خادمتا جواد الاسدي في باريس

 
محمد سيف – مجلة الفنون المسرحية
بعد النجاح المنقطع النظير الذي حققه مؤخرا، المبدع الكبير جواد الاسدي، في العراق من خلال تقديمه مسرحية تقاسيم على الحياة، المستوحاةعن قصة عنبر رقم 60 لتشيخوف، يطير الاسدي، مباشرة الى باريس، لكي يقدم الخادمتان لجان جينية، ربما ليس بالطريقة التي ارتاها جينه نفسه لمسرحيته، لأنه وبكل بساطة، قام بحذف دور السيدة من العرض كجسد ولكن ليس كروح، لأنه جعلها تحضر كشبح، او بالأحرى ككابوس لا ينفك عن الحضور من خلال شخصية الخادمتان وباستمرار، الى الدرجة التي جعلت الأخت تقتل اختها لكي تحقق رغبة لطالما عجزتا عن تحقيقها أو الوصول اليها. لا نريد ان نخوض الان، في تفاصيل هذا العرض على الأقل في الوقت الحاضر، وسنترك الامر ربما لمقال مفصل طويل.
ان ما استرعى انتباهنا في العرض الذي قدم ليلة البارحة، حضور المخرج الكبير جواد الاسدي، من خلال القيمة الإنسانية التي كانت مهيمنة على طول العرض، ونقصد بالقيمة الإنسانية (الممثلتين)، فعلى الرغم من صغر المكان الذي فرض اكراهات كبيرة على فرجوية العرض، من خلال اختزال الفضاء، والسينوغرافيا، والاضاءة، ببعض الاكسسوارات، كان هناك جمال الممثل الذي لا يمكن ان تتجاوزه الخشبة وفضاءاتها السحرية، وهذا ما يؤكد مرة أخرى، على ان بإمكاننا التخلي عن كل شيء إلا عن القيمة الإنسانية وليس التكنولوجية. لا سيما ان المخرج جواد الاسدي معروف في جميع اشتغالاته المسرحية بقيادته وعنايته وتثويره لممتلكات الممثل الذي هو روح العصر مثلما يقول شكسبير. كان العرض حميميا الى درجة جعلت المتفرج يغرق فيه ويتفاعل معه بطريقة تدعو للتساؤل: هل السينوغرافيا والرقص والفن التشكيلي والتكنولوجية بكل وسائطها الحديثة، قلصت حقا من قيمة وجمال الممثل وحركاته؟ يصعب تماما الإجابة على مثل هذا التساؤل بهذه العجالة، ولكن الذي خرجنا به من مشاهدتنا “لخادمتان” جواد الاسدي، ان الممثلتين (جليليه التلمساني ورجاء خرماز)، كانتا من الاقناع والتواطؤ والحضور والجودة، جعلنا نحلق في عوالم جان جينه على الرغم من عدم حضور السيدة المرتقب في النص.
بلاشك، لقد شاهدنا ليلة امس خادمتان جان جينه بكتابة ركحية خاصة جدا بجواد الاسدي، كتابة اثارت الاضطراب لدى الجمهور، من خلال تغير الأدوار، والمسرح داخل المسرح، وغياب الواقعية، والعنف الشديد. في هذا العرض، وفي نهاية هذا الطقس المسرحي المعد بشكل جمالي، كشفتا الممثلتان لنا عن التوتر الدرامي، وجعلنا الاسدي نحضر معرض للغضب ولكراهية الأخت لسيدتها التي لعبت دورها الأخت الثانية، مثلما حضرنا ثورة الخدمتان، والعلاقة الغامضة بين الشقيقتين: الحب، الكراهية، وانصهارهما ببعضهما البعض، بحيث كان مشهد الموت، الأخير، مؤثرا جدا وملتبسا في آن واحد. 
فشكرا لفريق العمل ولفرقة دوز تمسرح على المتعة التي منحونا إياها.

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.