حين يصرخ الكومبارس!- بقلم: د.سعداء الدعاس

بقلم: د.سعداء الدعاس – رئيس قسم النقد والأدب المسرحي

بخلاف الاهتمام الذي يحظى به الممثل عادة، يعاني «الكومبارس» من التجاهل التام على جميع المستويات، حتى على مستوى المعاجم والقواميس التي لا توليه أهمية في الشرح والتفسير، في المقابل نلاحظ أن معظم العروض المسرحية تعتمد على هذه الشخصية بصورة كبيرة، وتوظفها عبر عدة وسائل متحركة وثابتة، ناطقة وصامتة، فرادى أو مجاميع.

ورغم إيماننا بأهمية الدور الذي يلعبه الكومبارس في العرض المسرحي، فإننا في المقابل ندرك أن منحه دورا أكبر من الدور المعتاد، بسرعة خاطفة، قد يعود على فريق العمل بنتائج عكسية، خاصة حين يتناسى المخرج ضرورة تأهيل ذلك الكومبارس لتلك اللحظة الحاسمة بصورة تدريجية، وهذا ما حدث بعد انتهاء بروڤة أحد العروض المسرحية، التي حضرتها مؤخرا، حيث فوجئت كما فوجئ الحضور، بتهجم الكومبارس على بطلة العرض، بالصراخ والعويل، بمساندة من زميلته (ممثلة ثانوية)، والتي ظلت تصرخ بأسلوب لا يمت للأنوثة في شيء.

وبعيدا عن قناعتي الشخصية بأن التهجم على «امرأة» ليس من الرجولة في شيء ـ وهو أمر لا جدال فيه ـ وبعيدا عن سعادتي بموقف البطلة التي حافظت على كينونتها كامرأة واحترامها لذاتها بابتعادها بهدوء عن ذلك التراشق، إلا أنني توقفت طويلا أمام انفعالات ذلك الممثل، حيث لاحظ الجميع أنه أخذ يصرخ بوجه محتقن باللون الأحمر الفاقع، بتقاطيع مرتجفة يتصبب منها العرق مما يؤكد القلق الذي يسكنه، وهذا ما يتناقض وعلو صوته الذي وصل إلى أبعد مدى، وهكذا كانت زميلته أيضا، التي لم تتمالك أعصابها، وصارت تصرخ وتشيح بيديها كمن تؤدي دور بائعة خضار في سوق شعبي.

تفاصيل الواقعة جعلتني أشعر بالفضول لمعرفة خلفيات الأمور، فلا يمكن لتلك الانفعالات أن تصدر عن شخصيات متزنة، ولا بد أن يكون هناك دوافع تصل بالإنسان إلى هذا المستوى من الغضب، لأن الصراخ دائما «على قدر الألم».

بعد فترة طويلة، علمت أن أسباب الخلاف مصدره تلك الممثلة الثانوية، التي سعت كثيرا للبطولة دون جدوى، والدافع الحقيقي لتورط الكومبارس في تلك الحادثة، أنه لم يلعب دورا أساسيا في حياته قط، فاستغلت زميلته نقطة ضعفه تلك، وأدارته كما تدار عرائس الماريونيت، بالتحريض ضد زميلتهما (البطلة) المعروفة بهدوئها وانشغالاتها ونجاحاتها، وهنا شعر هذا الكومبارس بأن اللحظة الحاسمة قد حانت، الأمر الذي جعله يبذل قصارى جهده وقدراته الأدائية للقيام بدور البطولة للمرة الأولى في حياته ـ حتى وإن كان خارج خشبة المسرح ـ فتشنج، وأزبد وأرعد.. عله يحظى بإعجاب المجموعة المحيطة به، أملا في إعطائه دور البطولة في المرات القادمة!
تلك الواقعة، ذكرتني بآلية العمل التي ينتهجها معظم المخرجين مع المجاميع أو عناصر الكومبارس في مسرحياتهم، بعضهم يولي مهمة تدريبهم إلى مساعد المخرج، وبعضهم الآخر يتجاهلهم تماما، ولا يتذكر وجودهم إلا قبل العرض بأيام قليلة، متناسين أهمية هذا الدور، الذي يكاد يكون مفصليا في بعض الأحيان، فكم من كومبارس أربك عرضا مسرحيا بأكمله؟! بسبب ضعف أدائه، وفي المقابل كم من كومبارس أجاد دوره فأصبح واجهة العرض الأولى.

قد يعتقد البعض أن المخرج لا علاقة له بتلك الواقعة، كونها بعد انتهاء البروڤة، إلا أن التشنجات التي أصابت الممثل (الذي ظل يحاول التقاط أنفاسه بعد الحادثة بفترة طويلة)، تدلل على أنه لم يمر بأي مرحلة من مراحل التدريب (الجسدي أو النفسي)، في حين كانت البطلة مسيطرة على انفعالاتها، الأمر الذي يؤكد مرورها بمرحلة تدريب جيدة.

التمثيل فن أساسه السيطرة على الانفعالات (داخل العرض أو خارجه)، والممثل بحاجة إلى مخرج يجيد أدواته، لأن بناء الممثل الحقيقي يبدأ من البروڤة، ويستمر إلى مرحلة الخشبة، وذلك عبر عدة تمارين عملية، وليست مجرد كلمات مكررة ومحفوظة كتلك التي كتب عنها عميد الأدب العربي  د.طه حسين في تناوله لقضية «التلقين»، وهي إشكالية تحتاج الى مقال خاص.

 

المصدر : الأنباء

https://www.alanba.com.kw/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح