أخبار عاجلة

ثورة فلاحين بين جماليات التلقى وفعل التحريض بقلم / محمد جمال الدين

 

 

 

ثورة فلاحين بين جماليات التلقى وفعل التحريض

بقلم / محمد جمال الدين

يعد التحريض أحد أهم وظائف فن المسرح لدى جميع الشعوب التى لا تجد فضاءا متكاملا للبوح والتفكير الناقد الحر ، إلا أن هذه الوظيفة دائما ما تكون محكومة بطبيعة الحياة الإجتماعية والسياسية ، بل وطبيعة المجتمع نفسه ، لذا فالتحريض يدخل دائما فى ثنائية إفتراضية مع الرفض والإحتجاج ، والتحريض فى المسرح ليس شكلا خطابى إصلاحى فى المقام الأول ، أو دعوة إلى الإنقلاب الثورى والقتل ونشر الفوضى ، بل التحريض فى المسرح غايته الأساسية الدعوة للتأمل سواء أكان هذا التأمل فى قضية جمالية أو سياسية أو فكرية أو فلسفية أو أيديولوجية ، أو غير ذلك ، فالخطاب التحريضى يشتق وظيفته من ذلك الكيان الجمالى والفكرى والعاطفى ، وعليه فأن الخطاب التحريضى فى المسرح يتسم دائما بسعة هائلة لها بخصوصية شديدة ، ويعمل بشكل غير مباشر على التقصى والمراقبة ، بل والتحذير فى كثير من الأحيان ، سواء كان هذا الخطاب يتعلق بقضية سياسية أو إجتماعية أو حدث ثورى معين .

والتاريخ يخلد لأسبانيا فى عصرها المسرحى الذهبى ، حضورا هاما وفاعلا على مستوى التحريض ، وذلك  عبر أحد أهم كتابه المسرحيين لوب ديفيجا ، وهو أحد الكتاب أصحاب اتجاه التحريض المباشر ، ويظهر هذا جليا فى نصه ثورة الفلاحين ، والذى يمثل من خلاله نموذجا صارخا للتحريض من خلال ثورة الفلاحين فى أحد القرى الصغيرة ، ضد الحاكم الإرستقراطى الفاسد وقتله إنتقاما لشرف إحدى فتيات القرية التى اغتصبها ذلك الحاكم ، حيث كان هذا الحدث الدرامى هو الشرارة أو اللبنة الأساسية ، التى بدأ من خلالها  أبناء تلك القرية التوحد والتحرض على قتل هذا الحاكم .

وعلى خشبة مسرح المعهد العالى للفنون المسرحية ، بأكاديمية الفنون ، قدمت فرقة فلاحين المنصورة التابعة لفرع ثقافة المنصورة ، إقليم شرق الدلتا الثقافى ، عرضها المسرحى ثورة فلاحين عن نص ثورة الفلاحين ، دراماتورج خالد حسونه ، إخراج أحمد الدسوقى ، وذلك ضمن فعاليات المهرجان الختامى لفرق الأقاليم فى دورته الثالثة والأربعون

ينتمى العرض لعروض الدراما الموسيقية أو ما يعرف على وجه التحديد بالميوزيكال دراما ، فمن حيث البناء الدرامى لأحداث العرض ،  اعتمد الدراماتورج خالد حسونه على البناء الدرامى الأساسى لنص الكاتب المسرحى الإسبانى لوب ديفيجا ، مع الحفاظ على الثيمة الشعبية ،فالنص الأصلى تدور فكرته حول حاكم أحد القرى الذى يغتصب شرف  فتيات القرية الواحدة تلو الأخرى ، حتى يقرر أهل القرية الإنتقام والتخلص من هذا الطاغية الفاسد والتحريض على قتله ، وهو ما حافظ عليه الدراماتورج فى معالجته لنص العرض ، مع الإستلهام وملامسة الخط الدرامى الرئيسى لسيناريو فيلم شئ من الخوف ، والإشتباك فى الوقت ذاته مع اللحظة الآنية من خلال الطقس الدرامى والتمصير فى آن واحد ، ومن خلال أحداث العرض نلمح أن الدراماتورج نجح فى تكوين منطقية لتطور الأحداث ومعقوليتها ، فنجد مقدمة وآوفارتير موسيقى وغنائى فى قالب الداما الحركية ، يمهد للأحداث ثم أفعال درامية تؤدى إلى تصاعد فى تطور الاحداث حتى نصل إلى فعل الذروة ( كليمكس ) ،  ثم أفعال درامية تقلل بعد ذلك وتخفف من التصاعد الدرامى المسرحى لنصل فى النهاية إلى نهاية العرض  ، كما أن الصراع فى العرض صراع متصاعد ، والحدث مركب حيث مرحلة التعرف أدت إلى  التحول أو ما تعرف بالإنقلاب فى مصير الشخصيات ، والحبكة محكمة  تعتمد علي التتابع الحتمي للأحداث وهو ليس تتابع آلي لكنه ممزوج بالمنظورالفكري للدراماتورج والرؤية الاخراجية للمخرج ، مع الإعتماد على توظيف الشكل التراثى الطقسى الخاص بريف مصر من خلال  العوالم الخيالية ( شخصية منجى ، شخصية العرافة ) لإثبات أن عالم اللاشعور أقرب إلى الواقع من الوعى المزيف ، علاوة على التصدير المسرحى لشخصية البطل المخلص ، والمحرك والمحرض ضد هذا العمدة الطاغية الفاسد ، على إعتبار أن دائما ما يكون البطل المخلص   رمزا للخلاص المتمثل في الجماعة عن طريق التحريض بواسطة إكساب الوعي للجماعة ، كما لا يمكن أن نغفل أيضا وجود نوعين  من الصراع ، الأول صراع بين الشخصيات الدرامية المسرحية وبين ذواتهم الداخلية وهو صراع ما بين المادى والمعنوى ، أما الصراع الثانى هو صراع ما بين السلطة القمعية المتمثلة فى عمدة القرية / سالم وبين الشعب المقهور / أهل القرية ، بالإضافة إلى قصدية هامة عمد إليها الدراماتورج فى معالجته للنص تتمثل فى الحوار والذى جاء قصير متبادل بين الممثلين مما أسهم فى زيادة الايقاع وشحن المتلقى بشحنات انفعالية ، مع وجود مساحات من البوح السردى أقرب إلى المناجاة على لسان بعض الشخصيات للكشف عما يعتريهم من غربة وألم وعذاب وأيضا شروخ نفسية.

أما عن الاشعار فى العرض فكانت جيدة ، اختزلت العديد من المواقف الدرامية وقامت بتشكيل الوعى الدلالى لدى المتلقى ، حيث عبرت عما فى نفوس الشخصيات الدرامية ، وقامت باثراء المعانى الدلالية .

على المستوى التمثيلى ، حملت الشخصيات الرئيسية فى العرض انطلاقا من موهبتهم واحترافهم ( العمدة سالم / كريم سرور ،  منجى / محمد السعداوى ، فاطمة زكى / الحاجة صادقة ، فيفى الزناتى / العرافة )  ، مجموعة من العلامات التي تختزن داخل سياق هذا العرض المسرحى ، وكأن هناك أشياء ما تغلي في دواخلهما ، تعذبهما ، تطعنهما مرارا ً، فجاء العرض مشحون بالانفعالات وملغم بالإحداث ، كما لعبت مجموعة الشخصيات الثانوية ” أهل القرية ” عدة أدوار درامية بشكل منضبط .

على مستوى الألحان والموسيقى والمؤثرات الصوتية ، نجح الملحن والمولف الموسيقى علاء غنيم فى توظيف ألحانه وموسيقاه داخل نسيج العرض توظيفا سليما لتخلق شخصيات وأبعاد معنوية ونفسية وحالات مسرحية أضفت أبعادا جديدة مستقلة ومتفاعلة مع البناء المسرحي العام فى العرض خاصة فى أغنية الفنال  ، حيث اعتمد على عدة مقامات موسيقية كمقام الكرد والحجاز والبياتى والصبا ، لتقديم موسيقية وألحان مسرحية كانت لها دور فاعل بارز فى تصوير الأحداث الدرامية ، أيضا قامت الألحان والموسيقى فى العرض بدور تكثيف وتصوير وإختزال الكثير من أحداث العمل فى قوالب غنائية وموسيقية سريعة وقصيرة  ، لذا وجبت الإشارة إلى أن استخدام الألحان والموسيقى فى هذا العرض تراوحت ما بين الإستخدامات المباشرة للموسيقى في المسرح حيث جاءت فى بعض الأحداث كى تروي في بنائها الهندسي وفي شحنتها الداخلية قصديات درامية ، وبين الموسيقى المقتصرة على المؤثرات الصوتية التي تدعم وتساهم في تشكيل الأجواء ، كما جاءت إستخدام إيقاعات ذات ضروب ثقيلة وغير منتظمة داخل الموسيقى التصويرية للعرض وكان موفق إلى حد كبير .

على مستوى ديكور ، اتسمت القيم الجمالية في ديكور العرض باعتمادها المؤكد على مساحات من الرؤية التشكيلية لتأكيد المعانى والدلالات ، لذا فقد قامت مهندس الديكور أحمد سعد بتصدير مسرحى من خلال مستويين جعل الأعلى دائما مقر للعمدة دلالة على السلطوية والقمع ، والمستوى الأسفل لعامة الشعب وأهل القرية مع وصف للمكان والزمان من خلال منازل القرية ، مبرزا شروخ وعوامل هدم وتعرية على جدران هذه البيوت دلالة على ما يعترى المكان من شروخ نفسية داخل شخوصه ، والرؤية التشكيلية بوجه عام جاءت لتدلل على الجو العام الذى يوضح أن أفراد هذه القرية مسجونين فى دواخلهم وذواتهم وأفكارهم ومعتقداتهم ، بل وتناثر هنا وهناك فى الفضاء المسرحى المعلق إكسسوارات   لتبرز ذات الفكرة وأنها تغلف الإجواء فى كل مكان داخل هذا المجتمع الصغير  ، وبوجه عام عبر ديكور العرض بطريقة غير مباشرة عن الجو المشحون والحالات النفسية التى تعترى هذه القرية المجتمع ، لكن يحسب لمهندس الديكور فى النهاية ورغم ضخامة الديكور البعد عن المبالغة  مما ساعد المخرج فى استثمار خشبة المسرح بأكمله .

على المستوى الاضاءة لمصممها عز حلمى ، فقد جاءت فى كثير من أحداث العرض تحمل دلالات تعبر عن أحداث العرض من خلال استخدام المساقط الضوئية ،  ليؤكد على فكرة الآلم والمعاناة التى تعانى منها هذه القرية ، ويحسب أيضا لمصمم الإضاءة إظهار حرارة المشاهد داخل الفراغ المسرحى ، و المزج بين عنصرى الضوء والظل  ، لخلق الجو النفسي العام للمسرحية .

على مستوى الأزياء ، ارتدت شخصيات المسرحية أزياء اعتيادية منتقاة من ملابس المجتمع الريفى ، ولكن غلب على بعض الملابس الترميز حيث استخدام أنواع من الأقمشة رخيصة الثمن بالنسبة لأهل القرية دلالة على الفقر ، والعكس ظهر الثراء فى ملابس العمدة دلالة على أنه ينتمى للطبقات الإستقراطية ، إضافة إلى ارتداء ( منجى ، العرافة ) ملابس تدل على نقاء روحهما ، وطهرهما ، مما أكسب ملابس العرض الكثير من القيم والمعاني والدلالات الجمالية التأويلية ، و يحسب لمصمم الأزياء وهو مصمم الديكور فى ذات الوقت أن الازياء حملت فكرة المزاوجة بين عناصر الزي التي تحمل شفرات واشارات دلالية ، تمثلت فى استخدام اللون والخط والملمس الذي شكل أيقونة الزي، لتبث دلالات سيكولوجية تعبر عن دوافع الشخصيات وأفعالها.

المكياج فى العرض لأحمد الحداد جاء موفق وجيد ، وذلك من خلال خطوط المكياج البسيطة النقية والتي جاءت لايضاح ملامح الوجه من خلال المكياج التصحيحي لملامح الشخصية الحياتية لتأتي مماثلة للشخصية الممثلة .

على مستوى الاستعراضات والتى قام بتصميمها باسم القرموط ، جاءت الاستعراضات والتعبيرات الحركية فى العرض ، كأحد أهم عناصر العرض ذات الدلالات المرئية ، فقد قامت بترجمة الأغانى ، وما تختزله داخل سياق دراما العرض فى شكل حركات بسيطة لكنها فى ذات الوقت تحمل العديد من الدلالات والقيم الجمالية والتأويلية فى آن واحد .

أما على مستوى الرؤية الاخراجية ، نجح المخرج فى كثير من الأحيان فى خلق صورة داخل الفراغ المسرحى في معظم لحظات العرض المسرحي فوجدت الشخصيات أماكنها وتحركت داخله ، كما نجح أيضا فى أن يجعل المتلقى يشعر من خلال الحالات الشعورية للشخصية إلى الفضاء المكاني من وجهة نظر معينة كما أرادها من خلال الإعتماد على الصورة المركبة عبر التنقل من مكان الحدث إلى مكان الحدث الآخر بواسطة اللحظات الضوئية ، كما نجح أيضا فى اختياره لمجموعة الممثلين حيث وظف عناصره التمثيلية بطريقة جيدة ، وقد وضح مراعاة المخرج عند اختياره للشخصية المسرحية داخل عمله لإبعاد كل شخصية على المستوى الفسيولوجى والسسيولوجى والسيكولوجى ، كما يحسب أيضا للمخرج قدرته على تدريب الممثلين والتى اتضحت من مشاهدة العرض ، ويحسب له أيضا قدرته على قيادة مجاميع من الممثلين على خشبة المسرح ورسم الحركة بشكل جمالى دلالى دون تكلف أو مبالغة ، علاوة على قدرته على قراءة فلسفة النص والتعامل معه بوجهة نظره التى أراد طرحها بشكل جمالى داخل الفراغ المسرحى ، كما قدم المخرج مجموعة الشخصيات الثانوية ” أهل القرية  ” من خلال عدة أدوار درامية بشكل منضبط للتكثيف والإختزال المسرحى  ، خاصة مجموعة الأطفال ، وأيضا المشاركة الرائعة لعنصر من عناصر ذوى الإحتياجات الخاصة  ، وقد جاءت خطوط الحركة بسيطة وبعيدة عن التعقد ، وتحمل دلالات للأحداث وحرارة المشاهد ، مستغلا الفراغ المسرح بشكل جمالى خاصة فى توزيع أماكن ( أهل القرية ) ، داخل الفراغ المسرحى ، كما استطاع أن يخلق صورة بصرية عن طريق التكوين بأجسامهم فى لحظات معينة ، وعليه فقد نجح المخرج فى جعل الشخصيات الدرامية تخترق الفضاءات المكانية ، مما ساهم في اعطاء صورة واضحة عن الفضاء الدرامي و بدوره ابراز الفضاء المسرحى الذي يساهم هو الأخر في الكشف عن الفضاء النفسي والاجتماعي للشخصيات ، نجح المخرج فى تصدير أن نيل العمدة من شرف فتيات القرية الواحدة تلو الأخرى هو النقطة التى من خلالها تولدت الاحداث وتدافعت ، وهى فى هذا العرض ليست مجرد قدر حتمى بل رؤية معكوسة خرجت من الوعى الجمعى .

 

 

 

 

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.