حذاء مثقوب تحت المطر هزيمة الإنسان الحر في عالم شرس أحمد خميس #مصر

 

 

حذاء مثقوب تحت المطر

هزيمة الإنسان الحر في عالم شرس

أحمد خميس

(المقال الحاصل على “جائزة المقال النقدى بالمهرجان القومى للمسرح المصرى الدور 13)

في نهاية العرض المسرحي (حذاء مثقوب تحت المطر) وقف بطل الحكاية وحيدا مهزوما أو لنقل ميتا فكل الظروف والأجواء المحيطة قد ساعدت في وفاة ذلك المطحون الذي حاول أن يساعد أسرته البائسة بشتي الوسائل ولم يفلح , حاول ان يساعد الأب الذي أحرق تجارته بدون سبب وجية , وحاول أن يساعد الأم التي قررت أن تدخل المعركة الإجتماعية بصناعة بعض الأقمشة ورغم أن أحدا لا يقبل عليها أو يشتريها إلا أنه كان يوهمها أن إقبالا شديدا علي صناعتها من قبل رئيسه في العمل وزملاءه , حاول أن يساعد أخته الوحيدة بأن جلب لها ألة الكمان كي تعزف عليها وقام بواجبه تجاة الأسرة بالعمل المستمر لتوفير إحتياجات المنزل , وحاول أن يساعد صديقه الذي أقبل علي الإنتحار ولكنه لم يفلح

 الحكاية هنا تبدو ذات نسيج يمزج بين الواقعية والتعبيرية إذ أنشأ معد النص الدرامي “محمد سوري” موضوعا مستلهما بألاساس من رواية “فرانز كافكا” التي تحمل إسم (المسخ) وثلاثية الانسانية ل “روي أندرسون” وخلط بينهما بطريقة مقبولة تطرح العالمين الدراميين (الواقعي والتعبيري) بالمنطق الذي يمرر تقبل تلك المنهجية وهي مسألة تمثل خطورة في البناء إذ هناك بعض المشاهد سيجد فيها المتلق نفسه أمام بني غير منطقية بالمرة كأن يدخل للحدث الدرامي شخص ميت ويقطع الطريق علي مشهد مبني بطريقة متوقعة كي يأخذنا إلي العالم الخاص بذلك المتأزم والذي يتكون من أحداث واقعية وأخري خيالية , في أحد المشاهد نري الموظفين وهم مقبلين علي الميعاد الإجباري للغداء وبينما تعمد بطلنا أن يجاور الفتاة ذات الأنف الكبيرة والذي وجد نفسه مجذوبا إليها نلاحظ وجود الصديق الذي قطع إحدي أذنيه في إشارة مباشرة لتداخل الحلم والحقيقة هنا تفسر الفتاة الحديث بطريقتها الخاصة متصورة أن بطل الحكاية يتهكم عليها مثل الاخرين بينما هو يحاول أن يبعد شبح الصديق مؤكدا له عدم رضاه علي إقتحام الحوار , هذا المشهد فسر للمشاهد تلك البداية الغريبة للحدث الدرامي إذ شاهدنا مندوب مبيعات يطرح مبيدا حشريا للبيع بينما ينهمر المطر علي مجموعة الموظفين وفي لحظة تالية نجد بطل الحكاية وهو يتصدر مقدمة خشبة المسرح عارضا علي المتلق فردة حذاء متهالكة انهكها المطر , وما تسلسل الاحداث بعد هذة البداية إلا خليط من ذلك العالم المركب فحينا تطفو المشاهد الواقعية علي السطح وحينا أخر يطفو الحلم ويتسيد الموقف , والعالم هنا مقسم إلي ثلاثة أماكن رئيسية لم يتطرق لغيرها:

  1. منزل الأسرة
  2. غرفة إجتماع الموظفين مع الوكيل المسئول عنهم
  3. رفة سامسا داخل منزل الأسرة

المكانين الأول والثاني يتبادلان الوجود بينما غرفة “سامسا” الضيقة تظل كما هي، والتكوين الكلي للحكاية يدور في ليلة رأس السنة في المنزل يقرر الأب أن يصلح المروحة ويعطيها كل وقته وفي العمل يقود الوكيل دراجة لا تتحرك من مكانها ويتحكم في مجموعة من الموظفين الذين عودوا أنفسهم علي الخنوع والرضا , بينما يقتحم المشهد المعروض كل فترة مندوب المبيعات شارحا لرواد المكان ميزات متعددة للمبيد الحشري الذي تصاحبه بعض الهدايا من الشركة المنتجة , من هنا تتأسس البني الصغيرة المجاورة والتي تصنع عالم الدراما في ذلك العرض فالمعد أراد أن يمرر إحساس أصيل في البناء الداخلي أن كل واحد ممن نشاهدهم علي خشبة المسرح تقوده حكايته المنفصلة والتي يمكن أن تتسيد المشهد وتظهر علي السطح لتبني ذلك العالم الغريب ولكن هناك حكاية تصاحبنا وتتقاطع مع كل الفورات النفسية والإجتماعية الصغيرة لتضعنا مباشرة أمام ذلك العالم الجديد الذي تسوده النفوس المريضة والذي يفني الإنسان فيه دون أن يحقق حلم واحد من أحلامة , يدخل في حرب شرسة مع الظروف المحيطة وينتهي به المطاف وقد تحول لشئ ميكانيكي ينفذ التعليمات كترس صغير في الة الزمن ويمكن إنهاء وجوده في لحظة لو أخل ولو لمرة وحيدة بشروط التواجد (العرض يطرح نموذج دال هنا علي ذلك التفسير من خلال أحد الموظفين الذي فقد عمله لكونه لم يحتمل وبكي بشدة لأن طفلا قطع جزء من ملابس لعبة الدبدوب وجرح الموظف بمشرط).

ورغم غرابة التكوين تصاحبنا تلك الحكايات المتجاورة لتصنع دنيا العرض المسرحي وتدخلنا مباشرة للحوارات الداخلية “لسامسا” ذلك المهرج الذي يدخل يوميا داخل دمية دبدوب ثم تحول من فرط الضغوط لحشرة لا يمكن لها أن تتواصل مع العالم المحيط فقط تتشابك وتري من خلال الاشباح المحيطة أما الأسرة بما فيها من أم جاهدت كي تساعد وأخت تفكر في مصيرها المجهول بشكل دائم وأب مشغول بحكاية المروحة التي فقدت الحركة لا يمكن لهم الا التوائم مع ذلك الظرف العجيب فينزل الأب لسوق العمل ويصبح مندوب مبيعات مؤقت ويتقابل في مشهد عبثي مع الوكيل ومندوب المبيعات الأخر والموظفين المحيطين بالوكيل كي ما يناقش مصير بائع جوال كتب عليه أن يتقابل مع ظروف غير مواتية ليطرح بضاعته.

وقد بدت كفاءة المخرج “عمرو عفيفي” واضحة للمتلق من تنوع التناول والإشتغال الكبير علي فنون الأداء إذ مرر لمجموعة الممثلين منهجية ادائية تنتصر لتجاور الواقعي والعبثي ما هوحلم وما هوحقيقة الذاتي والعام وإعتمد علي كفاءة الممثل الأول عنده “مصطفي خطاب” في مصاحبة البني الصغيرة وضمها لبعضها البعض لتبدو واقعية وممكنة , كما مرر لبقية الممثلين المساعدين كل حسب دوره روح التناول وتجاور المناهج والبني فكان للعمل رونقه وتقديره عند المتلق الذي تجاوب مع الألعاب الدرامية غير المعتادة وأعطاها قلبه وعقله, وعلي جانب أخر بدت التيمة الموسيقية التي إعتمدتها فرقة (سي بي مول) كشخصية رئيسية في دنيا العرض المسرحي ولا أعرف علي وجة الدقة إن كانت مصنوعة خصيصا للعرض أم أنها مقطوعة مستلهمة من أحد الأعمال العالمية ولكن ما أعرفه أنها كانت مناسبة تماما لطبيعة التكوين الدرامي تنعي ذلك المواطن وتتشابك مع إنكساراته بوعي فائق وقدرة علي التغلغل في ذوق الحكاية , كما جائت الأصباغ التي لون بها وجة معظم الشخصيات دالة ومساعدة للتكوين وكذا كانت دمية الدبدوب البائس الذي كان سامسا يرتديه.

 ومن خلال ترتيب مجموعة مناضد يمكن للمشاهد أن تبني وتنهدم لتصنع عالم متغير تسوده أجواء الحلم والتغريب، عالم تتجاور فيه النفوس المهزومة والمنصاعة لمصير مجهول دون أدني مقاومة هكذا بدا الديكور فاعلا ومؤثرا بقوة في صناعة مشاهد العرض المسرحي حيث تتجاور تلك التفصيلة مع البانوهات التي تحيط المكان بلون ثابت يشي بتماهي عالم الأسرة مع عالم الموظفين.

من يراجع تلك المصائر وتلك المكونات الدرامية غير التقليدية التي تم عرضها مؤكد سيقف عند شخصية أحد الأشباح ليري فيها بعض ملامح فان جوخ ذلك التشكيلي الذي كان مهموما برسم الأحذية المتهالكة (لاحظ عنوان المسرحية) وذلك الحذاء المتهالك الذي بدأ مع الاحداث.

في نهاية الحدث الدرامي وبعد فشل خطوبة أخت سامسا بسبب دخوله المفاجئ رغم تحذير الأخت علي العريس بتلك الهيئة العجيبة , يدخل علي الأسرة مندوب المبيعات ليعرض مبيد الحشرات فتلمع في رأس الأب فكرة التخلص من إبنه بشراء أكبر عبوة للمبيد ولكن القدر يسبقه فقبل أن ينفذ مخططه يكون سامسا في حوار تعبيري مع الشبحين الذين لازماه لفترة طويلة يبثهم تمسكه بالحياة بينما أحدهم يقول له أن الأمر إنتهي يموت بعدها سامسا أو يخيل لأخته ذلك فتعلن الأب بينما ينسحب الشبحان وتستعد الأسرة لمغادرة المكان لتضاء مقدمة خشبة المسرح ويواجة “سامسا” جمهور العرض ويعرض عليهم مأساته في لحظة إستنارة قصد منها رثاء مصير ذلك الكائن البائس الذي كان متمسكا بالحياة رغم كل لحظات الهزيمة.

العرض ورغم أنه يتناول أحداث وشخصيات بعيدة كل البعد عن عالم الأن وهنا عندنا إلا أنه إستطاع أن يعبر عن تلك المصائر التي تتشابك ويعلن ضمنا أن مجتمعنا يمكن أن يحوي ذلك الإنسان البائس الذي قد يقوده مصيره لتلك الاحداث تحت نفس الضغوط الكبيرة وتحت نفس الأجواء التي يطحن فيها من هم على شاكلته.

فقط كان يرجي من المخرج أن لا يضعنا أمام نهايات متعددة للحدث الدرامي المقدم كما كان يرجي منه إختصار كثير من المواقف والأحداث التي ساعدت علي تشويش المعني المصاحب لحياة ذلك الانسان، لقد بدت لي بعض المشاهد زائدة عن الحاجة ويمكن إختصارها دون أن تخل بالنسيج العام للعرض المسرحي مثل مشهد جلسة الأب مع البائع الجوال والوكيل والموظفين، وكذا مشهد الطبيب في غرفة سامسا وبعض المشاهد المتكررة لدخول البائع الجوال ليطرح بضاعته علي الموظفين فحتي لو كان التكرار مقصود لبيان فساد الأثر فأنه علي جانب أخر يبث الملل في نفس المتلقي.

وبعد لقد أسعدتنا تلك الفرقة المكونة من طلبة من جامعة عين شمس مؤمنين كل الإيمان بأهمية الدراما الموازية في التعاطي مع القضايا التي تناقش مصائر إنسانية عامة وأعطوا لتناولهم جهد مضاعف ليظهر بالصورة التي تؤكد قوة الدراما الجديدة وتأثيرها بالغ الأهمية.

إن حصول العرض على جائزة أفضل عرض شبابي في المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته الثانية عشر كان مستحقا لما ينطوي عليه من وعي فارق وقدرة على توظيف العناصر وتجانسها.

وفي النهاية إسمحوا لي أن أذكر فريق العمل كل حسب دوره وإشتغاله والجائزة التي حصل عليها، سعيد مدكور “مندوب المبيعات”، مريم مهتدي “الاخت”، مصطفي خطاب “سامسا” جائزة افضل ممثل دور أول، آلاء مجدي “الأم”، محمد علاء “صاحب البيت”، سعيد سالمان “الأب”، رشح لجائزة افضل ممثل دور ثاني , مروان حسين “الوكيل” , ساندرا أشرف “زوجة الوكيل”، غادة كمال “المغنية”، جائزة أفضل ممثلة دور ثاني، رامي علي ” الخياط” , محمد طارق “الرسام”، محمد إسماعيل “الطبيب”، محمد عبد الله “بائع الورد”، الي جانب الموظفين والعمال (محمد مؤمن , أحمد الجندي , أحمد محمد علي , تأليف موسيقي “فرقة سي بي مول” وقد رشحت لجائزة أفضل موسيقي , العرض تأليف محمد السوري وقد نال جائزة أفضل نص معد عن جنس أدبي أخر، إخراج “عمرو عفيفي وقد نال جائزة أفضل مخرج.

—————————-

أحمد خميس – مصر

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح