أخبار عاجلة

حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي اليوم

حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي اليوم
 
أجرى الحوار : د.شاكر عبد العظيم 
 
حوار مع د. ( عبد الكريم برشيد)
 الزمن / منتصف السبعينات من القرن الماضي  والمكان / المغرب العربي ، فترة ظهور التيار الاحتفالي في المغرب عبر البيان الأول في مدينة مراكش وبالتحديد في احتفالية اليوم العالمي للمسرح 1976، الا ان هذا البيان لم يكن بمعزل عن كتابات نظرية / تنظيرية سابقة له ، وبهذا يعد الدكتور عبد الكريم برشيد من أرسى دعائم الاحتفالية كونه اول من نظر اليها ودوّن مدياتها  في كتابه ( حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي ) . ولقد جاء هذا البيان متحايثا مع الدعوات التي ظهرت إبان فترة الستينات والسبعينات من القرن العشرين ، وهي تطالب بالبحث عن هوية لمسرح عربي. 
أما عن الاحتفالية فهي عبارة عن أفكار تنظيرية درامية وفلسفية تنظر للمسرح بكونه احتفالا طقسيا ( عبر مجموعة عروض مسرحية ) وتقابلا مع المتلقي بالوجدان من خلال توظيف اشكال الماضي الشعبية وموضوعاته الانسانية وتأثيث فضاء المسرح بكل ممكنات التراث والحاضر والتي تشير الى هوية محلية لها عمق تاريخي روحي حاضر ، تهدف إلى تقديم فرجة احتفالية قوامها المتعة والفائدة عبر تكسير الجدار الرابع الذي يفصل الممثلين المحتفلين عن الجمهور المحتفل بدوره.
لبرشيد وجهة نظر خاصة جاءت بها تنظيراته التي يرى فيها إن ( المسرح العربي قد ولد يوم ولد المجتمع العربي ، هذا الوليد لا يشبه إلا ذاته ، لأنه في تركيبه مخالف للمسرح اليوناني ، وهو شيء طبيعي مادام أنه مرتبط بشروط جغرافية وتاريخية واجتماعية وذهنية ونفسية مختلفة ) ، وليس برشيد الوحيد الذي عمل على البحث عن مسرح عربي نابع من الحضارة العربية ، مسرحا خالصا ، بل ثمة اشكال تراثية عربية حاولت الى جانب برشيد مجموعة من المسرحيين العرب العمل عليها من اجل رصانة مفاهيمية / هوياتية للمسرح العربي تمظهرت في فن البساط في مسرحيته ( أبو حيان التوحيدي ) وخيال الظل الذي وظفه عبد الكريم برشيد في مسرحيته (ابن الرومي في مدن الصفيح ) وشكل الحلقة التي استعملها أحمد الطيب العلج في ( القاضي في الحلقة ) ثم شكل (السامر) الذي اشتغل عليه يوسف إدريس في مسرحية ( الفرافير)، ومسرح المقهى والتسييس عند سعد الله ونوس عبر مسرحيته ( سهرة مع أبي خليل القباني ) ، ثم توظيف مجالس التراث بشكلها الدائري لدى قاسم محمد و المقامات عند الطيب الصديقي في (مقامات بديع الزمان الهمذاني ) و المسرح الشعبي لدى كاكي من الجزائر.
ومن اجل تسليط الضوء على واقع الاحتفالية الذي بدأ من بعد منتصف القرن الماضي ،وجدنا ان نتحاور مع رائد الاحتفالية الدكتور عبد الكريم برشيد واستشراف آرائه الفنية والجمالية والفلسفية والتنظيرية حول هذه الاحتفالية في واقعنا الراهن الواقع وهل بامكان تلك الاحتفالية ان تكون حاضرة والى أي مدى يتشكل هذا الحضور وهل هي قادرة على الاستمرار . ثم ماهو شكلها اليوم /في هذا الفضاء التكنولوجي الصوري / وهذه الفوضى الكونية المتداخلة .
1 ــ كيف ترى هذه الاحتفالية التي أشرت لها ونظرت لها؟
ــ يمكنني أن أقول بخصوص هذه الاحتفالية بأنني أصبحت أراها ولا أراها، فأنا اليوم أعرف كائنها، ولكنني لا اعرف ما يمكن أن تكون عليه مستقبلا، وأرى جانبها الظاهر ولكنني لا أرى جوانبها الخفية، ولعل أخطر ما في هذه الاحتفالية هو أنها طاقة محركة ومتحركة، وأنها متعددة الهيئات ومتنوعة الحالات ومتجددة المقامات، وأنها بهذا ليست أحادية البعد، فهي فعل في الوجود، وأهم ما يميز هذا الفعل هو أنه حاضر بنا ومعنا الآن هنا، ويخطئ من يظن أنه يرى الاحتفالية، وأنه يفهما ويعرفها، لأنها موجودة في الممكن أكثر من وجودها في الواقع ، وهي أفق بعيد جدا، والحاضر فيها نعرفه وندركه ولكننا لا نستطع أن نلمسه ، وهذا البعيد الغائب نسعى إليه، وننجذب إليه، ولو كانت هذه الاحتفالية واقعا بسيطا لكانت اليوم خلفنا، ولكانت جزءا من ذلك الواقع السبعيني الذي أصبح اليوم ماضيا، فهي أساسا حلم كبير، حلمنا الذي يتجدد مع إطلالة كل يوم جديد، ومع إشراق شمس كل يوم، ثم إن هذه الاحتفالية ليست واحدة، ومن يرى عكس هذا فهو واهم، ولم يسبق أن خرجنا على الناس يوما وقلنا لهم : هذه هي الاحتفالية، وهذا هو نموذجها الواحد الأوحد، ولقد اعتبرنا دائما بأن هذه الاحتفالية صيرورة وجودية، وأنها حياة أفكار حية، وأنها كيمياء حالات وتفاعلات وجدانية ومعرفية وجمالية كثيرة جدا، ولعل هذا هو ما يفسر أن يكون أول كتاب أصدره يحمل عنوان ( حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي) وأن يكون أحدث كتاب سيصدر قريبا هو ( البيانات الجديدة للاحتفالية المتجددة) مما يدل على أن هذه الاحتفالية هي كائن وممكن معا، وهي جديد يتجدد عبر الزمن، وهي واقعها وأحلامها التي هي الجانب الخفي من وجودها، والأحلام فيها أصدق وأبلغ من واقعها، وأكثر النقد المسرحي العربي لا يقرأ الأحلام الاحتفالية ولا يعرف عنها أي شيء، وهذا ما يفسر فشل هذا النقد في التعامل مع أسئلتها ومسائلها المضمرة والخفية .
2 ــ هل يمكن أن تساير احتفالية برشيد المسرح الراهن اليوم، يعني تؤمن بالتشكيل أكثر من الحوار؟
ــ أولا، إن هذه الاحتفالية ـ وبخلاف ما قد يظن البعض ـ ليست احتفالية برشيد، ولكنها احتفالية نفسها، وما أنا إلا واحد من الذين خدموا المسرح بحب وصدق، وأحد الذين اقتنعوا بجدية المشروع الاحتفالي، وناضلوا من داخله، وثانيا، أن هذه الاحتفالية ليست مادة استهلاكية لها صلاحية محدودة ومحددة في الزمان والمكان، ولكنها أساسا رؤية للعالم، وهي منظومة قيم ومنظومة أفكار، ومن طبيعة القيم والأفكار أن تعيش في المطلق من الزمان والمكان ، وأن تكون في حال جديتها وحركيتها وثوريتها صالحة لكل زمان ومكان.
هذه الاحتفالية هي أساسا وجود رمزي ، وهي اليوم كائنة وموجودة ، تماما كانت بالأمس موجودة أيضا، وستظل موجودة مادامت تفكر، ومادامت تنتج الأسئلة الفكرية، ومادامت تثير حولها التساؤلات، ومادامت تستفز النقد والنقاد، ومادامت تؤسس المعاني الجديدة، ومادامت تصنع الحدث، ومادامت تجدد أسئلتها ومسائلها وتجدد أفكارها في كل يوم.
ولو أن هذه الاحتفالية سايرت الراهن الفكري والجمالي العام، والذي كان في السبعينات من القرن الماضي منحصرا في السؤال الإيديولوجي وحده، فهل كان ممكنا أن تعيش إلى هذه اللحظة؟ بل، وهل كان من الممكن أن يتم الانتباه إليها أصلا؟
فهذه الاحتفالية راهنت فعلا على الآن ، وأكدت على أن يكون هذا الآن مفتوحا ومتحركا، وأن يكون رهانا متجددا على الآتي ، وفي هذا المعنى كتبت كتاب ( زمن الاحتفالية) والذي سيصدر قريبا عن الهيئة العربية للمسرح ، والذي أكدت فيه على سباق الاحتفالية مع الزمن، والذي بسطت فيه رؤية الاحتفالية للزمن ، والتي هي أساسا رؤية احتفالية وعيدية، ومن طبيعة العيد أن يعود جديدا مع كل دورة فلكية ، ومع كل دورة زمنية، ومع كل دورة دموية.
3 ــ ما رأيك بمسرح ما بعد الحداثة ؟ وما بعد الحداثة كفكر معاصر يومي وراهن؟
ــ أعتقد أنه لا يمكن أن يكون للإنسان رأي محدد في شيء غير محدد ، ومن الطبيعي أن يكون لي رأي في مسرح يعرف بنفسه ، ويعرفه كل الناس معي، ولكن هذا الذي يسمى ما بعد الحداثة لا أعرفه ، تماما كما لا أعرف ما قبل المسرح ، ولا أعرف ما بعد الدراما، وبصعب علي أن أفهم شيئا يدعي أنه كائن وموجود، وهو لا يحمل اسما من الأسماء، ولقد قلت دائما بأن ما لا يسمى لا وجود له ، ورددت في كل كتاباتي تلك المقولة الفلسفية التي تقول (اللغة مسكن الوجود) وفي هذه التسمية ـ أو اللا تسمية ـ يمكن أن تدخل كل شيء، من غير أن تشير إلى أي شيء محدد.
4 ــ كيف يمكن أن يقاس مسرح ما، ويمكن ربط السؤال بالمسرح العربي؟
5 ــ نعرف أن المسرح هو الحياة، وليس هو صورة الحياة كما يقول الطبيعيون والواقعيون، ونعرف أن العنوان الأساسي لهذه الحياة تمثله الحيوية دائما، وتمثله الحرية أيضا، ويمثله آلية التغير والتطور والتجدد في المجتمع، وأعتقد أن المجتمعات الميتة والمحنطة والساكنة والجامدة لا يمكن أن يكون بها مسرح حقيقي، ووحدها المجتمعات التي لها طريق تمشي فيه، ولها أجساد وأرواح حية تتحرك وتمشي، ولها أعطاب نفسية واجتماعية وفكرية وسياسية في هذا الطريق الوجودي العام.
ثم إن المسرح هو المدينة، أو هو عنوان من عناوين هذه المدينة، ولا يمكن أن يكون لهذه المدينة معنى إلا إذا كانت قائمة على المساكنة والتعايش، وعلى التعدد والتنوع، وعلى الحق في الاختلاف، وعلى تدبير هذا الاختلاف بشكل مدني، أي بالكلمة، وبالإقناع والاقتناع، وبالكلام والإنصات، أما المدن الطائفية، أو المدن العشائرية، أو المدن البوليسية، فإنه لا يمكن أبدا أن يكون لها ـ أو فيها ـ مسرح ، لأن من طبيعة المسرح أنه بيت من لا بيت له، وأن يكون فضاء مشتركا يجمع ولا يفرق، وأن يكون مفتوحا وليس مغلقا، وأن يسع الجميع وألا يضيق عن أي أحد.
ثم إن هذا المسرح هو الحرية أيضا، وبلدان تعيش نقصا حادا في مادة الحرية، كيف يمكن أن ينهض فيها المسرح البشري والمدني الحقيقي؟ ومن الممكن أن ينهض فيها مسرح الدمى أو مسرح الكراكيز، أو مسرح خيال الظل، ولعل هذا بعض ما نشاهده اليوم في هذا الذي نسميه المسرح العربي، والذي هو مسرح تحركه خيوط الإدارة الخفية، وتفعل فيه الحسابات السياسية أكثر من الحسابات الفكرية والجمالية الحقيقية. 
والمسرح هو الرسالة الفكرية كذلك، ومسرح لا يفكر، ويخاف أن يفكر، ولا يحرض على التفكير، ويحارب الفكر والمفكرين، مثل هذا المسرح الذي يستعير نصوصه من الخارج ولا ينتجها محليا، والذي يتبع ولا يبدع، والذي يتبنى التجريب الشكلاني والبراني، كيف يمكن أن يكون مسرحا حقيقيا؟ 
والمسرح هو الحدث، وهو من يحدثه، وهو معنى ما يحدث، وهو الفعل وهو من يفعله، وهو الانفعال والتفاعل، وهو الاحتفال والتعييد، وهو هل يمكن إقامة مسرح في مجتمع لا يحدث فيه شيء، وليس به أعياد، ويمنع فيه الناس من الحضور ومن التجمع ومن التعبير الحر؟..
—————————————————
المصدر : مجلة الفنون المسرحية _  المدى

عن محسن النصار

الفنان محسن النصار كاتب ومخرج مسرحي عضو مؤسس في تعاونية الإعلام الإلكتروني المسرحي العربي التابعة للهيئة العربية للمسرح ومدير موقع مجلة الفنون المسرحية وعضو نقابة الفنانين العراقين المركز العام بغداد,وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين المركز العام وحاصل على العديد من الجوائز والشهدات التقديرية والتكريم من خلال مشاركاته المسرجية في المهرجانات العربية والعالمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.