جان كوكتو: ولادة التناقض طبيعة مسرحية.. نص اول رسالة يوم عالمي للمسرح (1962)

كوكتو
جان كوكتو (1889م / 1963م)

جان كوكتو: ولادة التناقض طبيعة مسرحية
نص اول رسالة يوم عالمي للمسرح جان كوكتو 1962
ترجمة ذ.عادل اضريسي

ولادة التناقض طبيعة مسرحية: فذلك التاريخ، الذي يتغير مع مرور الوقت، يصبح مشوهاً. وتلك الأساطير، التي تتأصل وتتجذر هي الأخرى بتأثير الزمن، تمنحها خشبة المسرح فرصة لتتحول الى لحظة الحقيقة الواقعية.
لا شك ان الأمر سيكون جيدا جدا بالنسبة لنا لو يتمكن ساحر من تنويم جميع المشاهدين ثم يقنعهم في نهاية المطاف انهم شاهدوا عرضا رفيع المستوى. لكن، ومن سوء حظنا، هذا الساحر غير موجود، والأمر متروك للكاتب المسرحي بما يملكه من وسائل أن يثير هذا التنويم المغناطيسي الجماعي وأن يكون قادرا على مشاركة حُلمه مع جمهوره. فالأحلام وحدها تملك هذه القدرة على السحر وجعله في متناول الجميع.

نقل هذه الظاهرة الى المسرح (النوم والحلم)، يتطلب من الجمهور مصداقية طفولية تقريبًا: أفضل جمهور على الإطلاق هو القادر على المتابعة ببراءة الأطفال وهو الذي يستمتع بعروض العرائس. سيكون جمهورنا بهذا المنطق قادرا على التخلص من المقاومة العنيدة في داخله، سيكون، على سبيل المثال، في دولة قادرة على الصراخ وهي تتابع “أوديب ملك”: لا تتزوج جوكاستا! إنها أمك!”
ولكن، ودون الذهاب بعيدا، هذه الأشياء تحدث، ويحدث معها أن تذوب كتلة من المتفرجين في دفء فكرة غريبة تماما عنهم، بل يصلون الى حد تبنيها والانصهار داخلها حتى تضحى الكتلة المتباينة شخصا واحدا، والتي تصل إلى حد تبنيها لفكرتها والتي تعمل في وئام. تصبح هذه الكتلة شخصًا واحدًا ببراءة طفل تقريبا، تترك كل معتقداتها وآرائها السابقة في غرفة المستودعات، لا تستعيدها مرة أخرى إلا بعد نهاية الأداء.

الإعجاب الحقيقي لا يحدث من خلال سيرورة التواصل بين الأفكار والآراء الشائعة؛ ولكن من خلال تبادل أفكار ليست لنا، ثم مشاركتها بشغف حتى نعتقد أنها أفكارنا ونحن من ألفها.
إنه شكل من أشكال الحب: لأنه، في الحب، تلتقي المتناقضات وتتزاوج. وليست وظيفة المسرح أفضل مثال على ‘الاوسموسيس’ ، تلك العملية الطبيعية للامتصاص. لأنه وفي نهاية المطاف، أفضل ممثل هو الذي يعطي انطباعًا بأن الأشياء تصنع لحظة تقديمها، يبدع ويرتجل دوره بما يتناسب وكل فرد من الجمهور.

حتى في فرنسا – حيث يشعر الناس بالقلق الشديد تجاه فكرة السماح لأنفسهم بالنوم؛ حيث يُفرط الناس في الفردانية لدرجة يقاومون معها وبكل قوتهم التنويم المغناطيسي الذي يمارسه المسرح – حتى فرنسا أثبتت للتو، في مسرح الأمم، مدى جوع الناس وعطشهم الشديد لشربة المتعة والتسلية، ولكن طبعا ليس من خلال التفاهات.
اهتمام الشركات بروائع تنتمي للغة البلد بمشاركة ممثلين بارعين في الأداء، كان وحده السبيل لجذب جمهور لم يكن أحد ليتصور انه سينسى عباراته الخاصة وقصصه الخاصة ويكون مستعدا للاهتمام بعبارات وقصص الآخرين.

يمثل اليوم العالمي للمسرح فرصة لالتقاء الغرائب: المفرد والجمع، الموضوعي والذاتي، الوعي واللاوعي، وفرصة ليظهر المسرح للعالم عجائبه.
كل الخلافات التي يعيشها العالم نتيجة لانفصال العقول بفعل الحواجز اللغوية، والمسرح بآلياته المختلفة، المتعددة والمعقدة كفيل بالتغلب على هذه الحواجز. ستصبح الأمم والشعوب، بفضل أيام المسرح العالمي، على دراية بكنوز بعضها البعض، وستعمل معًا لتحقيق السلام العالمي.

قال نيتشه: إن الأفكار التي تغير وجه العالم تأتي إلينا على أرجل الحمام.
ربما من خلال وسائل، غالبًا ما تقتصر حتى الآن على فكرة المتعة التي يعيشها الشباب وهم يتابعون دروسهم في جامعات مرموقة، حيث تقدم المحاضرات والدروس طازجة وحيث الروائع تقدم بلغاتها وبعنفها الأصلي، غير ان هذا العنف لا يتم الحد من شدته بإجهاد التعلم الذاتي.

يجب أن أضيف: يقال ان الآلة وجهت ضربة قاضية للمسرح، هذا غير صحيح و انا لا اصدقه، و بما أن المعهد الدولي للمسرح طلب مني ان اتحدث باسمه، فأنا أقول العبارة التي اعتدنا قولها لملوكنا بتغيير الصيغة قليلا: ” إذا مات المسرح، عاش المسرح”

جان كوكتو 1962
(من عادل اضريسي)

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح