أخبار عاجلة

جليلة بكّار لا تحبّ الوحوش في المدينة – حاتم التليلي محمودي

بكار
جليلة بكار

جليلة بكّار لـا تـحبّ الوحـوش فـي المـدينة

التجريبي: مصر – حاتم التليلي محمودي
نحن لا نؤرّخ لوجود المسرحيين بيننا إلا بوصفهم موتى. في الموت تهاجر سيرهم مثل هجرة البشر طلبا للنّجاة، وتتحوّل حياتهم التي مضت إلى ما يشبه الأساطير الغامضة التي نتغنّى بها للأجيال التي تأتي من بعدنا، وهذا سلوك ينمّ عن كوننا لم نتحرّر بعد من تلك الثقوب المرعبة التي تشدّنا إلى سردية شعراء الصحراء وحنينهم إلى الأطلال القديمة. إنّ الذهنية الثقافية والمسرحية التي نحتكم إليها قائمة بالأساس على عدم الاعتراف، ولذلك نحن نشعر بالندم والحسرة كلّما فقدنا رمزا مسرحيّا ومن ثمّ نكفّر عن ذنوبنا بتسريد حياته كضرب من الاعتراف المؤجّل. صحيح أنّنا على وعي بهذا الاستشكال المسرحيّ الحادّ، ولكنّه وعي مرضيّ لا تجاوزيّ، ربما – في حالة كهذه – يتعيّن عليّ تقديم الشكر إلى مهرجان المسرح التجريبي بمصر بعد أن تلقيت دعوة لكتابة هذا النص حول الكاتبة والممثلة التونسية جليلة بكّار، الحاضرة بيننا مثل آلهة ترتّب على صفحة السماء نظام الأقمار، هذه المرأة التي كلّما رأيناها في الشارع أو أمام قاعة الفنّ الرابع بشارع باريس أو على الركح جعلتنا نهمس بإعجاب “نعم، إنّها جليلة بكار”.

هو نصّ مغاير إذن، لأنّه ينتمي إلى الحياة لا إلى الموت، وينتمي إلى قوّة الحضور، حضور امرأة تستلّ الجمال من مخلب الكارثة، امرأة كما لو أنّها البديل المتعالي للحكمة المسرحية المفقودة، نصّ يتخطّى الأجناس لأنّه يأتي بغاية الاحتفاء والتكريم، ويأتي بغاية شدّ الجسور، ولكنّه يأتي في زمن عنيف، زمن بالغ القساوة تسيّره مصانع الموت وتصيير المعنى عدما، وتسيّره مطابخ القتل ومقولة النهايات، وتسيّره معاول الخوف.
نصّ لا أريده أن يكون إلا على لسان أبناء الجيل المسرحي الذي أنتمي إليه، وجليلة بكّار لا يجب أن نقيس عمرها حسب الأرقام الواردة في جواز سفرها أو بطاقة هويتها، بل حسب تجربتها الإبداعية التي منها نتعلّم وربّما منها نسرق النّار مثلما فعل الإله بروميثيوس.

جليلة بكّار هي المرآة التي نقف أمامها الآن حتّى لا تُسْلَخَ وجوهنا في هذه الأزمنة الغبراء، ولذا فإنّ مهمّتنا كمسرحيين تكمن في تهريب جمالها وإبداعها إلى الحياة لا إلى تجربتنا المسرحية وحدها، لقد كانت هي الأخرى تهرّب أجمل الشخصيات إلى دمها الآدمي ومن ثمّ تقدّمها على الأركاح طيلة سنوات عديدة: إنّ مصيرنا المسرحي واحد ومرتبط بتهريب الجمال وزراعته في برّيتنا حتّى لا تظلّ مدننا فاقدة للمعنى أو تحت سيطرة الوحوش.

يقول أبناء جيلي من المسرحيين، نحن لا نعرف عن قرب جليلة بكّار، إنها تحتفظ دوما بمسافة تهبها المزيد من القداسة، ولذا بقدر ما نحذرها نظلّ نحبّها كما لو أنّ وجهها القمريّ أكثر جاذبيّة من المسرح. في كلّ مرّة تستدرجنا العروض المسرحية إلى منفى الفنّ ونهاياته تكون جليلة قد عدّلت مزاجنا الغاضب بمجرّد حضورها على الرّكح، ليست مجرّد ممثّلة أو كاتبة تمارس المهنة المسرحية، بل طاقة من الغواية تخيّم بسحرها وتدفع بنا – على نحو لا مرئيّ-، إلى التمسّك بالأمل المسرحي رغم حيف وجودنا وضراوته المريرة.

إنّ عدم معرفتنا لجليلة عن قرب، هو ما يجعلها سفينة نجاة مسرحيّ، وهو ما يجعلها رمزا، وهو ما يجعلها نموذجا يحتذى به. في المسافة الفاصلة عنها تنشأ سردية العبور إلى سحر المسرح الذي نبحث عنه، تنشأ أيضا طقوس العبور لا إلى منجزها الفنّي فحسب بل إلى مواقفها السياسية أيضا، تلك المتعلّقة بعواصف همومنا الوطنية والقومية والأممية. وعدم معرفتنا لها عن قرب، هو ما يعطينا الحق في النجاة من السفاحين المسرحيين، وهو ما يهبنا حكمة السكن على شفا الحدّ. إنّ مطلب النّجاة ما هو إلا استعارة مغرية نطلقها الآن كتدليل على عدم اطمئناننا لما يجري في السّاحة المسرحية حيث يسري العنف الفظيع مثل جدول من السموم في حياتنا المسرحية، وتسري سردية مرعبة وقودها الضغينة والكره لا العداوة، أما أن نسكن على شفا الحدّ فهذا يعني أننا نمارس ضربا من الانتماء إلى المسرح لا إلى المسرحيين: نعتقد في معادلة كهذه أن جليلة بكّار – ومثلها قليل فقط-، اسم لم يتورّط في دائرة الموت، واسم لا يمكن إدراجه في قائمة المسرحيين بل في قائمة المسرح، ولذا فإنّ أعظم تشبيه يمكننا إطلاقه على جليلة هو أنّها هادئة مثل نبات النيلوفر، هذا الذي لا يكترث بالمياه الراكدة أو قلقها، بل يمارس غوايته على السماء فيسقط جمالها على الأرض، امرأة تبحث عن “انتماء جماليّ إلى العالم” دون التورّط في معاجم الفزع.

في السيرة المسرحية، ثمة خمسون سنة على الأقل من الهجرة في تخوم الإبداع، لقد هاجرت جليلة من مسرح الجنوب بمحافظة قفصة في سبعينات القرن الماضي إلى سردية المسرح الجديد، ومنهما إلى شركة فاميليا للإنتاج مع رفيق دربها الفاضل الجعايبي، ولم تنته هذه الهجرة حدّ الآن، إذ ما زلنا نراها في المسرح الوطني كممثلة وكاتبة. وفي تفاصيل السيرة لم تعرف جليلة ككاتبة مسرحية ألّفت أهمّ النصوص للأعمال المسرحية التي شاركت فيها مثل “خوف” و”عنف” و”يحيى يعيش” و”تسونامي” و”خمسون”و”جنون” و”غسالة النوادر”، بل عرفت أيضا كممثلة استثنائيّة: لقد كانت في كلّ مرّة تسلخ جلدها الآدمي لتلبس جلد شخصيّة مّا نراها على الركح، وهذا ما يجعلنا نطلق عليها “مهرّبة الأرواح”. نعم، لقد كانت تهرّب السياسيّ والمجنون والثائر والمواطن البسيط من غدير المدينة القاسية إلى عوالم الركح، كانت مراياهم في كلّ عمل مسرحي جديد تشارك فيه، كانت تقذفهم في وجوه المتفرجين كضرب من الاعتراض العنيف على السّائد وضراوة وجودنا الاجتماعي والثقافي، وكانت تجعلنا نتفطّن بحسّ ثوريّ إلى زلزال مريع قد يحدث.

وفي تخوم هذه السيرة التي شهدت سيلا عظيما من الأعمال الإبداعية، لم تنعطف جليلة إلى “نظام التفاهة”، بل كانت ثمّة إقامة عظيمة في مسالك التغيير السياسي والجمالي، فمسرحية “خمسون” التي كشفت عن الوحش الإسلامي القادم كانت مثابة الرؤيا التي تحققت بعد الثورة التونسية، ومسرحية “يحيى يعيش” التي اعترضت على الدكتاتورية البنعلينية (نظام بن علي) كانت مثابة الرؤيا التي تحقّقت بتحقّق الثورة، ومسرحية “خوف” كما “عنف” مثّلتا انزياحا عنيفا ومريعا يرصد مخرجات السنوات العشر الأخيرة بعد كنس النظام ومولد بيارق الله وفجر الدماء والاغتيالات وشتّى ضروب العنف الاجتماعي في المدن التونسية.

وفي السيرة السياسية، شاركت كشخصية وطنية مستقلة في تركيبة الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي سنة 2011، لقد كانت أيضا من الواقفات ضدّ سياسات الطغيان والتهميش والقمع لنظام “المراقبة والمعاقبة”، مثلما افتخرت كغيرها بالحقوق التي وهبها الرّئيس الحبيب بورقيبة للمرأة التونسية لم تتردّد في التعبير عن صدمتها إزاء استبداده وبخاصّة أثناء تصادمه مع اليوسفيين، ولم يخجلها التصريح بالخطوط الحمراء التي فرضها على المثقفين كالسياسية والدين حيث كان الوجود محتدّا بسياسات الإخفاء والتمويه التي لجأ إليها المسرحيون خاصّة. وفي تخوم هذه السيرة، كانت جليلة من حاملات الوجع الفسلطيني ، فلسطين التي أصبحت الآن وشما مزروعا على كتف العالم، وأصبحت جرحا على جمجمة الله، وأصبحت طريدة لكلّ الغزاة. فلسطين حضرت في عمل مسرحي قدّمته جليلة بكّار وحمل عنوان “البحث عن عائدة”. لقد ضاعت عائدة الفلسطينية وهي في عمر الثلاث سنوات، وتحوّلت فيما بعد إلى هاجس مسرحي نشّطته جليلة معيّة المخرج فاضل الجعايبي. امرأة أفرغت عوالمها من كلّ شيء باستثناء تلك الطفلة التي تحوّلت إلى رمز، وإلى قادح للمرور مجدّدا نحو مساءلة النكبة ( 1948) وهزيمة (1967) ومجزرة صبرا وشاتيلا. وفي السيرة أيضا مثلما نكتشف في معظم الأعمال المسرحية الأخيرة التي شاركت فيها أو من خلال تصريحاتها، ثمّة وقفة احتجاج ضدّ الوحش الإسلامي، وضدّ المسالخ الآدمية، وضدّ المتكلمين باسم الله السياسي مشوّهي الثورات وغيلان الدم والقتل.
وفي السيرة، يجب أن لا نتناسى أو نتجاهل هذه السيرة. ثمّة هذه الكاتبة والممثلة المسرحية والسينمائية جليلة بكّار بكلّ هذا الإبداع والحبّ والاحتجاج والهدوء.

يمكن القول الآن بأنّ جليلة بكار – هذه التي ولدت في خمسينات القرن الماضي-،امرأة عايشت سردياتنا الكبرى في تونس والوطن العربي، ولهذا أنا منذ البدء تحدّثت باسم أبناء الجيل المسرحي الذي أنتمي إليه، واضعا جليلة موضع النموذج التي نعتزّ به. نعم، نحن نحيا الآن أزمنة النهايات حيث الأوبئة والحروب والكوارث وصحوة الهمجيات، ونحن نحيا في مدارات القتل والموت واليأس، ولذلك – كمسرحيين-، بدل التخلّي عن مهمّاتنا كرسل جدد للتاريخ، يتعيّن علينا النظر إلى من هم في قيمة جليلة بكّار والاستئناس بتجربتهم كقادح للإقلاع والمقاومة المواطنية والمسرحية.

أن نحيا الآن مثل شخصية “يحيى” في مسرحية “يحي يعيش” التي جاءت كتبشير لنهاية الدكتاتورية، فمعناه اختراقنا لثقافة الموت، ومعناه انبعاثنا من جديد، ومعناه تحقيق الانتماء إلى الأمل.
لا نعرف جليلة بكّار عن قرب ولكنّنا نعرفها مثلما نعرف رذاذ مطر الصيف، ولا نعرف جليلة بكّار عن قرب ولكنّنا نعرفها مثلما يجب أن نعرف دروب الخلاص، ولا نعرف جليلة بكّار عن قرب ولكنّنا نعرفها مثلما يعرف الرّضيع نهد أمّه، ولا نعرف جليلة بكّار عن قرب ولكنّنا نعرف هذا الضوء المسرحي ونحن نشاهدها على الرّكح.

ولا نعرف جليلة بكّار عن قرب ولكنّنا على دين جدّنا عبد الجبّار النفّري وقد قال: “القرب الذي تعرفه مسافة، والبعد الذي تعرفه مسافة، وأنا القريب البعيد بلا مسافة”.
نعم، إنّها جليلة بكّار، طفلة لا تحبّ الوحوش في المدينة.

حاتم التليلي محمودي

(التجريبي: مصر)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح