جواد الأسدي: المخرج المؤلف ظاهرة مفصلية في المسرح العربي #العراق

الممثل يكتب بوعيه الجمالي نص شخصيته
الممثل يكتب بوعيه الجمالي نص شخصيته

 

 

ظاهرة المخرج المؤلف باتت اليوم مترسخة بشكل كبير في المشهد المسرحي العربي وليس فقط في المسرح العالمي.

بدأت ظاهرة المخرج المؤلف، القديمة والمتجددة عربيا، تشغل عددا كبيرا من الباحثين في المسرح المعاصر، لقدرتها على توليد دلائل مختلفة ضمن العرض المسرحي. ويأتي كتاب العراقي صميم حسب الله يحيى “التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح المعاصر، جواد الأسدي أنموذجا”، كواحد من هذه الأبحاث والدراسات، وقد قامت الهيئة العربية للمسرح بطباعتها، وأخيرا أعادت مناقشتها ضمن سلسلة “أقرأ كتب الهيئة، عين على المسرح”.

لم تعد ثيمة المخرج المؤلف بغريبة عن الدراما العربية وخاصة في حقلي السينما والمسرح، وبدت للبعض ضرورة ملحة على اعتبار أن النصوص المؤلفة قد لا تفي بتقديم الهم أو الهاجس الذي يسعى المخرج إلى تقديمه للجمهور، بهدف كسبه أو تبادل الأفكار والأحاسيس معه.

رغم ذلك قد لا يكتفي المخرج المؤلف بنصه المؤلف ولا يعتبره نهائيا وجاهزا للعرض ما لم يمر على العشرات  من البروفات اليومية، التي تستهدف إدماج الممثل وتحريك دواخله الإنسانية العميقة، ليضيف بذاته وعن ذاته للنص.

وتأتي الأبحاث ودراسات الماجستير والدكتوراه المتعمقة كمحاولة لرصد وشرح بعض التجارب المسرحية الهامة وخاصة المتعلقة بالمخرج المؤلف في المسرح المعاصر، ومن تلك الدراسات كتاب الباحث العراقي صميم حسب الله يحيى “التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح المعاصر: جواد الأسدي أنموذجا”.

ثلاثة عروض

صميم حسب الله: على المخرج وضع المفاتيح قبل صياغة النص المسرحي
صميم حسب الله: على المخرج وضع المفاتيح قبل صياغة النص المسرحي

كان يحيى، الذي يعمل اليوم كأستاذ للإخراج المسرحي في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد، قد التفت إلى شخصية المخرج المؤلف في وقت مبكر من حياته المسرحية، تحديدا مع مسرحية نساء في الحرب التي كتبها وأخرجها المخرج العراقي جواد الأسدي، والتي كانت تدور حول الأجواء النفسية للاجئات عربيات اضطررن للهرب من جحيم الوطن.

يقول يحيى “منذ حضر الأسدي إلى بغداد في العام 2004 وطلب مني أن أحضر بروفات تلك المسرحية، سارعت لإعادة  قراءتها، ووجدتني أضع الكثير من التساؤلات والإشارات والملاحظات حول النص، وأفكر بكيفية تجاوزها إخراجيا، لكن كل تلك الملاحظات والأسئلة تلاشت تدريجيا أثناء البروفة، وكان العرض من أداء قامات مسرحية هامة، أمثال شذى وسهى سالم وآسيا كمال والراحل صاحب نعمه”. مضيفا “وعندما سألني الأسدي ما رأيك بالتمرين، أخبرته أنه فاجأني بكل تلك المفاتيح التي وضعها وصاغها للنص”.

ويعتبر يحيى أن تلك اللحظة كانت الأولى التي تعرّف من خلالها على ما يكتب وكيف يكتب الأسدي، متابعا “في مرحلة دراستي للماجستير كان يرادوني السؤال حول المخرج المؤلف، ولماذا يسعى المخرجون لكتابة نصوصهم، لاكتشف أنها ظاهرة قديمة حديثة، قديمة قدم المسرح فالمؤلف هو سيد العرض المسرحي قبل أن يكون المخرج حاضرا، فما كان مني إلا أن أضع عنوانا عريضا لفصلي الأول من رسالتي التي أصبحت لاحقا كتابا ‘المؤلف المخرج في تاريخ الدراما’”.

ويلفت الباحث إلى أنه اختار تاريخ الدراما وليس تاريخ العرض، لأن العرض يبنى أساسا على أفكار المؤلف، واستمرت هذه الرحلة البحثية التي تتبعها حول المؤلف المخرج وصولا إلى المسرح في العصر الحديث، بداية من مسرح بريخت، الذي بدأ بكتابة نصوصه من وجهة نظر المؤلف لتكون نصوص عرض، ومن ثم التقى بتجربة جديدة تمتاز بلمسات وطريقة أخرى، مع الإيطالي داريو فو، الذي زاوج ما بين التأليف والإخراج كونه لعب دور المهرج في الكثير من العروض، وقدم نوعا آخر من أساليب المخرج المؤلف، إلى أن  دفعه الأمر هذا للبحث عن مخرج ما تزال تجربته حاضرة حتى اليوم، ألا وهو الأميركي ريتشارد فورمان، الذي أسس لمفهوم جديد للمخرج المؤلف.

بالعودة إلى التجربة العراقية حاول يحيى تلمس خطوات ثلاث من المخرجين المؤلفين القادمين من بحر الإخراج وليس التأليف، الأول سعدي يونس مع تجربته الارتجالية في مسرح الشارع وخاصة في مسرحيته جلجامش، بالإضافة إلى تجربة كل من الدكتور عقيل مهدي، وقاسم محمد، التي تحمل كل منها خصوصية في التأليف والإخراج.

محاولة لرصد وشرح بعض التجارب المسرحية الهامة
محاولة لرصد وشرح بعض التجارب المسرحية الهامة

يقول يحيى “كل التنظيرات التي حصلت عليها من خلال تجارب هؤلاء المخرجين الثلاثة دفعتني لقراءة بعض من عروض جواد الأسدي، فكان اختياري لثلاث مسرحيات، الأولى مسرحية ‘نساء في الحرب’ التي كانت عالقة في ذهني منذ أن شاهدتها في المرة الأولى، ولكني لم أتمكن من العودة إلى مشاهدتها مرة أخرى لعدم وجود تسجيل عنها في نسختها العراقية، ولكن ولأن الأسدي معروف عنه شغفه بإعادة  تقديم عروضه المسرحية مع ممثلين آخرين في بلدان أخرى ورؤى إخراجية أخرى، فلقد أعدت مشاهدة العرض الذي كان قدمه مع ممثلات لبنانيات، كما شاهدت مسرحيته التي قدمها في الإمارات العربية المتحدة والمستمدة من تراث المدينة ‘ليال أحمد بن ماجد’، وهي قراءة أو تجربة أخرى للأسدي ابتدعها مبتكرا طريقة إخراجية في عمله”.

أما المسرحية الثالثة التي كانت بالنسبة إليه الأكثر أرقا وخصوصية فكانت مسرحية “حمام بغداد”، وهو عرض قدمه الأسدي في سوريا ومع ممثلين سوريين (نضال سيجري وفايز قزق) وشعر أنه قد جرهم له، واهتم بتلك المسرحية على وجه الخصوص لأنه يعيش في العراق وأحداثها تدور حول العراق في زمن المحنة والموت ووجد أن توظيف الدخان في العرض كثيمة تأليفه وإخراجية، لم يكن فقط عنصرا بصريا مساعدا. ويعتقد يحيى أن كل عرض من العروض الثلاثة التي اختارها للدراسة كانت تمتلك خصوصية في الإخراج والتأليف على حد سواء.

ظاهرة حداثية

جواد الأسدي يعتبر واحدا من أهم المخرجيين والمؤلفين العراقيين الذين لمع اسمهم في العالم والوطن العربي وخاصة في سوريا، بعد فترة إقامة طويلة قام خلالها بتقديم العديد من التجارب المسرحية سواء داخل أنشطة المعهد العالي للفنون المسرحية أو خارجها، كما سبق له وأن أسس في قلب بيروت مسرحه الخاص الذي أسماه مسرح بابل، وحصل على عدة جوائز كان من أرفعها في العام 2004 جائزة أمير كلاوس للمسرح، لتكريس عمله في حرية التعبير الثقافي والفكري عن تجربته المسرحية في كل من العراق وخارجها، بالإضافة إلى عمله في العشرات من الأعمال المسرحية تأليفا وإخراجا سواء في المسرح الفلسطيني أو المغربي والإماراتي مؤخرا.

فهل الأسدي يوافق أو يصنف نفسه بالمخرج المؤلف، كما يشير صاحب البحث أو الكتاب؟ عن ذلك يقول “فكرة المخرج المؤلف ليس بالنسبة لي فكرة مطلقة ونهائية ومفصلية، لأن أغلب أعمالي المسرحية مستمده إما من النصوص العالمية التي اختارها لأني أجد فيها الكثير من المساس أو المقاربة أو حتى الإحساس المتبادل مع الجمهور، كما حصل في مسرحية تشيخوف ‘العنبر رقم 6’، وجان جينية في مسرحية ‘الخادمات’ وأعمال أخرى”.

ويضيف الأسدي “لكن حين لا أجد في أي من النصوص العالمية ما يمس ذلك الجحيم الحقيقي لمفردات الانهيار الكبيرة التي تسقط فيها مجتمعاتنا العربية والتي تؤرقني كما تؤرق كل الفنانين الملتزمين المرتبطين بقضايا مجتمعاتهم، عندها فقط أتجه إلى الكتابة، وهي كتابة تنبع من الإحساس الحقيقي بالجحيم الذي نعيشه، وبالتالي فكرة المخرج المؤلف بالنسبة لي ليست مطلقة أو نهائية فأنا لا أشتغل عليها كمشروع نهائي أو أبدي”.

ويؤكد المخرج أنه يتوق إلى المساحة التي يتاح له فيها إعادة كتابة الشخصيات من خلال هدمها وإعادة تكوينها، واختيار السينوغرافيا والضوء والملابس والموسيقى وكل عناصر العرض المسرحي، فكتابة الشخصية تعطيه الحرية المطلقة في ما يخص إمكانية الوصول إلى عرض مسرحي يحمل كل ما يريد قوله، وبهذا المعنى تأتي فكرة ظاهرة المخرج المؤلف التي باتت ظاهرة في الوطن العربي وليس فقط في المسرح العالمي.

مسرح مسرح

ويعتبر الأسدي أن تلك الظاهرة باتت مفصلية وهامة في المسرح العربي وخاصة في تونس، وهي فكرة حداثية نابعة من رغبة المخرج في إعادة كتابة وصياغة المجتمع الذي يعيش فيه من وجهة نظر مختلفة وبكيانات وتفاصيل أخرى، يحاول من خلالها اصطياد الكثير من الإشارات والتفاصيل حول فكرة المخرج المؤلف الذي يريد أن يرمي بنصه إلى الممثلين.

ويعتبر الأسدي من المخرجين المؤلفين الذي يشاركون ممثليهم في كتابة النص على الخشبة، لكنه حين يفعل ذلك فإنه يختار الممثلين الذين يستطيعون التجانس والتعايش مع فكرة النص، والقادرين على الذهاب به بعيدا عبر كتابتهم أيضا، فالممثل يكتب بوعيه الجمالي نص شخصيته.

لذلك اختار مثلا لمسرحيته حمام بغداد كل من الممثل فايز قزق والفنان الراحل نضال سيجري، فالنص الذي قدم على الخشبة كان مختلفا عن النص الذي كان قد كتبه، عن تلك التجربة يقول الأسدي “الكتابة كانت ذريعة للممثل لكي يشتبك مع النص ويعيد تقديمه عبر العديد من الأفعال والبروفات اليومية الإنسانية العميقة وهو ما توفر لدى قزق وسيجري، اللذان يملكان كل هذا العشق والحب والتماهي مع فكرة البروفة المسرحية، وأظن أن المخرج المؤلف الذي يعمل مع هكذا نوعية من الممثلين سيمشي معهم في طريق كتابة مسرحية من على خشبة المسرح تحمل سينوغرافيا لها علاقة بالتحديث والتدمير في العرض المسرحي”.

لا يكتفي المخرج المؤلف بنصه المؤلف ولا يعتبره نهائيا وجاهزا للعرض ما لم يمر على العشرات  من البروفات اليومية

متابعا “وهذا ما حصل أيضا في مسرحية ‘تقاسيم على الحياة’ التي أعدت تقديمها في بغداد مع مناضل داوود وإياد الطائي وحيدر جمعه والدكتور صميم الذي كان حينها الروح الملهمة داخل العرض، كنا نشتغل يوميا على البروفات ونرمي بالنص على الممثلين الذي كانوا يستخرجون مفاعل حديثة وجديدة من عمقهم وإنسانيتهم، وتجربتي في الإمارات مع مسرحية ‘ليالي أحمد بن ماجد’ ومسرحية ‘المقهى’ وغيرها”.

هذا ويعتبر كتاب الدكتور يحيى التوليد الدلالي للمخرج المؤلف في المسرح المعاصر، كتابا هاما ونموذجيا وربما مرجعا مستقبليا ولبنة أساسية للكثير من الدراسات اللاحقة التي ستهتم بالمسرح وبخاصة ثيمة المخرج المؤلف، التي كانت السينما الرائدة فيها والتي أصبحت اليوم سمة أساسية ومحط دراسة في العالم بشكل عام.

لمى طيارة

https://alarab.co.uk/

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح