حوار مع المخرجة الروسية لاريسا أفاناسييفا المديرة والمؤسسة لفرقة “أوبسالا للسرك المسرحي” بسانت بطرسبرغ #روسيا حاورها: أمير فريك

حوار مع المخرجة الروسية لاريسا أفاناسييفا

المديرة والمؤسسة لفرقة أوبسالا للسرك المسرحي

بسانت بطرسبرغ #روسيا

حاورها: أمير فريك

 

“أطفال المدارس الإصلاحية بالأمس، يتحولون إلى فنانين محترفين في مؤسسة – أوبسالا للسرك المسرحي اليوم”

بعد مرور أكثر من عشرين سنة من المثابرة والإجتهاد، تمكن أعضاء فرقة أوبسالا للسرك المسرحي، من صنع مكانة محترمة في الساحة الفنية الروسية بقيادة مديرة المؤسسة السيدة “لاريسا أفاناسييفا”. هي ليست فقط حكاية فرقة ولدت من رحم الأزمة، بل هي قصة جيل كامل وضعه القدر في مواجهة مباشرة مع حيثيّات التفكك السياسي والمجتمعي في بلده الأم، لكنه لم ييأس بل واصل المسير إلى أن صنع مستقبله من لا شيء وبيدين عاريتين. في الحقيقة، دافعي الوحيد لمحاورة المخرجة “لاريسا أفاناسييفا” ونشر هذا المقال حول تجربة فرقة “أوبسالا”. هو أن تُعمم الفكرة وتُؤخذ كنموذج يُقتدى به في أوساط الممارسة المسرحية في دول شمال إفريقيا والمشرق العربي.

أولاً، كيف كانت إنطلاقة “أوبسالا” المشروع ؟

البداية كانت في سنة 2000، أي مباشرة بعد إنقضاء سنوات التسعينات. ورجوعاً إلى التاريخ، كانت سنوات التسعينات من أصعب الفترات على روسيا من الناحية السياسية والاقتصادية بعد تفكك الإتحاد السوفياتي، مما أدى إلى تدهور إجتماعي رهيب أثر على كل الفئات خاصة الأطفال. إذْ إنتشر التشرد، الإنحراف للجريمة، رفض التعليم، .. إلى أخره. فرقة “أوبسالا للسرك المسرحي” نشأت خصيصاً من أجل تلك الفئة من الأطفال، حيث قمنا بإستقطاب أطفال الإصلاحيات وغيرهم من ضحايا الأزمة في تلك الفترة، لإعادة تأهيلهم والحرص على إعادة دمجهم في المجتمع من جديد عن طريق التربية الفنية الإبداعية، وذلك من خلال تقديمهم إلى عالم مليء بالألوان والحركة والحلم والأمل. وكذلك من خلال العمل على توحيد عوالم العقل العاطفي، الحركة الجسدية، والتوازن النفسي لديهم. ومنه كان توجهنا الفني -كمؤسسة (Company)- في المزج بين عالميّ المسرح والسرك.

لماذا السرك ولماذا المسرح ؟

السرك عالم محايد لا يهتم بتوجهاتك السياسية أو أيدوليجياتك الدينية ولا حتى إنتماءاتك العرقية، فهو ملاذ الجميع من أجل الفرجة والتعبير الحرّ، أما المسرح فهو الجامع بين مختلف أساليب الفنون والتعبير الإبداعي بصفة عامة. لذلك من الطبيعي أن تحقق تركيبة مزج المسرح والسرك معاً، أهداف المؤسسة القائمة على التوازن الاجتماعي والتوازن الفكري والفني.

ما هي خلفياتك التكوينية وتوجهاتك الفنية قبل إنشاء المشروع ؟

تكويني الأساسي هو المسرح في تخصص الإخراج، ورغم أنني لم أملك الخبرة الكافية ولا التكوين الأكاديمي في مجال السرك آنذاك، لم يمنعني الأمر من خوض التجربة. فقد إستعنت بزميل لي هو شريكي في إقامة المشروع في الحقيقة، السيد “ياروسلاف ميتروفانوف”. وقمنا معا ببناء المشروع من الصفر، حيث تبادلنا الأفكار والخبرات في بناء قاعدة المؤسسة سواءاً من ناحية التكوين الفني أو إنتاج العروض

في أي جهة تُصنف إنتاجات المؤسسة ؟ هل هي إجتماعية أكثر أم هي ثقافية بالدرجة الأولى ؟

إنتاجات المؤسسة متوازنة بين التوجه الاجتماعي والفني في الحقيقة، فهي تتأرجح بين الاجتماعي والثقافي. ونحن حريصون بصفة جد مدروسة على أن لا يكون جانب غالب على أخر. فنحن نبتعد كل البعد عن الصورة النمطية في القيام بالأعمال الاجتماعية، وفي نفس الوقت نتحاشى التعمق الفني المبالغ فيه والذي قد يلغي الصدق في كثير من الأحيان، ليبث مكانه صفة الغرور أو التصنع في تقديم المنتج. الهدف الأساسي من فرض التوازن هو التشبث بعوالم النقاء والصدق من أجل خلق عمل فني مميز، قريب من أرواح المشاهدين والمشاركين في نفس الوقت.

ماذا عن عرض “ريشة” هل تم تصميمه بنفس ذلك التوجه ؟

بالنسبة لعرض “ريشة” الأمر مختلف نوعاً ما، لأن أطفال البارحة هم مؤدون محترفون اليوم. بعد مرور عشرين سنة على إلتحاق الدفعة الأولى من الأطفال في سنة 2000، تطورت طاقاتهم وتكنيكاتهم الأدائية وهو أمر طبيعي بعد تراكم خبرات كل تلك السنوات بين الأداء والتكوين. لذلك فالجانب الفني لعرض “ريشة” متغلب على الجانب الاجتماعي فيه، وقد قمنا كفرقة بالإشارة إلى الجانب الاجتماعي من خلال إستعراض جزء من التجارب الخاصة من حياة المؤدين أنفسهم عندما كانوا أطفالاً في مواجهة الصعوبات. وكأنها رسالة نقول من خلالها نحن هنا الأن لانزال أقوياء بعد أن تخطينا كل تلك الأزمات. وهو التحدي الحقيقي بالنسبة لنا. هذا من جانب، أما الجانب الأخر من التجربة والذي يفسر لماذا الإختيار الفني غالب على الاجتماعي في هذا الإنتاج بالذات، هو زيادة إحتياجات أطفال البارحة بالموازاة مع إستمراريتهم في النمو، فهم الأن شباب يبحثون عن فرصهم في الحياة أيضاً من خلال فرض وجودهم كفناني سرك مسرحي محترفين.

هل كل المشاركين في عرض “ريشة” من الأطفال الذين إلتحقوا بالمؤسسة في الماضي ؟

أغلبية المشاركين في عرض “ريشة” إلتحقوا بالمؤسسة في سن السابعة أو الثامنة، وكل واحد منهم له حكاية وظروف خاصة فرضت عليه إختيار التواجد بيننا. لكن هذا لا يمنع أن الفريق متفتح على الأخر أيضاً، وقد يمنح الفرصة لأي فنان يضيف للمجموعة. مثلا المؤدي “أليكسي بوبوف” كان عنصراً فعالاً في المسرح الجسدي خارج الفرقة، وعندما إلتحق بالمؤسسة كان دافعه الشغف للمشاركة في تجارب فنية مختلفة قد تضيف إلى خبرته وإلى مسيرته الفنية.  

هل المؤسسة متفتحة على تعاونات وإشتراكات إنتاجية خارجية لتبادل الخبرات ؟

المؤسسة قائمة على جانبان في الحقيقة، جانب التكوين وجانب الإنتاج الفني. لذلك أي جهة قد تتوافق معنا في هذا الخصوص سنقابلها بالقبول، إذا توفرت الظروف المناسبة للعمل طبعاً. نحن كمؤسسة مستقلة مستعدون للخوض في أي تجربة مهما كانت مختلفة، وذلك لإثراء المعارف وتبادل الخبرات وكذلك للإضافة للممارسة الفنية بصفة عامة.

هل المؤسسة تحظى بدعم حكومي ؟

المؤسسة مستقلة تماماً وليس لها أي صفة إنتماء إداري أو تمويلي من الحكومة الروسية. بصورة أوضح، نحن لا نتلقى أي دعم مادي من الحكومة. في البدايات كنا نقوم بعروضنا في الشوارع بحثا عن الدعم الاجتماعي والاعتراف بتواجدنا كمؤسسة أو فرقة أدائية. قضينا ما يقارب ثلاثة عشر سنة في شوارع روسيا، قمنا فيها بالعديد من العروض حتى كوننا قاعدة جماهرية تدعم تواجدنا. بالإجتهاد الخاص، العمل الشاق والمثابرة فقط تحصلنا على كل ما نملكه الأن، بداية من هذا المبنى الذي يحوي الإدارة وقاعات التدريب، إلى المسرح في شكل خيمة السرك كمقر وبيت يأوينا ويحتوي إبداعتنا الفنية، إلى المدرسة التكوينية التي نعمل على إنشائها لدعم الأجيال القادمة التي تطمح إلى ولوج هذا المجال عن طريق تكوين أكاديمي محترف.

ما هي طريقة عمل المخرجة لاريسا أفاناسييفا في تصميم وإخراج العروض ؟

عن طريق الورشات الإبداعية في شكل (Labo)، لأن علاقتي بالفريق تخطت علاقة المخرج بالممثلين، فقد كنت الرقيب والمرافق والمعلم بالنسبة لهم طيلة كل تلك السنوات. نحن نتشارك، نتناقش، نتكامل في بناء كل جزئيات العرض سواءاً من الناحية الجمالية التعبيرية أو التصميم، وصولاً إلى الحكاية التي نرويها بتوظيف كل ذلك. إشتغلنا على عرض “ريشة” لأكثر من سنة، بنفس النسق والإيقاع العملي الذي أنتجنا به العروض الماضية. في مراحل بناء عرض “أحلام بيروسماني” مثلاً، تنقلنا إلى جورجيا تحديدا في المناطق الريفية والقرى النائية بأعالي الجبال، عشنا فترة مع السكان وأكلنا معهم على الموائد. كل هذا ليتعرف المؤدون في العرض على البيئة التي نشأ فيها الفنان التشكيلي “نيكو بيروسماني”. وقد قمنا وقتها بخلق تفاصيل العرض من خلال الإنطباعات العاطفية التي كونها الفريق بعد فترة المعايشة تلك. فرقة “أوبسالا للسرك المسرحي” لا تقوم بتحضير العروض بطريقة كلاسيكية لأن السرّ يكمن في شرارة الإحساس أولاً، إذا تحرك شيء ما بداخلنا فهو الإشارة الحقيقية لبناء العرض دون حسابات أو تحضيرات مسبقة، لأننا نعمل لنخطئ ومن أخطائنا نتعلم، قد تتوفر برامج وجب إتباعها أحيانا، لكن بالنسبة لنا هي مجرد خطط تعكس أحلامنا المستوحات من نفسياتنا والتي نسعى جاهداً لتحقيقها على خشبة الواقع.

ماذا عن مشروع “متمردون من أجل السلام”، ما هي تفاصيله ؟

“متمردون من أجل السلام” (Rebels for Peace) هي ورشة تكوينية إجتماعية فنية أُختتمت بإنتاج عرض يحمل نفس العنوان، وقد شارك في الورشة عديد الأطفال من ضحايا الحروب في العالم، ومن دول عديدة منها أفغانستان، سوريا وباكستان. إذْ تم مواجهتهم بأطفال روس في مثل سنهم لمناقشة وجهات نظر عديدة حول موضوعات مختلفة وجوانب متنوعة من الحياة، وكانت إنطلاقة الحوارات في بينهم من فكرة ضرورة التسلح في العالم. وبينما كان الأطفال الروس فخرون بالقوة العسكرية التي تملكها البلد، عبر ضحايا الحروب عن رفض الفكرة وإلغاء التسلح الذي يعتبر وسيلة تدمير لكل ما هو جميل في الحياة. المشروع جمع بين عوالم السرك والمسرح التوثيقي، حيث تم الإعتماد على الخلفيات التصويرية من الأرشيف التاريخي. وكان الهدف الأساسي من إقامة الورشة هو التعبير الفني العلاجي لضحايا الحروب من الأطفال الذين شهدت بلدانهم حروباً مدمرة، وكذلك للأطفال الروس من أجل التخلي عن الفكرة النمطية (Stereotype) حول الآلة الحربية.

من الناحية الفنية، ما هي مرجعيات المخرجة لاريسا أفاناسييفا في المسرح ؟

نحن نطلق إسم “الهوليغانز” على أعضاء فرقتنا، وهذا كافٍ للإجابة على هذا السؤال. بالرغم أن تكويني المسرحي كان أكاديمياً يرتكز على نظام ستانيسلافسكي وقواعد مايرهولد حول البيوميكانك. إلا أنني تمردت على كل ذلك لأن عروض الشارع كانت مصدر إلهامي الأول. بالنسبة لي أبحاث ستانيسلافسكي أو منهج مايرهولد، هي نماذج خُلقت في أوقاتها وأخذت مساحتها تاريخياً كتجارب، فهي تقاليد وجب إحترامها، ولكن ليس لدرجة التمسك بها بصورة مبالغ فيها. المسرح هو اليوم، ومسرح اليوم هو كل ما تعكسه نفسيتي وأفكاري على الخشبة اليوم.

ما هو غد أوبسالا للسرك المسرحي بالنسبة لك كـ رؤية؟

أن يبقى حراً دون الرضوخ لأي قيود.

___________________________________

حاورها أمير فريك – مخرج جزائري مقيم في روسيا

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح