“حنبعل فري فاير”.. تاريخ تونس كما لم يتعلمه الأطفال من قبل #تونس

tun 5

قدّم مركز الفنون الدرامية والركحية بمنوبة (شمال تونس) إنتاجه المسرحي الأول الذي اختار أن يكون موجها للطفل، ويعالج خصوصيات الجيل المعاصر وتفاصيل عالمه “التكنولوجي” تحت عنوان “حنبعل فري فاير”، في ظلّ إجراءات مشددة تفرضها الحكومة التونسية على الأنشطة الثقافية للحدّ من انتشار فايروس كورونا والذي تشهد البلاد موجة ثانية منه.

تونس- تذكر السندات التاريخية أن القائد القرطاجي حنبعل كان شخصية لامعة في سجل فنّ الحرب عبر التاريخ، ولأنه جزء من تاريخ تونس “قرطاجنة” قديما، فهو جزء من المنظومة التعليمة التي تهدف إلى تعليم الطفل بعضا من تاريخ بلاده.

منظومة باتت تلقى نقدا لاذعا من قبل الخبراء والمختصين كونها ما عادت تتلاءم مع التطوّرات العالمية في المجال التعليمي، ولا يتم تعديلها بصفة دورية بما يواكب خصوصيات الجيل الحالي ويقدّم له المعلومة علمية كانت أو تاريخية بأسلوب شيّق وممتع، ضمن هذه الفكرة تندرج مسرحية “حنبعل فري فاير” التي أنتجها مركز الفنون الدرامية والركحية بمنوبة في تونس ومن تأليف وإخراج الطاهر عيسى بن العربي.

سفر بين زمنين

إنه عمل مسرحي نقدي مقتبس من عوالم الألعاب الإلكترونية التي أدمنها الجيل الناشئ، وخاصة منها لعبة الفري فاير التي تقوم بالأساس على خوض حروب افتراضية متتالية بهدف الانتصار، استند إليها المؤلف المسرحي ابن العربي كي يطلع الأطفال على قصة إحدى أشهر الحروب في التاريخ ألا وهي الحرب البونيقية الثانية وبطلها القائد القرطاجي حنبعل.

egy4 13والحرب البونيقية الثانية، المعروفة أيضا باسم الحرب الحنبعلية، هي حرب استمرت 17 سنة، بين قرطاج والجمهورية الرومانية وسميت أيضا بـ”البونيقية” لأن الرومان أطلقوا على القرطاجيين اسم البونيقيين.

هذه الحرب هي جزء من دروس التاريخ لتلاميذ المدارس التونسية، وتقدّم لهم كدرس عادي دون محاولات للابتكار والتجديد بما يغري الطفل ويحبّب إليه الإبحار في الحكايات التاريخية والاستمتاع بها بغية التعلم والتثقيف، ولا تستثنى دروس مادة التاريخ، بل تشكو المنظومة التعليمية التونسية وحتى العربية عامة من التزامها بمنهج قديم موجه للأجيال السابقة التي لم تغزو التطبيقات الذكية عالمها.

ويتمحور العمل المسرحي حول الطفل أنور، بطل الحكاية، الذي يمقت حصة التاريخ ويكره المنظومة التعليمية التي تجبره على الدراسة لأوقات طويلة وبطريقة روتينية مملة، فيسافر مع ساعته العجيبة إلى عالم حنبعل، كي يحفظ درس التاريخ المخصّص للامتحان بطريقة تشويقية، ومن هناك يشهد ولادة المحارب القرطاجي حنبعل، ومراحل نموّه إلى أن يصبح قائدا عظيما ويشنّ حربا على الرومان انتهت بوفاته.

في “حنبعل فري فاير” يطّلع الطفل أنور على حياة حنبعل الطفل بما يحمله العصر من ميزات ومميزات، فيكتشف تعدد الآلهة واختلاف نمط الحياة البشرية، ويعيش صراعا أيديولوجيا قوامه الحوار البناء بينه وبين الساعة “سعسوعة” العجيبة، وبعقل الطفل الليّن يحاول مساعدة صديقه الجديد ويعلمان بعضهما بعضا بعض فنون الزمن الماضي والحاضر، فيحفظ أنور ألعاب حنبعل من رماية وصيد في حين يتعلم صديقه لعبة الـ”فري فاير” والأمثال الشعبية التونسية ويكتشف قصصا ومشاهد من تونس المستقبل.

ويعتبر هذا الإنتاج المسرحي تجربة جديدة في مسرح الطفل في تونس، إذ يعتمد على التقنيات البصرية والخدع الضوئية التي توهم الطفل والمشاهد عامة بأنه يسافر في جزء من تاريخ تونس، مصحوبا بممثلين يتلونون حسب الأدوار بأزياء مستوحاة من حقبة زمنية واضحة المعالم.

ولم يخل النص المسرحي من النكتة والدعابة، في سخرية من الخيانات المتكرّرة للوطن على مرّ التاريخ، وسخرية من واقع التلميذ التونسي اليوم، ومن البرنامج التعليمي الذي يركّز على الكم الهائل من الكتب والكراسات في حين يفرغ ذهن الطالب من أي محتوى تعليمي دائم، وفيه أيضا سخرية من فكرة الحرب وتداعيتها على الفرد والمجموعة البشرية.

ويبدو تضمين السخرية في النصّ نقطة إيجابية في العمل المسرحي، رغم كثرة النكات اللغوية والجسدية غير اللائقة بنوعية العمل، فللكوميديا دور كبير في تعليم الأطفال وهم يضحكون دروسا لم يستوعبوها في قاعة مغلقة ومع معلّم جاد.

رحلة تعلّم

تاريخ مرير بعين طفل صغير
تاريخ مرير بعين طفل صغير

في “حنبعل فري فاير” يسافر المتفرّج بين الهنا والهناك عبر رحلة متواترة بين الماضي والحاضر، فيكتشف الفرق الشاسع بين أطفال الماضي وأطفال اليوم، مصحوبا بشخصيات لعبت فوق الخشبة أكثر من دور مسرحي، توزّعت في مجملها بين الأدوار الكوميدية والتراجيدية.

وفي هذه الرحلة يتعلم الطفل أبجديات الحرب والحب والخوف والشجاعة ويكتشف أن تاريخ بلده ضارب في القدم، وأن الخيانات وحدها من أنهكته.

وفي سفره عبر الزمن، يحبّ الطفل نظامه التعليمي الخاص الذي ترسمه ساعة المنبه، وعوض أن تظل الساعة مصدرا للإزعاج الصباحي تصبح رفيق رحلاته في عوالم عجيبة لتعلن في نهاية المسرحية عن رحلة جديدة في علم الجبر كي تساعده على الاستعداد لامتحان الرياضيات.

من جانب آخر، يحيلنا هذا العمل المسرحي إلى خطر تمكن تطبيقات الألعاب الإلكترونية من عقل الطفل وإدمانه العالم الرقمي إلى درجة أنه يعتبر التعليم مضيعة للوقت، وهو هنا يفضل تقضية يومه في لعب “الفري فاير” تلك اللعبة المخصّصة للرماية والقنص وينقل فيها اللاعب كل 10 دقائق إلى جزيرة مهجورة ليتنافس مع قرابة 49 لاعبا آخر، وهدفهم الوحيد هو البقاء على قيد الحياة.

يعتبر هذا الإنتاج المسرحي تجربة جديدة في مسرح الطفل في تونس، إذ يعتمد على التقنيات البصرية والخدع الضوئية التي توهم الطفل والمشاهد عامة بأنه يسافر في جزء من تاريخ تونس

فلعبة الحرب هذه التي اعتبرها الطفل أنور نسخة مصغرة عن عالم القائد حنبعل، تظل حسب رأيه لعبة للتسلية، ولكن حنبعل “لعبته الحرب”، والحرب ليست لعبة وليس البطل من يشنها، كما يؤمن الطفل.

هذه اللعبة الإلكترونية التي يقدّمها العمل المسرحي دون تركيز على إدمان الطفل المفرط عليها، من بين الألعاب الممنوعة على الأطفال دون 16 سنة. لكننا نجد أطفالا كثرا دون ذلك السن يدمنون على مثل هذه الألعاب، فيصابون بحالات من الاكتئاب والإرهاق والعزلة، وهو ما يفرض بالضرورة مراقبة أسرية ومدرسية للطفل وتركيز أكبر من المجتمع بكامل مكوناته على رسم حياة نفسية وعقلية صحية للطفل تمكّن على الأقل من تنشئة جيل متوازن.

فهل أن الحكومات والقوى الفاعلة في المجتمعات ما زالت بحاجة إلى إشارات مباشرة من الأعمال الفنية كي تدرك خطورة حاضر الأطفال على مستقبلهم؟ ألم يحن الوقت بعد لمراجعة المنظومة التعليمية ووضع خطة منهجية تراهن على تعليم الأطفال وهم يلعبون علها تطوّر مهاراتهم؟ ولماذا لا تستثمر في التطبيقات الإلكترونية فتُفيد وتستفيد؟

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح