أخبار عاجلة

حنين للمسرح الهزليّ في لبنان الحزين #لبنان

بيروت- إسراء حسن

 

يتعايش الفن المسرحي اللبناني مع ظروف قاسية يمرّ فيها لبنان، ليبقى متنفّساً للإبداعات الفكريّة التي وُلدت من نسيج واقع معيش. لعلّ العصر الذهبي لهذا المسرح كان في عزّ الحرب الأهلية، إذ دأب اللبنانيون والعرب على الذهاب إلى المسارح كي يشاهدوا مجريات الأمور بنفَس ديموقراطي حرّ بكلماته ومصطلحاته، وكان للمسرح «المغنّاة» أو ما يطلق عليه «الشانسونييه» ثقله في الوسط الفني جاذباً إليه السياسيين والمشاهير الذين لم يزعجهم سماع النقد والسخرية التي تطالهم. جذور مسرح الشانسونييه فرنسيّة، وعمرها أكثر من 150 عاماً. انطلق المسرح من موضوعات انتقادية هادفة، وكان العاملون فيه يُترجمون وجع الناس الاقتصادي ويجولون حول القصور وأمام صور الملوك والأمراء في العهد الملكي الفرنسي، حاملين آلة الغيتار، حيث كانوا ينشدون ويؤدّون اسكتشات تحاكي الأوجاع فيعالجونها بضحكة مسلّطين الضوء على هذه المشكلات الحياتية التي كان يعانيها المواطن. أول المسارح تطوّر هذا المسرح بعد تأسيس المسارح الثابتة في فرنسا، ولا يزال موجوداً إلى اليوم مثل «مسرح الساعة عشرة» Theatre De Dix Heures الذي اقتُبس منه الاسم نفسه في لبنان، فتأسس أول مسرح للشانسونييه في لبنان خلال ستينات القرن الماضي، وجاءت بعده فرقة «لي سيغال» لإيفيت سرسق ووسيم طبارة اللذين أمّنا ركيزة مهمّة في مسرح الشانسونييه، وكان للممثل اللبناني أندريه جدع فرصة العمل معهما منذ بداياته إلى جانب كل من بيار شمسيان وليلى أسطفان، فتشرّب ما يمكن أن يسمّى بالشانسونييه الأصلية. حرق الأفكار يروي جدع لـ القبس يوم حضرت فرقة «مسرح الساعة عشرة» الفرنسية إلى لبنان لمشاهدة عرض الفرقة اللبنانية التي كان عضواً فيها، ويقول: عندما شاهدوا العرض اللبناني المقدّم على مدى ساعتين، توجّهوا إلى اللبنانيين وقالوا لهم إنّ «اسكيتشا» واحداً من العرض يستغرق معنا سنوات لإعداده، فكيف تحرقون كل هذه الأفكار في مسرحية واحدة؟. يتابع جدع «للاسف بعد هذا العصر الذهبي، توجّه البعض في لبنان إلى اعتماد أسلوب الكلام المفتوح البعيد من الأدبيات، وما يقدّم اليوم بات قريباً من ستاند أب كوميدي المأخوذ من الأسلوب الأميركي، الذي يسمح باستخدام العبارات النابية والفاضحة، حتى وصلنا أخيراً إلى اختفاء شبه كلّي لهذا الفن». ويقول «على مدى 40 عاماً، لا أذكر أنني أضحكت يوماً الجمهور بسبب عبارة نابية. أفلحنا في الحفاظ على هذه النوعية، غير أنّ ما يحصل اليوم هو استسهال لما يقدّم وبات كثر ينجرّون وراء ما يقدّم وهذا الأكثر خطورة». أصعب الفنون الممثل الكوميدي ماريو باسيل يتحدّث لـ«القبس» عن هذا المسرح المجمّد حالياً، ويقول «مسرح الشانسونييه يعكس الحقيقة التي نعيشها معتمداً تقنية المجهر في الإضاءة على موضوعات الساعة، هو المرآة التي تعكس صورة الواقع. لا أنظر إليه كما ينظر إليه بعض المثقّفين على أنه ابتذال أو حامل للعبارات والنعوت التي قد يصفها البعض بأنها خادشة للحياء، لأنه نوع من أنواع الفنون التي يمكن أخذها بمستويات إبداعية متفاوتة». ويلفت إلى أنّ «مسرح الشانسونييه من أصعب الفنون الانتقادية الكوميدية التي نلجأ فيها إلى السهل الممتنع كي يكون هادفاً، لكن للأسف هناك من بات يسقط على هذا المسرح صفة التنمّر وحامل الكلمات النابية والمشاهد الكوميدية من دون أي هدف». تشويه بالنسبة الى باسيل، هناك أدوات في هذا النوع من المسارح تعتمد لجذب الجمهور، وعن ذلك يقول «أتقصّد إدخال بعض النصوص والشخصيات المضحكة كي ألفت نظر الجمهور، لكن في ظل الاجتزاء المعتمد في السوشيال ميديا، هناك تشويه لما قدّمناه، كعرض مشهد مجتزأ مضحك من أعمالي من دون أي معنى أو هدف. نعم أستخدم كلمات حادة ونافرة في شكل طريف حتى أفلح في قول الرسالة، وأشبّه ذلك بالصيّاد الذي يرمي صنارته الصغيرة حتى يحصل على الصيد الأكبر». ويضيف «سبّب عالم السوشيال ميديا الأذى لمسرح الشانسونييه بعدما فوّض كثر أنفسهم على تقديم النكات وحرقها بأسلوب يندرج في خانة النكات الفارغة والبعيدة من الذكاء، وهذا سبّب حرقاً للأفكار التي تولد مع كل نكبة يمرّ فيها لبنان». «صرخة» جدع أطلق أندريه جدع صرخة بمنزلة ضربة مرتدة إزاء ما يحصل على السوشيال ميديا، فيرى وجوب «التحرّك لإعادة الناس إلى الطريق الصحيح والنقد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمور التي يعانيها الناس بنكتة وابتسامة بسيطة. هناك من يخجل بالحديث عن الشانسونييه في لبنان، بينما الناس في فرنسا يقفون بالطوابير لا سيما لشراء نصوص المسرحيات لقراءتها». ويبين أن مسرح الشانسونييه «لم يعد موجودا في لبنان، لقد انتهى، و90 في المئة من الموجودين اليوم لا علاقة لهم بهذا المسرح، لقد شوّهوا الاسم والمسرح الذي تحوّل اسمه من شانسونييه إلى تهريج». غزو البلهاء للتدليل على أثر وسائل التواصل في الذوق العام، يستعين باسيل بعبارة للكاتب الايطالي أمبيرتو إيكو«هناك غزو للبلهاء في تويتر وفيسبوك بعدما منحت هذه المواقع حق الكلام لفيالق من الحمقى، فبات لهؤلاء الحق في الكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل». ضحية «كورونا» ألقى الوضع الاقتصادي بظلاله على الحركة المسرحية، فوفق باسيل «أثر انتشار كورونا وتدهور الوضع الاقتصادي سلباً وجمّدا من النشاط المسرحي»، ويوضح «أحاول تطوير مسرح الشانسونييه، أبحث عن زوايا لمعالجة الموضوعات التي أحرقها كثر على مواقع التوصل، وهذا ما ولّد لدّي رفضا لعالم السوشيال ميديا رغم أنه بات واقعاً علينا. حاولت مجاراته لكنني شعرت بالاحباط منذ انفجار مرفأ بيروت».

: https://alqabas.com

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح