويلاً، لأنه ما أراد أن يبحر على متون سفن الهرطقة المحاربة. إلا أن غشاء قلبه، بقي هو هو، بدغشه الذهبي. قضت الإقامة الجديدة على كل الأحلام برؤية باطن فجر اللغة العربية، على لسان الرجل الطري. لم يتكلم العربية، لا لأنه وجد فيها الشر الكامن، بل لأنه استصعب ما نسبه إلى علم ميكانيك الروح. وإذ عاد، لم يجد جداوله السمفونية إلا باللغة الفرنسية. العربية لغة الحب المفقود. الفرنسية لغة التحليقات. ضحك، كرئيس دير، حين نبهته إلى أنه لا يزال في الخطوة الأولى، في الصنيع الوحشي الأول للغة العربية. مسلح بالفرنسية، نام الرجل وأفاق على اليقين الأول الخاص به. أن لا بر له إلا بر أرمينيا، وأن طلقته النارية المتواصلة هي فرنكوفونيته، وأن لا جسور في حياته إلا جسور المسرح. المسرح عتاده. لا شيء إلا المسرح وبعض الأصدقاء، لا أولهم جلال خوري ولا آخرهم جيرار خاتشريان وأسامة العارف.
لطمة صحوه في المسرح، بعد العديد من الأعمال الأشبه بالتيارات المائية، «الزنزلخت». لم يمل حضوره على المسرحية ــ العلامة. لجم ممثلو المسرحية خطو عصام محفوظ في إخراجها. جاؤوا، إثر ذلك، إلى برج فازليان. دقوا بابه عليه. وحين استشعر النواح الطويل في وجوه القاصدين، منهم فيليب عقيقي وريمون جبارة، غرز فازليان عينيه بالنص. وقف بحزم في قلبه. ترك خيطان المسرحية في فضائه، كما يفعل طفل بطائرته الورقية.
بشري بذاكرة عريضة، خلَّف أشباح الهجرة والاحتلال خلفه، لكي يساهم في كتابة عهد الأغارقة المسرحيين في بيروت، كإنجاز من الإنجازات الأولى للثورة البورجوازية في لبنان، حيث فتحت الثورة أبواباً جديدة، واسعة، للمستقبل. حضرت إذّاك القوالب الكلاسيكية والجديدة في لبنان. لا أخيلة في مسرحه لأن مسرحه مسرح واقع. ثمة عشب على مسرحه، لا حلوى. لكل مسرحية نشوتها. حققت سلسلة المسرحيات نبوءته، برفع المستوى الثقافي للمسرح والمستوى الثقافي للناس. الأرمن أولاً، على ما روى، ثم اللبنانيون. إذ انشغل بداية بإنقاذ ثقافة شعبه المطرود من بلاده، على طرقات المجازر. مجازر لم تفرق بين النوم والموت. أسس «فرقة فاهرام بابازيان». انضم إلى «حلقة المثقفين الأرمن». ساهمت الحلقة في تأسيس «فرقة الخشبة الجديدة» مع فازليان. نهض مسرحه من جذور شعبه إلى شجر العالم. لم يرمِ فازليان ريحه الهادرة في قفص. ترك الريح للريح، ترك الريح في الريح. «هدرة ريح» واحدة من علاماته. جاء إلى مسرحية للأخوين رحباني. طلب من الممثلين أن ينحنوا على هدرة ريح، لأن الكلمة أشكلت عليه.
بدَّل هدرة بحضرة. أول ما خطر له أن ينحني الممثلون احتراماً للحضرة، بالحضرة. يقال حضرتك، قال برج. لم ينته الأمر هنا، لأن الحادثة ما عادت حُلاً منه، منذ ذلك الزمن البعيد. هبوب. هبوب ظرف، هبوب ريح على خيام عربية تطير في فضاء لغته الفرنسية الممتازة. ظرفه ربيعه. ربيع دائم. لم يخجل من خطأ مفعم بأصوات ارتطام الحصى بالماء. يروي الرواة الحكاية. روى فازليان الحكاية على مضامير سباق خَيل حياته، جامعاً الرواية بالسرور. سرور بلا عقد. لا عقد في حياته لأنّ لا حلفاء ولا تحالفات في حياته. لا شيء سوى حصيد ذكريات، نبهت إنسانية الآخرين إلى كل ما هو رخيص في حيواتهم، بدون تنبيهات مباشرة. أقول الآن إن الرجل مزارع مسرح نبيل، إن الرجل تروبادور الأرمن في لبنان وسائر المشرق. بطرك الأرمن المسرحي ومنشد شكاياتهم، كما لم يفعل مغني شكاية في العصور الغابرة.
مسرح برج فازليان أحكام يسكنها مئة ألف شخص. أحكام غير باطلة. لم ينقرض، لأنه لم يهمل ثقافته الخاصة في محبة الآخرين. عند الآخرين، كل مرحلة مخيم إلا برج فازليان، حيث لم ينفك يُحدِّث عن جمهوريته لا عن الجمهوريات الأخرى. كل العواصم غير عاصمة بلاده وبيروت، قرى. قيّض للرجل أن ينعتق من روح «الآخر» البدائية، ثقافياً واجتماعياً وفكرياً، على صحن إنسانيته الواسع، العريض. وجد الآخر، في المسرح ما يوازي مكانة المصارعين والأبطال، إلا هو. وجد فيه مساحة تقاليد الإنشاد الطيب والإحياءِ العظيم. جمعِيّ الروح. أقام «نواة المسرح اللبناني» عام ١٩٥٣ مع أندريه جدعون وشريف خزندار. تسعونه، شبه تسعين ميخائيل نعيمة، حافلة بالعناوين على رؤوس الأشهاد. «لعبة الختيار» و»كوميديا الأغلاط» ونصوص من ألفريد دو موسيه وبن جونسون (فولبوني) والكندي روبيرغوريك (حبل المشنوق) وإدوار البستاني (جبران/ باللغة الفرنسية). نص من ليفون شانت (آلهة قديمة)، «اللعب على الحبلين» لشوشو. أخرج للكل، مثل الكل (لصباح)، كوكالة أخبار مسرحية، بقلب اليقظة الدائمة.
يروي الرواة أنه أقام في الفاصلة الكبرى في الحياة الثقافية في لبنان. مسرح الأخوين رحباني. يروي بعضهم أنه مستشارهم. يروي بعضهم أنه أخرج بعض أعمالهم المسرحية. «بياع الخواتم»، «هالة والملك»، «يعيش يعيش» (إخراج صبري الشريف)، «لولو»، «ميس الريم». سواء أو سواء، وجد الجميع شمسهم، في صالات مطارحهم المغلقة. فتحوا الفضاءات المغلقة على العالم، بكل شجاعة. شجاعة فازليان مضاعفة. من بلاد قوية إلى بلاد فتية. اشتغل، بلا أوهام، هنا وهنا. لأن الهناك هنا عنده. وبالعكس. حريص على تعريف الناس ِبالمسرح، بكل الحالات. سعادته الشاملة في العمل المنتج. بقي الرجلُ سعيداً، إذا ما قسنا حياته على المعادلة هذه. بهجة وشخصية ونشاط. سوف نُحرم العناصر هذه، بفقدان برج فازليان. رجل الفجرِ المسرحي. رجلُ تهذيبِ المسرح، بقوةٍ لا تُخنق.

عبيدو باشا
الاخبار اللبنانية

عن عبد الجبار خمران

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.