حداثة الفكر المسرحي وتحولاته في التجربة المسرحية البابلية ( 1980 – 2010 ) د. محمد حسين حبيب #العراق

.محمد حسين حبيب
د.محمد حسين حبيب

 

 

حداثة الفكر المسرحي وتحولاته في التجربة المسرحية البابلية

( 1980 – 2010 )

د. محمد حسين حبيب

مقدمة

 

     يسعى هذا البحث الى قراءة حداثة الفكر المسرحي وتحولاته الثقافية والمعرفية ، لواقع التجربة المسرحية في محافظة بابل العراقية ، ومركزها ( مدينة الحلة ) عبر العقود الثلاثة الاخيرة ، والحلة مدينة عراقية ، منضوية بالضرورة الى واقع التجربة المسرحية العراقية ومشهدها العام ، وتعد احد مراكز المسرح العراقي شانها شان المراكز المسرحية في المدن العراقية الاخرى مثل : ( البصرة والموصل وذي قار والانبار وغيرها ) ، الا انها – اي مدينة الحلة –  قد انمازت بخصائص ثقافية ومعرفية ممتدة تاريخيا وحضاريا كونها مدينة تخلقت ونهلت من حاضنة معرفية كبيرة ومشهورة تاريخيا وعالميا كالحضارة البابلية والسومرية ، ومدينة الحلة تتصف مكانيا بانها ذات موقع جغرافي مركزي ، فهي تبعد مسافة 100 كم جنوب العاصمة بغداد ، الامر الذي ادى الى تواصل اهل المدينة ومثقفيها مع العاصمة  وسهولة ذلك التواصل مع المدن العراقية الاخرى كونها توسطت الخارطة الجغرافية للبلد .

 

المبحث الاول

مشكلة البحث :

      انطلقت مشكلة البحث في محاولة للكشف عن حيثيات الفكر الحداثي المسرحي وتجلياته في التجربة التطبيقية للفكر المسرحي الحلي بتنوع تخصصاته المسرحية : كالتأليف المسرحي والاخراج والتمثيل والتقنيات الفنية ، وصولا الى الواجهات الادارية والانتاجية الحكومية منها والمستقلة ، بوصف كل هذه التفرعات بانها ( فكر مسرحي ) تعرض الى تحولات حداثية  وتأثر بمفاهيمها الجديدة ، مستندا في الوقت نفسه الى ارضية ثقافية معرفية متأملة ، وناهلة من عصور نهضوية وتنويرية فاعلة تاريخيا وحضاريا ، وان هذا الفكر المسرحي هو الحاضنة الفكرية والجمالية للتجربة المسرحية الحلية باكملها ، من هنا جاء تساؤل البحث : لماذا تباينت حداثة الفكر المسرحي البابلي من عقد الى اخر في مستواها الابداعي ، برغم تحولات الفكر المسرحي ومسايرته للطروحات العالمية المعاصرة  وهي متحولة بالضرورة ؟

    اما ( هدف البحث )  فهو ، تأمل تحولات حداثة الفكر المسرحي البابلي في مدينة الحلة ، بوصفه حاضنة جمالية كبرى تكونت عبرها تجربة مسرحية بمواصفات مائزة ، فما هي ؟

    اما ( حدود البحث ) : الزمانية ( 1990 – 2010 ) والمكانية : ( العراق – مدينة الحلة )

    و( الحدود الموضوعية ) : دراسة  حداثة الفكر المسرحي وتحولاته في التجربة المسرحية البابلية ) .

    وسيتعرض البحث الى ( تعريف بعض المصطلحات ) ذات العلاقة منها : ( الحداثة ) و ( الفكر ) و ( الفكر المسرحي ) .. لمسوغات علمية ملحة ، كون مصطلح الحداثة تعرض الى الكثير من التوافقات والاختلافات العلمية والنقدية لانها لا تنحصر بوصفها تحديثا او تجديدا لما هو تقليدي حسب ، بل تتسع مديات افاقها المفاهيمية والفلسفية وتنضوي مع مجالات ثقافية ومعرفية كبرى ، كذلك مصطلح ( الفكر ) فله تفرعاته السياسية والاجتماعية والدينية والفنية الاخرى ، اما اذا دمجناه مع مصطلح ( المسرح ) مكونا لنا ( الفكر المسرحي ) عندها سياخذ المفهوم وجهة اخرى اوسع وادق كما سنبين في هذا البحث .

    اما المبحث الثاني ، فسيعمد فيه الباحث الى الكشف وقراءة تلك الممهدات التاريخية المسرحية الاولى ، تلك التي بلورت البدايات الاولى للفكر المسرحي في مدينة الحلة عبر اسماء ومحاولات مسرحية ، سعت الى نشر الفن المسرحي واهميته كحاجة انسانية فكرية وتربوية وترفيهية  ، بجهود فردية تحدت كل العقبات التي وقفت في طريقها ، ومن ثم الانتقال الى قراءة التجربة المسرحية الحلية عبر تقسيمها زمنيا الى ثلاثة عقود ، يزعم الباحث اهميتها وفاعلية نتاجاتها المسرحية ابداعا وفكرا ، وهي 🙁 العقد الثمانيني والعقد التسعيني والعقد الاول من الالفية الثالثة ) ، وكيف كونت لنا هذه العقود تجربة مسرحية مائزة بما تحويه من خطابات مسرحية ونقدية وتأليفية فكرية ، شكلت واجهة حداثية معاصرة ، برغم كل لحظات التأرجح والارتباك التي اكتنف هذه التجربة وحاول خلخلتها . 

 

مصطلحات البحث :

الحداثة :  تعرّف الحداثة على  ” أنّها فترة تاريخية وفنية امتدت منذ عام 1865م حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، وتزامنت مع تقدم الصناعة والتكنولوجيا، بِحيث ظهرت كاستجابة لِلتقاليد والمعتقدات والأفكار الموروثة التي عرضها المفكرون العظماء؛ مثل: عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد، والفيلسوف الألماني كارل ماركس، والفيلسوف الألماني فريدرك نيتشه، والعالم البريطاني تشارلز داروين، وبهذا أُعيد النظر في معتقدات قديمة سائدة لِمحاولة تغييرها، لذا فإنّ الحداثة تتبنى أفكاراً، ومعتقدات، وعادات الغرب الجديدة، كما أنّها ترتكز على العلم، والمنطق، والديمقراطية. ”  عن موقع موضوع الالكتروني . : https://mawdoo3.com

     ويعرفها ابراهيم الحيدري بانها : ” نقيض القديم والتقليدي. فهي ليست مذهبا سياسيا او تربويا او نظاما ثقافيا واجتماعيا فحسب، بل هي حركة نهوض وتطوير وابداع هدفها تغيير انماط التفكير والعمل والسلوك، وهي حركة تنويرية عقلانية مستمرة هدفها تبديل النظرة الجامدة الى الاشياء والكون والحياة الى نظرة اكثر تفاؤلا وحيوية ” .

    اما عبد الاله فرح ، فيشير الى ان : ”  مفهوم الحداثة من المفاهيم التي ما زالت ملتبسة، فعند محاولتنا لتعريف هذا المفهوم نجد أنفسنا أمام كم هائل من التعريفات يحيط بها نوع من الغموض والاختلاف، وهذا أمر طبيعي كونها تقترب من عقول مختلفة … يمكننا القول بأن الحداثة هي محاولة للتجديد والإبداع وتجاوز التقليد والتخلف كما أنها تعكس بأكملها التحول الهائل الذي غزا مجال الفكر والتقنية والمعرفة بصفة عامة. ”  وتعريف موسوعة ويكيبيديا الالكتروني يقول ان : ” الحداثة تشمل مجموعة من التغييرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى أخذ تلك التغييرات على أنها عصرية. الجدل حول الحداثة يتناول هذه التغييرات التي يبدو أنها بدأت في أوروبا في أواخر القرن الخامس عشر، أوبداية القرن السادس عشر ” وعن بدايتها : ” بعض المفكرين يؤرخون بداية الحداثة عام 1436، مع اختراع غوتنبرغ للطابعة المتحركة. البعض الآخر يرى أنها تبدأ في العام 1520 مع الثورة اللوثرية ضد سلطة الكنيسة. مجموعة أخرى تتقدم بها إلى العام 1648 مع نهاية حرب الثلاثين عام ومجموعة خامسة تربط بينها وبين الثورة الفرنسية عام 1789أو الثورة الأمريكية عام 1776، وقلة من المفكرين يظنون أنها لم تبدأ حتى عام 1895 مع كتاب فرويد “تفسير الأحلام ” .  

الفكر : بحسب تعريف موسوعة الويكيبيديا العالمية : ”   الفكر (ويسمى أيضا التفكير) – هي العملية العقلية التي تستخدمها الكائنات لتكوين ارتباطات نفسيه. التفكير هو التلاعب بالمعلومات، تكوين مفاهيم، حل المشكلات، والاسباب واتخاذ القرارات. الفكره ممكن ان تكون صورة ، صوتا، او حتى شعورا ياتي من الدماغ. ” .. اما المعجم الوسيط يرى في الفكر هو : ” اعمال النظر في الشيء ، او اعمال العقل في المعلوم للوصول الى معرفة مجهول ، وايضا هو مجموعة من العمليات الذهنية يقوم بها الفرد للاحاطة بما حوله بهدف التعامل معه ”

الفكر المسرحي :  هو نمط  من انماط التفكير العقلي الذي يحوي على مجموعة من المفاهيم والمعرفيات والمصطلحات المسرحية المختلفة ، الى جانب الالمام بالتاريخ المسرحي بمختلف مراحله وامكانية الرصد المتواصل للحاضنة الثقافية التاريخية والمعاصرة عامة والمسرحية خاصة ، بهدف انتاج انواع من الفكر المسرحي : منها ما هو عميق ومبتكر ، ومنها ما هو تقليدي متكرر .

 

المبحث الثاني

 

أولا – مهاد تاريخي :

    بحكم اهتمام الباحث هنا ، بالحاضنة التاريخية للمسرح العراقي عامة وللمسرح في مدينة الحلة خاصة ، كانت له وقفة تاملية اولى حاول فيها وعبر مقالة توثيقية مكثفة ، الكشف عن بدايات الحركة المسرحية للمدينة ، ونشر ذلك في مقالة عنوانها ( الحركة المسرحية في مدينة الحلة تأملات اولى ) والمنشورة في ثقافية صحيفة الثورة بتاريخ 27 / 10 / 1999م ، واعيد نشرها في ثقافية صحيفة الجنائن البابلية العدد صفر بتاريخ 18 / 6 / 2000م .. وللاهمية نستد اليها هنا بوصفها ممهدا تاريخيا ومرجعا معرفيا لقراءتنا للفكر المسرحي وتحولاته في التجربة المسرحية البابلية ، وهذا نصها :

    ” الحركة المسرحية في مدينة الحلة تأملات اولى : على اثر زيارة حقي الشبلي الى مدينة الحلة ،اوائل الثلاثينات من هذا القرن ، حينما قدمت مسرحية يوليوس قيصر ، تنبه بعض من شباب المدينة ممن لديهم اهتمام في التمثيل ، حيث كانوا يقومون بمزاولة هذا الفن في بعض مدارس المدينة وبالذات في حفلات الاصطفاف الاسبوعية ، حيث يتم اخذ المشاهد التمثيلية المقدمة انذاك من القراءة الرشيدية التي كانت تدرس حينها . ومن ابرز المدارس في هذا المجال ، كانت المدرسة الشرقية والمدرسة الغربية زامنت هذه البدايات تاريخ تقديم مسرحية وفاء العرب المنقولة من العاصمة بغداد ، في اذار 1925 وربما كانت هذه اول مسرحية تقدم في الحلة ، وان الطابع السياسي كان مهيمنا على مجال المسرح ولهذا عرضت هذه المسرحية  دون غيرها . وقبل هذا التاريخ ينقل لنا حسين راجي الجبوري ، وهو من المعلمين الذين زامنوا هذه المدة ، ان هناك وفي منطقة السنية وفي عام 1918م يوجد مسرح غنائي ، تغني فيه مغنية اسمها ( فضة ) وتقدم عليه مسرحيات ذات مشهد واحد ( مقاطع تمثيلية ) بين الحين والاخر . ابان الحرب العالمية الثانية ، كانت الحركة المسرحية لم تزل مستقرة في المدارس ، بل ان من المدارس صار فيها مسرح شبه دائم ، وهي مدرسة متوسطة الحلة للبنات في بنايتها السابقة ، حيث كان هذا المسرح يستقبل فرقا موسيقية ومسرحية . ومن المدارس الاخرى التي ظهرت فيها المسرحيات مدرسة الفيحاء ، حيث قدمت فيها مسرحية اهل الكهف لتوفيق الحكيم ، كذلك تقديم مسرحيات مثل : ارض الوطن ، وبلقيس ملكة سبأ ، ولقد اعاقت مشكلة العنصر النسوي الكثير من الاعمال ، فيما عدا وجود المغنية فضة المشار اليها سلفا ، حيث كان يتم تكليف احد الطلاب لتمثيل الدور النسائي ، فمثلا نقلوا لنا ان ممثلا يدعى ( شاكر حمود الفياض ) قام بدور بريسكا في مسرحية اهل الكهف ، ومن المسرحيات الاخرى التي قدمت في هذه المرحلة ، مسرحية المثري النبيل ، قدمها محسن ياسين ، ومسرحية كليوباترا للشاعر احمد شوقي والتي اخرجها محمد احمد المهنا ، والذي كان حريصا على الديكور والملابس والاكسسوار ، وهذه المسرحيات كانت قد افتتحت بها قاعة التربية ( قاعة المعارف سابقا ) وهي القاعة المسرحية الوحيدة التي تمتلكها محافظة بابل ، الا انها تعرضت مؤخرا للعدوان الثلاثيني الغاشم في ام المعارك ، اذ اخترقها صاروخ معاد وتركها حتى الان عبارة عن ارض خالية لا حياة مسرحية فيها . اما في فترة الخمسينات فقد برز دور جمعية المعلمين في بابل ، وتبنيها الدعوات المستمرة لتقديم عروض مسرحية تميزت في هذه المرحلة وبجهود متواضعة من الهواة والمعلمين نذكر منهم : محمود خمرة ، وحمزة صالح ، وعبد الامير رشيد ، مع عبد الباقي جمعة ، حين قدموا مسرحية المروءة المقنعة ، وكان معهم رشيد محمد علي ممثلا لدور ابن الامير ، ومخرجها الفنان قاسم خليل ، بالاضافة الى ابراهيم الهنداوي ، واستاذ الحركة الموسيقية في مدينة الحلة والتي تميزت جهوده في هذه الفترة وما بعدها لمدة ربع قرن تقريبا ، الفنان مهدي صالح ، حيث اهتماماته المسرحية والموسيقية خاصة الموشحات والاغاني التي تدخل ضمن العرض المسرحي . ومن الجدير بالذكر هنا ان مسرحية المروءة المقنعة عرضت بحضور الملك فيصل ، حيث شاهد المسرحية كاملة والتي قدمت ضمن حفلة خاصة له ، وبحضور الوزراء ووجهاء البلد انذاك ، كما نشير الى مسرحيات اخرى مثل : في سبيل التاج ، اخراج قاسم خليل ، ومسرحية سجين القصر ، ووضاح اليمن ، وسليمان الحكيم ، ومريض الوهم ، والغرفة المشتركة ، والشيخ المحترم ، مرحلة تقديم هذه المسرحيات كانت بين عامي 1956-1959 اشترك فيها عدد من المعلمين ( المغفلين ) – وهي تسمية اطلقها المتخلفون من مديري المدارس انذاك على المعلمين الذين يزاولون فن التمثيل المسرحي ، نأسف هنا للاشارة لها ولكن لابد – نذكر منهم : بهنام رفو ، وعبد الحسين عريبي ، ورشيد محمد علي ، وموسى ناجي ، وعبد الامير رشيد ، ومحمد حبوبي ، وعبد الرضا الفلوجي ، وفرهود مكي ، والعنصر النسوي الوحيد ( فريال ) . اما اذا انتقلنا الى مرحلة الستينات والتي شهدت تناقضات سياسية انعكست بدورها على الاداب والفنون كافة ، ومنها المسرح ، نجد ان النشاط المدرسي بمديريته يمثل الواجهة العريضة والجامعة لفنون الرسم والمسرح والموسيقى ، فكان يوجه الدعوات المستمرة الى من تخصصوا في معهد الفنون الجميلة للاشتراك في العطلة الصيفية ، لتقديم عمل مسرحي ، أمثال : عباس الشلاه ، وسلام عبد سلطان ، واسعد مبارك ، وسعدون العبيدي ، وسامي يوسف ، فقدموا في شهر تموز عام 1958م ، مسرحية جسر العدو ، عن تحرير الجزائر ، ومجموعة اخرى كانت تضم : محمد علي الشلاه ، وفارس عجام ، ونزار السامرائي ، وكاظم عبد الاخوة ، فقدموا مسرحية الاستاذ كلينوف لمدام كارين برامسون . وبظهور الجهود الاستثنائية الفردية في هذه الفترة والمتمثلة بجهود الفنان شاكر نعمة ، وبرغم ضعف الامكانيات المادية ، الا ان العروض اتسمت بطابع البساطة في التقديم والتجويد في الطرح ، لمسرحيات مثل : البيت الجديد لنور الدين فارس ، والسر لمحيي الدين زنكنه ، وأفول القمر لشتاينبك ، وتاجر البندقية لشكسبير . اسهم في هذه المسرحيات عدد من الفنانين منهم : محمد علي الشلاه ، وعبد الاله كمال الدين ، وقاسم عباس الجباوي ، وفاضل الخفاجي ، ويمكن القول ان مرحلة ازدهار الحركة المسرحية في مدينة الحلة كانت في السبعينات ، حيث تعدد الفرق المسرحية الى جانب تعدد المنظمات الجماهيرية ، والتي تلقت عناية كبيرة من الدولة حينها ، الامر الذي ادى الى ظهور تنافس فني كبير بين الفرق المسرحية والمنظمات الجماهيرية ، اضافة الى الاهتمام بالارشاد والتثقيف الفلاحي انذاك ، والاهتمام بنشر حركة المسرح كالاهتمام بمحو الامية ، هذا فضلا عن انبثاق الحركة الشبابية في مديرية الشباب واتحاد النساء ، الى جانب النشاط المدرسي الذي كون قاعدة الانطلاق الاولى للحركة المسرحية . ومن المكاسب التي تحققت لخدمة الحركة المسرحية في هذه الفترة نشير الى قسم منها : 1- الدعم المادي لعروض مسرح الشباب 2- اقامة الدورات والندوات التثقيفية المستمرة في مراكز الشباب 3- تقديم عروض في الهواء الطلق حيث الانتقال الى الريف والفضاءات المفتوحة وتنقل العروض بين ( الشارع والمقهى والسجن ) 4- العمل على الجمع بين الاهزوجة والشعر العامي والرقصات في العرض المسرحي 5- المهرجانات المسرحية القطرية ورعايتها المستمرة بالدعم المادي والمعنوي 6- المسرح العمالي ودوره البارز والتعبوي بين صفوف الجماهير العمالية . وكان دور الفنان سلمان نعمة ، بارزا في مديرية الشباب اذ شكل فرقة مسرحية شبابية اشتركت في مهرجانات مسرحية عراقية وعربية ، بمسرحيات مثل : الحربة والسهم ، ومحاكمة رجل مجهول ، ولاترهب حد السيف . وفي الفترة نفسها ، اي نهاية السبعينات شكل الفنان قحطان الهنداوي ، فرقة مسرحية تكونت اعضاؤها مجموعة من الشباب الواعدين باسم ( جماعة بن دانيال المسرحية ) حيث قدموا باكورة اعمالهم حينها وهي مسرحية القضية ، اشترك في تمثيل ادوارها كل من : جواد مكي ، وجنان مهدي ، ومحمد حسين حبيب ، واحمد كاظم الياسري ، وحمزة حسن الموسوي ، وسعد العميدي ، وعرضت المسرحية على قاعة مركز شباب الاسكان في الحلة عام 1979 ، كما شكل الفنان حيدر مهدي الشلاه فرقة مسرحية تابعة الى الاتحاد الوطني لطلبة العراق باسم فرقة المسرح الطلابي عام 1979م ايضا ، اسهمت في باكورة اعمالها بمسرحية قضية ثائر ، في مهرجان المسرح الطلابي ونالت استحسان النقاد والجمهور حينها ، الى جانب حصولها على اكثر من جائزة في المهرجان ، منها : أفضل ممثل للفنان كريم لطيف بربن . وفي الوقت الذي تشكلت فيه الفرقة القومية للتمثيل فرع بابل ، بدأت مرحلة مهمة جديدة ومهمة من تاريخ المسرح في مدينة الحلة ، لما قدمته هذه الفرقة من اعمال مسرحية لا تزال محفورة في ذاكرة جمهور الحلة خاصة وجمهور المسرح العراقي ونقاده واساتذته عامة . ”  

   الى حد ما ، يرى الباحث ، ان هذه الذاكرة المقالية حاولت التمهيد لنا – ولو بايجاز تاريخي – بالاطلاع على تلك المرجعيات المسرحية الاساس ، التي بلورت البدايات الاولى للفكر المسرحي في مدينة الحلة عبر اسماء ومحاولات مسرحية ، سعت الى نشر الفن المسرحي واهميته كحاجة انسانية فكرية وثقافية وتربوية وترفيهية ، كما اسلفنا ، وجدنا في هذه الذاكرة مفتاحا اوليا لقراءة حداثة الفكر المسرحي الحلي الجديد ، الذي انبعث من حاضنة ثقافية فكرية طويلة زمنيا ومتعددة الطروحات والاتجاهات السيرية ، الشخصية منها والعمومية ، المستقلة منها والحكومية ، التي من شانها تفعيل التجربة المسرحية فكريا وجماليا ، وبحسب مقتضيات التحول والثبات عبرها .

 

ثانيا – قراءة التجربة :

    ارتأى الباحث ثلاثة تقسيمات لزمن حدود التجربة المسرحية  وجعلها عبر ثلاثة عقود ، وهي :

   ( العقد الثمانيني 1980 – 1989 والعقد التسعيني 1990 – 1999 والعقد الاول من الالفية الثالثة  2000 – 2010 ) وذلك للمسوغين الاتيين :

1- التباين في مستوى الانتاج المسرحي والعطاء الابداعي والفكري بين هذه العقود الثلاثة وتحولاتها المتاثرة بما يحيطها سياسيا واجتماعيا واقتصاديا .

2- التباين في مستويات الثقافة العامة والمشهد النقدي الحداثي المسرحي وتحولاته من الثراء المعرفي الجمالي الى شبه الخواء المؤقت والمتأثر هو الاخر بما حوله من ربكات ثقافية استفزازية مؤقتة .  

     وقد عمد الباحث الى وضع نقاط اساسية ، ليسبر عبرها ، غور قراءته لهذه التجربة ، ولتكن هذه النقاط ، بمثابة الطريق الذي يسلكه في محاولته البحثية هذه ، كونها نقاط ضوء حاوية شاملة لحاضنة الفكر المسرحي وبكل ارتباطاته النظرية منها والتطبيقية لمجمل هذه التجربة المسرحية البابلية ، وهذه النقاط هي :  1- الثقافة المسرحية العامة 

2- ثقافة اختيار النص المسرحي ومكان العرض

3- الاطلاع على اهم التجارب والمناهج المسرحية الحداثوية

4- تحديات الواقع السياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي

5- الافادة من جماليات الحداثة المسرحية وطروحاتها وتقنياتها الرقمية في تطوير فضاء العرض

6- تحولات الفضاء او الحيز الدرامي بما يخدم التجربة المسرحية الحداثية بين الامكنة المغلقة والمفتوحة

7- اتباع المصطلح المسرحي او النقدي الحداثي ، بين التفاعل معه بالضد او بالانتماء

8- العلاقة بين العرض والتلقي ، وتثوير الفكر الاخراجي

9- العرض المسرحي بين التقليد والخروج عن المالوف . ويشمل : ( النص واعداده / المكان المغاير / ثقافة مسرح الفرجة / ثورة توظيف التراث العربي ووقوفها عند طريق مسدود / فشل البحث عن هوية المسرح العربي / اشاعة فكرة اغواء الرقيب )

10- التفاعل بالانتماء او بالضدية مع الاشكال المسرحية الجديدة

11- العقول المسرحية العراقية الوافدة ، بين النقل والاقتباس والتاثر

12- توسعة المؤسسات المسرحية الاكاديمية ، الحكومية منها والاهلية ، حاجة ام ترف ؟

    عبر هذه النقاط الاثني عشر سنخوض في قراءة حداثة الفكر المسرحي وتحولاته في التجربة المسرحية البابلية .

 

1-العقد الثمانيني ( 1980 – 1989 ) : 

     كان هناك من يؤمن ، أن مدينة بلا مسرح ، هي مدينة بلا مستقبل .

      اكلت الحرب العراقية الايرانية ثماني سنوات بقضها وقضيها من عمر هذا العقد ، ولم تتبق منه سوى ( سنتين ) تأرجحتا بين : فوز مزيف التهم الاعمار الغضة ، وقلق قادم من حرب اخرى تنتظر ، وبرغم كل ذلك الموت والقلق ، كانت الثقافة حاضرة ، عند الكبار والشباب ، كانت قراءة الكتاب وملاحقة الجديد من الاصدارات وبمختلف الاداب والفنون يفاخر بها الكثيرون ، لدرجة ان طالب الاعداية مثلا ، كان يتفاخر –قبل مفاخرته بمراهقته – بحمله ديوان السياب او المتنبي ، او مطالعته لرواية قصة حب مجوسية لعبد الرحمن منيف ، وكان مدرس اللغة العربية ياتي الى الدرس حاملا معه الينا مجلة ثقافية جديدة صدرت في المكتبات حديثا ويشجع الطلبة على شرائها ومطالعتها ، او يكلفنا احيانا بقراءة روايات عالمية وعربية اثناء العطلة الصيفية ويعد ذلك واجبا مدرسيا . كان عددا كبير من الافراد يتسابقون الى المكتبات ومعارض الكتب ، ليس استعراضا كماليا فارغا ، بل تسابقا حقيقيا لنهل المعرفة والثقافة . تأسست مدينة الحلة عام 495 هجرية الموافق للعام 1101 ميلادية ومؤسسها الامير صدقة الاسدي ، وكان اول نادي ادبي فيها  قد تأسس عام 1921م يرتاده الكثير من المثقفين الحليين ، لحقه بعد ذلك في بداية السبعينات تأسيس ( ندوة عشتار) الادبية ، ثم تأسيس اتحاد الادباء والكتاب فرع بابل عام 1984 ، وكان امتدادا طبيعيا لهذه المؤسسات الثقافية ما نتج عنها من تجذر تاريخي متوالد لمدينة الحلة وعلمائها ومفكريها الذين ذاع صيتهم بعد ذلك وهم من أهل المدينة  ومن ازقتها الفقيرة ، عدد من العلماء والادباء والمترجمين والباحثين العراقيين ممن ذاع صيتهم عربيا وعالميا ، امثال : ( محمد مهدي البصير ، وعبد الكريم الماشطه ، واحمد سوسه ، وطه باقر ، وعلي جواد الطاهر ، وسامي سعيد الاسعد ، وعبد الجبار عباس )، وايضا ضمت الحلة في فترة من فتراتها ، اكثر من خمسمائة وخمسين عالما دينيا ، لدرجة ان مقر الحوزة العلمية اولا كان في هذه المدينة ومن ثم انتقل الى محافظة النجف الاشرف ،

    الترجمة خيانة ، نعم ، لكن لابد منها ، ومع هذا كان للثورة الترجمية اثرها في نشر ثقافة عامة فنية وعلمية ، وكانت كتب المسرح المترجمة تتوالى على المكتبات الحلية الحكومية  للاستعارة الجانية وتوفركافة خدمات المطالعة والجو الملائم لها ، من هذه المكتبات العامة اذكر : المكتبة المركزية المعروفة ، ومكتبة 7 نيسان ، فضلا عن مكتبات المطالعة في المدارس الثانوية ، والمكتبات العامة في شارع المكتبات ، وكانت مكتبة الفرات افتتحها صاحبها عباس السعيد عام 1925م كونها اول مكتبة لبيع الكتب تم فتحها في الميدنة ، فضلا عن توفر المراكز الثقافية الاخرى وهي كثيرة ، كل هذه المكتبات وما يصلها من الجديد ، كانت تتلاقفه ايدي المثقفين الحليين عامة ، وبحسب توجهاتهم اليسارية التقدمية او القومية او الدينية ، لان المدينة كانت تضم مختلف التيارات السياسية والفكرية والادبية ، ومن بين هؤلاء كان المسرحيين المشغولين بمتابعة ما هو جديد في حركة الفكر المسرحي الحداثي وبمختلف الدراسات المسرحية الدرامية والاخراجية ، وكتب التمثيل الخاصة الى جانب الدراسات الادبية النقدية الحديثة وتحديدا عن النقد المسرحي العربي والعالمي ، كل هذا اسهم في تكريس ثقافة مسرحية حلية مائزة ، افادت من ثراء اطلاعها النظري الى جانب تواصلية العطاء المسرحي الابداعي ، وعبر عدد من المؤسسات والفرق المسرحية ، سواء للمحترفين او الشباب او حتى مسرح الاطفال في المؤسسات التربوية والمدرسية ، وهي منتشرة في مركز المدينة وضواحيها وقراها وريفها ايضا .

    كان فرط الهوس بالمصطلح الوافد ، وشبه أفكار تدعي انها نقدية ، تهدف التوجه صوب أفق الاحتجاج والمغايرة ، مما دفعها لتلقف الاصدارات ذات الشهرة المعقولة بوصفها شكلت ظاهرة ما ، سواء كانت كتبا او سلسلة او موسوعة متتالية الاعداد ، منها مايخص الاعلام ومنها مايخص النصوص المسرحية التي تاتي من الكويت ومن من مصر ومن بيروت ومن سوريا ، الى جانب الدوريات المتخصصة الاخرى العربية منها والعراقية ، وهي كثيرة جدا بمسمياتها الادبية والفكرية والثقافية ، هذا الى جانب الموسوعات والمعاجم والقواميس الخاصة بالمسرح وبالادب وبالنقد التي تزخر بها الثقافة العراقية لدرجة الغليان ، والتنافس في دور النشر الاجنبية والعربية والعراقية ، وان فكرة الطباعة المدعومة حكوميا ، كانت قد شجعت الناس على اقتناء الكتب والمجلات ، لرخص اسعارها بل ومن بينها ما يوزع مجانا مع الصحف والدوريات وهي كثيرة .

   هذا الى جانب الطروحات الفلسفية والادبية الوافدة والتي نهل منها المسرح الكثير ، وافاد منها باحالتها الى حقله الفني ، وقد نجح النقاد حينها باعتناق عدد من المفاهيم والطروحات الفلسفية والنقدية واحالتها الى حقل المسرح ، واوجدوا لها مسميات جديدة تتناسب والطرح الحداثوي الوافد والجديد، لدرجة ان كتابة النقد المسرحي لم تكن مقتصرة على نقاد بعينهم في مدينة الحلة ، بل كان غالبية الادباء من شعراء وقاصين وبعض الفنانين التشكيلين والموسيقين يكتبون النقد المسرحي ، وذلك لعمق ثرائهم المعرفي والثقافي ، ولان المسرح كان يجذب الجميع نحوه ، ويهتم به مختلف شرائح المجتمع ، وذلك لتميزه عن باقي الفنون والاداب ، لذا اتسعت الدائرة الثقافية في المدينة وترسخت تقاليد الثقافة المسرحية لديها ، وبالتالي كان من السهولة التأسيس لاجيال شبابية قادمة من شانها تكملة هذه المسيرة ، والنهل من ماضيها وحاضرها لصناعة مستقبلها المسرحي ، لا سيما وان هذه الاجيال نهلت من خبرات اساتذة وفنانين وادباء حقيقيين .

    طفرة الحداثة الجمالية أيقظت الفكر المسرحي في المدينة ، وأصبح هذا الفكر، بل آن له ان يتخيل ويؤول ويفكك ويبتكر، بهدف الخروج عن السائد والمألوف ، ولان طروحات الفيلسوف بومغارتن ، التي لم تفرض على المفكر او الناقد الجمالي ان يكون عالما كونيا ، بل ان يهب انواره من اجل ثقافة عامة .  الامر الذي دفع ظهور ثقافة مسرحية اخرى واعية للطروحات الفلسفية وتسعى لمسايرتها تطبيقيا ، وشكلت مسوغات اولية للمخرج المسرحي في تحديد خياراته النصية وطرح رؤاه الاخراجية ، فأصبح يحمل وعيا جديدا يعول  مثلا ، في اختيار النص المناسب ، وتقديمه في زمنه المناسب ايضا ، فالعمق الثقافي المسرحي قد استوثق من اليات اشتغالاته الحرفية ، فمن الطبيعي ان يثق في خياراته النصية والمكانية في وقت واحد ، فالامر مرهون بتقديم رؤية اخراجية اسقاطية تريد ان تبوح بهم مسرحي طالما حلم به صاحبه ، بعدما اطلع المخرج الحلي الشاب على جديد المدارس الاخراجية واساليب مخرجيها العالميين ، فأصبح لزاما عليه تحدي الواقع وازماته السياسية مثلا ، او الاجتماعية ، حتى وان كان يعيش تحت قبضة سلطوية مؤدلجة واحدة ، لكن الترميز والتعبير المسرحي الجانح نحو شفرات مجسدة داخل خطاب العرض ، كانت الوسيلة المسكوت عنها احيانا كثيرة ، لقول ما ينبغي قوله ، فالرقيب لم يكن عارفا بكل شيء ، والافادة من الطروحات الجمالية الفلسفية كانت هي القاعدة التي يتغذى عليها المخرج المسرحي البابلي في ذلك الوقت .

   تحولت الفضاءات المسرحية وتعددت امكنتها الكاسرة للتقليدي والمألوف ، فلم يكن صعبا حينها على المخرج المسرحي الحلي وهو المستند الى ثقافة مسرحية حداثية ، ان لا يتمتع بمقدرة اختيار مكان العرض المغاير ، وتطويعه لفلسفة رؤيته الاخراجية ، فكان المسرح الدائري ، ومكان جلوس الجمهور بمعنى قلب المكان عكسيا ، فيكون الجمهور على الخشبة والعرض وسط القاعة ، او كلاهما وسط القاعة العرض والجمهور ، وترك الخشبة فارغة ، وكذلك اختيار الفضاءات المفتوحة ، ومسرح الشارع ، او الحديقة او النادي او المقهى او الامكنة المهجورة ، او الساحات العامة في الاسواق التي يتجمهر عندها الناس ، او المسرح الصيفي ، كل هذه الفضاءات استثمرها المخرج الحلي وكسر التقليد الثابت من اجل الاسلوب المتحرك ، الذي يقدم متعة وفكر جديدين ، وابتكار علاقة جديدة بين العرض والجمهور تتصدى او تنتمي الى الطابع الاحتفالي او الفرجوي بغية تثوير الخطاب المسرحي شكلا ومضمونا .

     كان لتنوع الفرق المسرحية في مدينة الحلة اثره المباشر على الانتاج المسرحي وتنوع خطاباته ، فرق مسرحية رسمية ، وفرق مسرحية شبه مستقلة كانت قد تأسست داخل مؤسسات حكومية ، الى جانب وجود فرق مسرحية مستقلة تماما وان عملت تحت عين الرقيب ، نذكر منها : ( فرقة التربية 1977 / فرقة المسرح الريفي 1973 / جماعة بن دانيال المسرحية 1979 / فرقة مسرح الشرطة 1978 / فرقة المسرح العمالي / مجموعات مسرحية ثابتة منها ومتغيرة في فرع نقابة الفنانين ) ، ومن المهم الاشارة هنا الى ان العمل في هذه الفرق كان تطوعا وممارسة لهواية التمثيل ، ولم يكن احد من المنتمين لهذه الفرق او الجماعات ينتظر مردودا ماديا يذكر ، او هدية او شهادة تقديرية ، او ايما هدف سلبي اخر يمقته هذا الفن / المسرح ، كانت التضحية ونكران الذات عنوانا للجميع .

      فضلا عن ذلك كان لتأسيس فرقة بابل للتمثيل 1977، وفتح كلية الفنون الجميلة 1980 ، اثره الفاعل ايضا والمباشر في تنشيط الحركة المسرحية في المدينة ، لتبدأ مرحلة من المنافسة بين كل هذه المؤسسات المسرحية ، اما اذا اضفنا الفرق المسرحية التي يؤسسها اصحابها داخل مراكز الشباب ، وكانت منتشرة في المدينة نذكر منها : ( مركز شباب الحلة / مركز شباب الثورة / مركز شباب القيروان ) فتلك تفتح امامنا افاقا اكبر ومديات اوسع ، لاسيما ان رعاية الشباب المسرحي ، ايذانا بالاطمئنان على مستقبل المسرح العراقي في المدينة وصناعة اجيال مسرحية من شانها ان تكون امتدادا طبيعيا لاجيال سبقتها بالتأسيس والابداع والعطاء الثر.

    لم يكن ثمة خمول يذكر لجميع هذه الفرق المسرحية ، الفعل المسرحي لديها كان مبرمجا ، سواء في عطائها داخل المدينة او خارجها ، وذلك للمشاركات المستمرة لهذه الفرق في مهرجانات مسرحية عراقية تقام في بغداد مثلا او في البصرة او في الموصل وغيرها ، الى جانب المشاركات العربية – على قلتها – لكنها كانت موجودة ومدعومة من الدولة . ومن الاهمية الاشارة هنا ، ان المسرحيات التي كان يتم تقديمها متنوعة ايضا ما بين : المسرحية التاريخية ، والاجتماعية ، والشعبية ، والشعرية ، والكوميدية ، وعروض مسرح الطفل ، والبانتومايم . وان كوادر هذه العروض المسرحية لم يكن مقتصرا على شخصيتين او ثلاث كما يحدث اليوم ، بل ان غالبية هذه العروض تعتمد على الكورس او الجوقة ، واذا خلت الجوقة ، فنجد عددا من شخصيات المسرحية ، الرئيسة منها والثانوية ، يصل من 20 – 40 ممثلا او اكثر ، بحسب النص المسرحي المختار نفسه وتوجهات العرض ورؤيته الاخراجية .

    ولا يفوتنا ان نذكر ايضا ، ان المدينة كانت تستضيف عروضا مسرحية ، سواء من العاصمة بغداد او من محافظة اخرى ، وهي العروض التي تميزت وذاعت شهرتها فتستحق لهذا التضييف ، سواء كان تضييفا فرديا للعرض نفسه ، او يدخل ضمن برنامج مهرجان مسرحي يقام في المدينة ، فالمهرجانات السنوية كانت مبرمجة ايضا ومدعومة ماديا واعلاميا ، وهذا طابع اخر اعطى للمدينة سمعتها الفنية والثقافية ، وكان مهرجان بابل الدولي ، وفي دورات عديدة منه ، له اثره المباشر في تنشيط الحراك الثقافي والفني في المدينة جماهيريا ونخبويا ، وذلك لان غالبية الفنانين الحليين واخص المسرحيين منهم ، ينهضون بالعمل الاداري والفني في هذا المهرجان ، ويتم الاطلاع والتلاقح مع عدد كبير من الفرق المسرحية الاجنبية التي تقدم العروض المسرحية وعروض الاوبرا والمسرحيات الغنائية ذائعة الصيت بكل اساليبها الاخراجية  الحداثية وتنوعها ادائيا وتقنيا واخراجيا ، وبطريقة غير مباشرة ، يتم صقل الخبرات المسرحية الحلية بالاطلاع والتعاون مع هذه الفرق الاجنبية المسرحية منها والغنائية والراقصة .

 

 

 

    2- العقد التسعيني ( 1990 – 1999 ) :

    ( اذا كنتم لا تحبون المسرح أكثر من شيء آخر .. فاذهبوا .. قوموا بعمل آخر ، اذا لم تك ممثلا في أعماق نفسك ، وممثلا فحسب ، دعك من هذا واهرب .. ) قالها لوسيان جيتري في اواخر القرن التاسع عشر ، ونصحونا بها – ونصحنا بها اخرين – في أواخر القرن العشرين .

     لم يكن اختلافا كبيرا بين مامر بنا من تصويبات ثمانينية ، وبين ما سنتوقف عنده في هذا العقد ، فالحرب ايضا مع الحصار ، لهما الحصة الاكبر في هذا العقد ، حرب خاسرة وقرار دولي جائر ، لكن مع هذا كان الامتداد الثقافي والفكر المسرحي  واردا وطبيعيا  للكثير من الامور التي اتخذت طابعا بديهيا ، سواء في  غزارة الانتاج المسرحي او توسعة الجانب الثقافي المسرحي ومتابعة جديده ، برغم النقص الكبير في الاصدارات الثقافية الجديدة الوافدة الينا عربيا او دوليا، بسبب الحصار الذي تم فرضه على العراق اولا ،  وزيادة قسوة الرقيب على المطبوعات الداخلة والمسربة بمحاولات شخصية او رسمية ثانيا ، او تلك التي يجلبها الرقيب الحكومي احيانا وهي يسيرة جدا ، فاستحدثت حينها ثقافة جديدة ، هي ثقافة الاستنساخ ، التي شكلت ظاهرة عراقية كبيرة عبر مكاتب اهلية تم فتحها من قبل اناس مختلفي التوجهات والثقافات ، يتم فيها استنساخ الكتب الجديدة وبيعها باسعار بسيطة متجاوزين وخارقين  كافة القوانين المتعلقة بحقوق الطباعة او حقوق الملكية الفكرية ، المهم عند المثقف الحلي – والعراقي عامة – الحصول على نسخة جديدة من الكتاب الذي يروم الحصول عليه بحسب تعلق الامر بتخصصه العلمي والادبي او لاسباب ثقافية عامة .

    كان للمشهد النقدي المسرحي الحداثي مكانته التي احتلها في هذا العقد ، لينتقل من كتابة النقود المسرحية التطبيقية التقليدية التي خرجت من الادب اصلا ، الى نقود مسرحية اتسمت باعتمادها على المناهج البنيوية الجديدة ، لا سيما المنهج السيميائي الذي تصدر غالبية الكتابات النقدية المسرحية سواء الحلية ومثلها العراقية بشكل عام ، فالتواصل ظل قائما ثقافيا ومعرفيا بين الحلة وبغداد والمدن الاخرى بكل ما تصدره هذه المدن من اداب وفنون وثقافات وبمختلف نتاجاتها المسرحية والموسيقية والتشكيلية والسينمائية وغيرها ، الفكر النقدي متلاحقا بين الجميع ، وما جعل هذا الفعل والحراك النقدي هو الانفتاح الاكاديمي المسرحي بفتح الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه ، التي بدأت بها كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد ، وكانت الحاجة عندها الى الادبيات والمصادر والمراجع العلمية التي ينبغي توفرها او يحصل عليها طالب الدراسات العليا ، فراح يبتكر وينقب عن كافة الطرق والوسائل التي توصله الى مسعاه البحثي والعلمي ، الامر الذي وسع الدرس الاكاديمي وانعكس ذلك على الثقافة المسرحية التي  سوف تنعكس هي الاخرى على كتابة المادة النقدية الحداثية الجديدة .

     كان الكثير من المتابعات الصحفية الثقافية والمسرحية لهذا العرض او ذاك ، او لهذا المهرجان او ذاك ، قد درب عددا من الكتاب الشباب ، في محاولات نجحت منها وفشلت اخرى ، لينضموا الى جيل نقدي مسرحي عراقي ، فمنهم من اثبت نفسه ومنهم من توهم نفسه ناقدا مسرحيا ، لكن الزمن والتجربة والثقافة الموسوعية التي ينبغي ان تتوفر عند هذا الناقد او ذاك ، كفيلة بان يحتل اسمه مكانة بارزة ومهمة بجانب الاسماء النقدية التي برزت في هذا العقد .

      وكان لتعدد المهرجانات المسرحية اثره الواضح في زيادة خبرة النقد والناقد المسرحي بمتابعته للعروض المقدمة وبتكليفه الرسمي احيانا بالتعقيب عليها ، الامر الذي اضفى خبرة نقدية معقولة لصقل امكانيته النقدية من جانب ، ولترصين توجهاته النقدية على وفق المناهج الحداثية ودراستها واختيار الارجح منها لهذا العرض او ذاك . اما اذا تتبعنا بقية النقاط ، فلا نجد اختلافا كبيرا بين هذا العقد والذي سبقه ، فغالبيتها تعد امتدادا تكميليا موسعا للفكر المسرحي العراقي في بابل . لكن لابد من الاشارة الى عدد من الظواهر المسرحية التي اتسم بها العقد التسعيني ، وهي ظواهر ارتبطت اصلا بالمسرح العراقي عامة وليس في بابل وحدها حسب ، نذكر منها :

1-ظاهرة المسرح التجاري ، وخاصة في الاعياد والمناسبات الجماهيرية .

2-ظاهرة المسرح التعبوي .

3-ظاهرة الاعداد والاقتباس والتوليف .

 

3- العقد الاول من الالفية الثالثة ( 2000 – 2009 ) : 

      انه عقد اخر وسط  حرب اخرى ، حل بنا خوفا ورعبا ، وعشناه قلقا وتحولا ، بعد استراحة عشرة أشهر لم نعد نسمع فيها موتا ، ثم عدنا من جديد في ثلثه الاول  الى حرب مختلفة التبس فيها علينا الصديق والعدو ، سكت في بدايتها المسرح ومات ، لكن يبدو ان للمسرح دائما أنفاسا اخيرة تبقى أخيرة  ، انفاسا صابرة على كل انواع البلاءات والكوارث والفايروسات فهي لا تميته ، ظلت استار المسرح بين بين ، بانتظار من يضمد صبرها ويرمم اذيالها من الهزيمة والظلام ، حتى انبلج الصبح من جديد ، فعاد المسرح صباحيا بعد ان غفت مساءاته ، وتغلقت بيبانه خوفا ورعبا وقتلا على الهوية والمذهب والاسلوب والطريقة ، بانتظار جديد قادم ، حتى ثلث العقد الاخير ، تنفس المسرح الصعداء من جديد ، فعادت مساءاته واخضوضرت استاره وشاع عطره نقيا صافيا ملتاذا بناسه واسياده وشبابه .

    ومع كل هذا القرف الذي ولى ، وبرغمه نقول ، لقد انماز هذا العقد بظاهرة التوثيق المسرحي البابلي لتاريخ الحركة المسرحية في مدينة الحلة ، وتحديدا على يدي باحثين اثنين من اهل المدينة وهما : ( علي محمد هادي الربيعي ) و ( عامر صباح المرزوك ) في اكثر من اصدار لكل منهما عن المسرح ونصوصه وعروضه ونقاده ومقالاته وصحافته في مدينة الحلة ، بالصور والوثائق التاريخية والاحالات المنهجية لكل ما وثقاه في كتبهما ، حتى اصبحت هذه الكتب مراجع اساسية للباحثين والكتاب والاكاديمين ممن يرومون الكتابة والبحث عن تاريخ المسرح في هذه المدينة . 

    ثم تصدرت ظاهرة عروض المسرح الديني ، بوصفها ظاهرة عراقية عامة ، والحلة واحدة ممن تاثرت فيها ، حيث العروض والمهرجانات المسرحية الدينية وبمسميات مختلفة انضوت للتذكير بوقائع تاريخية دينية اسلامية كثيرة تقف في مقدمتها واقعة الطف الشهيرة ، لما في هذا الواقعة من الماسي والالام والدسائس والمؤامرات والموت والدم والصراع ، الامر الذي فتح شهية المؤلفين والمخرجين لاستثمارها مسرحيا ، بعد ان كان الرقيب في العقود الماضية مانعا من التقرب لهذه الواقعة التاريخية لاسباب سياسية ونزاعات مذهبية لا مجال للخوض فيها هنا ، المهم ان التعطش لاستذكار الواقعة وانتعاش مسرح التعزية فتح الباب على مصراعيه مسرحيا في انتاج عروض مناسباتية لهذه الواقعة وغيرها من وقائع التاريخ الاسلامية بهدف تناولها مسرحيا والتذكير باهدافها وابطالها . لكن شيئا فشيئا ، وبعد تجاوز مرحلة الانتعاش بسنوات ، ضعفت هذه الظاهرة واستكانت لاسباب اجتماعية ولتدهور مستويات التناول فنيا ودراميا ، حيث لجأ الى منطقة التكرار واصابه الوهن ، ولم يظل منه الا عروض او مهرجان ملبد بالخفوت ومجرد كم من العروض وبلا نوع يذكر ، حتى وان كانت المؤسسة المشرفة على مثل هكذا مهرجان ديني مسرحي ، متمكنة مادية ودعمها مبالغا به ، الا ان النتائج مخيبة للامال بحكم غياب الهم الفني وتشغيل الخبرات الضعيفة التي تركب الهم المادي او الاستعراضي المنافق  قبل همها الابداعي وهو غير متوفر لديها اصلا ، هذا من جانب ، ومن جانب اخر نجد انه ،وبحكم الحالة الاجتماعية والثقافية للوعي العمومي ، اسمكنت حالة الاستهجان والانتقاد لمن يمارس هذه الظاهرة ، الا فيما لو اثبت صاحبها رؤيته التجريببة الخلاقة في استثماره الواقعة الدينية ، كي يكون بعيدا عن منطقة الرياء والنفاق التي استشرت في نهايات هذا القرن والى يومنا هذا .

     ثقافيا ، تدهور الوضع الثقافي في هذا القرن في العراق عامة ، وفي مدينة الحلة خاصة ، وذلك مرهون باسباب كثيرة سياسية واجتماعية ودينية ، برغم تحسن الحالة الاقتصادية لشرائح كثيرة من موظفي ومنتسبي الدولة ، الا انهم توجهوا لتحسين السكن والملبس والمأكل بدلا من تحسين ثقافتهم وقراءاتهم التي تزيدهم علما وتطورا ، فالجميع هرول الى اقتناء الكتب الدينية بحكم الحالة العامة للبلد وكثرة رجال الدين وخاصة الذين تسيدوا مناصب تعطيهم الحق لاصدار القرارات ، وليكن ، قال البعض ، لا باس من الثقافة الدينية اذا كانت فعلا تسهم في بناء الانسان وتوعيته وتطوير حياته ، والتعرف على اوجه العلاقة مع الله ومع رسله وانبيائه ، لعل ذلك التوجه ياتي ثماره ثقافيا وتوعويا .

     ضعفت الاصدارات المسرحية المترجمة منها والمؤلفة ، بل منها ما توافدت الى المدينة من اصدارات  جلها اصدارات عربية كانت مركونة على رفوف المكتبات ولم تصلنا حينها بسبب الحصار ، ولم يقدر المثقف المسرحي حينها مسايرة الجديد والمؤثر في المشهد المسرحي العالمي الا ما ندر ، او من خلال السفرات الخاصة والعامة التي انفتحت امام الجميع بعد اسقاط النظام الذي كان قد منع السفر عن الجميع ، فمن خلال السفرات عادت الكتب والاصدارات الحديثة بمتناول اصحابها وتداولها من جديد ، بل ان من المكتبات الجديدة التي فتحها اصحابها لاغراض ربحية تجارية راحوا يتنافسون على استيراد الكثير من الاصدارات الجديدة وبمختلف التخصصات الفنية والعلمية والاكاديمية بهدف تسويقها على الباحثين والفنانين والمهتمين من مثقفي المدينة ، عندها نشطت الثقافة مجددا واستعادت عافيتها .

    تدهورت السمعة الاجتماعية للمسرح من جديد ، بسبب الوضع العام كما اسلفنا ، فلم يكد المسرح يسترد عافيته وسمعته الاجتماعية بين الناس في سبعينات وبدايات العقد الثمانيني ، بعد ان خربته عروض ما يسمى بالمسرح التجاري في عقود سابقة ، ساءت عافيته  وتدهورت من جديد ، الامر الذي ادى الى غياب العنصر النسوي ، لدرجة انه حتى في العروض الدينية مثلا ، يقوم ممثل بدور شخصية نسائية يقتضي حضورها على المسرح ، فيرتدي الملابس النسائية مع النقاب حتى يؤدي مهمته ، وهذه عودة الى فترة عقد الخمسينات من القرن العشرين ، ونحن ندخل اليوم الالفية الثالثة من القرن الحادي والعشرين ، انه البؤس مجددا ، والتخلف عاد ثانية بثوب وعنوان جديدين .

    اختفت العروض ذات الطابع الكرنفالي ، والعروض التي تحوي عددا كبيرا من الجوقة والممثلين وامكانية تقليصهم الى اثنين او ثلاثة ، لاسباب غياب الدعم المادي وغياب الرعاية الرسمية من المؤسسات ذات العلاقة ، باستثناء تلك العروض المناسباتية الدينية منها والسياسية ، التي يكون الدعم لها مفتوحا وبالعملة الصعبة كما يقال ، لان العرض في استذكار مثلا لشخصية دينية او سياسية ، تهم الجهة القائمة على انتاج العرض ،او ان العرض يخص مناسبة ما لهذا الحزب او ذلك التيار ، بمعنى والحالة هذه ، تغييب الوعي المسرحي لدى المخرج المسرحي نفسه بدءا باختيار نصه واختيار ممثليه ، وجهله حتى باختيار مكان العرض وزمانه ، وهو لا يدري انه تحول الى الة صماء بيد المنتج ، وغاب عقله الاخراجي الفلسفي الذي يجب.

    تدهور المشهد النقدي المسرحي ، مع غياب المحرر الثقافي الواعي لصفحات الثقافة الخاصة في الصحف والمجلات العراقية والحلية التي انفجرت بكثرتها واستسهال العمل الاعلامي والثقافي فيها ، صار بامكان الجميع من العاطلين ان ينضموا الى العمل الصحفي والاعلامي بيسر ، بل ويتولوا مهمة المحرر الثقافي وهم بلا ثقافة ، الامر الذي اودى الى كارثة ثقافية ونقدية ، مع ظهور كتابات تعتمد السذاجة في الطرح ، والتسطيح بالجملة النقدية ، والجهل الاكاديمي بالتعامل مع المصطلح ، والحكم في سطورها المقالية الى العلاقاتية والمصالحية المقيتة ، لاسماء من الشباب همهم الكتابة والنشر ، اما ماذا يكتبون واين ينشرون فهذه ليست مشكلة لديهم ، يركضون خلف الالقاب قبل فكرهم النقدي ، ويلهثون وراء المشاركة في المهرجانات والقبض على شهادة تقديرية قبل ادراك مدى ثقافتهم النقدية الحداثية ، يصنعون لانفسهم اوهاما في ظل موجة عارمة من التجهييل الثقافي والمسرحي ، ويوهمهم الاخرون ايضا ، بانهم في المسار الصحيح ، الامر الذي خلخل الكيان النقدي مؤقتا وليس دائما ، لكنما الاسماء النقدية التي برزت في ثمانينات وتسعينات القرن المنصرم، حافظت على سياقات وعيها النقدي وخطابها الفلسفي الممنهج ،بل سعى الكثير منهم الى العلو في خطابهم النقدي العراقي عامة والحلي خاصة .

    غياب الفرق المسرحية الرسمية والمستقلة وغياب انتاجها ، نتيجة سياسة التجهييل الثقافي وتنحية الفنون جانبا عن اهتمامات الدولة ، بذريعة الاولويات وتوفير الخدمات والبنى التحتية ، والنتيجة لا هذه ولا تلك ، غير ان هذا الغياب للفرق الرسمية لم يمنع تحدي المسرحيين مواجهة الصعاب والعمل بانفرادية تامة وان انضوا الى هذه المؤسسة او تلك لكن الدعم صفر ، الا ان التواصل في العطاء المسرحي ومواصلة المسيرة كان ثرا وكان همهم الاول .

    ( لمن يعيش في المسرح ، لا شيء يقبض النفس كخشبة المسرح الخالية ، تقيم عادة اخفاء اعداد العرض وتغيير المناظر عن أعين الجمهور بواسطة ستار ، يحجز بين المسرحية والمتفرجين ، الجو مضطرب باستمرار ، كلما تغير المنظر غاص المتفرج ثانية في مشاغله اليومية . كم من عرض خانه الجمهور نتيجة لتوقف الانارة ، وعادة بعد حين في لحظات الذروة . احذفوا هذا الاسلوب المادي ) بهذا الفكر الحداثي خاطب شارل دولان اقرانه من مسرحيي زمنه ، وبذات الفكر ينبغي ان يتيقظ رجال المسرح وشبابه من مسرحيي اليوم . ولننتمي الى شعار النجارين في مقاطعة لور-اي- لوار ، في القرن الثاني عشر ، لكن ان ننتمي اليه مسرحيا ، نص الشعار هو : ” من الافضل ان نخطو خطوة خاطئة الى الامام .. وننهض بشجاعة ، بدلا من ان نتقن الصنع ، ونظل نراوح في مكاننا . ”

 

استنتاجات البحث :

1- تباين المستوى الثقافي والثقافي المسرحي من مستويات عمودية  الى أفقية  .

2- اشتغل العقل الاخراجي في انضباطية مفاهيمية ممنهجة ليصل لربكة عشوائية هاجسها البهرجة والتزويق .

3- برغم التنوع المكاني في خيارات العرض وحيزه الاخراجي بين المغلق والمفتوح ، لكن شاب هذا التنوع خلطا فكريا بين الفرز فيه  وغياب مسوغات الخيار الاخراجي له وتشتت رؤيته .

4- محاولة التمسك بتلابيب المشهد النقدي ومناهجه الوافدة لدى الناقد الثمانيني والتسعيني ، برغم تشويه هذا الوافد وانفلاته في الخطاب النقدي الشبابي الواعد .

5- التوسع في اقامة مهرجانات وورش ودورات وتأسيس معاهد وكليات ونواد ومنتديات وجمعيات وتجمعات : (مسرحية) ، اثبتت انها ترفا وليس حاجة . 

 

انتهى …

ا 

 

   

     

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح