أخبار عاجلة

ثريا جبران: المسرح هويتي وطيلة تحملي مسؤولية الوزارة لم أتخل عن كوني فنانة (*)

جبران
ثريا جبران

• المسرح هويتي والتلفزة وسّعت دائرة شهرتي وليس من حقي أن أتشكى أو أتظلم
• طيلة تحملي مسؤولية الوزارة لم أتخل عن كوني فنانة

حاورتها: د.فوزية البيض

رغم قصر المدة التي قضتها ثريا جبران اقريتيف على رأس وزارة الثقافة (من أكتوبر 2007 إلى يوليوز 2009)، فإنها تركت بصمات واضحة في المشهد الثقافي والفني الوطني، بالنظر إلى المكانة التي تحظى بها هذه الفنانة لدى مختلف الفاعلين وكذا بين الأوساط الشعبية، كونها عرفت بأدوارها المتميزة كممثلة في العديد من الأعمال المسرحية والتلفزيونية والسينمائية، علاوة على شعبيتها وتواضعها وطيبوبتها. في الحوار التالي، تستحضر ثريا أسماء العديد من الفنانين الذين تركوا بصمات متفردة في تجربتها المسرحية، أمثال: محمد التسولي، فريد بنبمارك، عبد الصمد الكنفاوي، عبد الله شقرون، الطيب الصديقي، عبد الواحد عوزري… وغيرهم كثير، كما تؤكد على تأثير البيئة التي نشأت فيها في رسم ملامح مسارها الفني المتميز.

س كيف كانت طفولتك بدرب بوشنتوف؟ وكيف كانت بداياتك في مسيرة أبي الفنون؟ ومن شجعك على حب الخشبة؟

ج . عشت طفولتي مثلما يعيشها أبناء المغاربة البسطاء، إذ فتحت عيني داخل درب بوشنتوف في السنوات الأخيرة من زمن الاستعمار. وبالنسبة إلي، فذلك الحي هو الذي رسم معالم شخصيتي الأولى، ومنحني شحنة حب الناس. كان بوشنتوف البوابة الواسعة الذي تُفضي بساكنتها نحو روافد بلا ضفاف. هناك ذاكرة المقاومة والفداء وفضاءات الفن والثقافة والرياضة والعمل الاجتماعي. وبفضل وسطي العائلي تمكنت من ولوج كل هذه الروافد، والتعايش مع أجوائها الساحرة. هناك عرفت ما معنى أن يراق الدم المغربي الزكي من أجل الوطن من خلال وقائع استشهاد خالي علي بشارع الفداء. وهناك تعرفت على أهمية العمل الاجتماعي من خلال عمل والدتي رحمها الله كمربية في الجمعية الخيرية الإسلامية بعين الشق. وهناك تعرفت على مسابقات العدو الريفي، وعلى الحلقات الشعبية ومسرح الهواة، وخصوصا سينما الرائد محمد عصفور الذي بفضله تمكنت من اكتشاف عالم الصورة، ومن إغناء متخيلي عبر العالم الذي تفتحه أمامنا الشاشات.

وأذكر هنا إعجابي المبكر بشخصية (شارلي شابلن) التي بدت لي في ذلك الوقت مناصرة للفقراء والمسحوقين. ولذلك، أعتبر هذا الفنان العبقري مدرستي الأولى في التدرب على ما معنى القيم الإنسانية النبيلة وضرورتها للإبداع الفني. ثم إن درب بوشنتوف هو الذي فتح لي الطريق للوقوف لأول مرة نحو الخشبة بفضل زوج أختي الذي كنت أرافقه منذ سن العاشرة لدرجة أن الجميع كان يناديني بثريا بنت جبران. هو بالنسبة لي الفنان القدوة والأب الروحي، ومن ثم تعمقت لدي العلاقة بالخشبة والفنانين. وتكريما له وتقديرا لدوره في سنوات انطلاقتي الأولى استعرت منه لقبه ليصبح اسمي الفني ثريا جبران، فيما ظلت هويتي المثبتة في الوثائق الشخصية هي ثريا اقريطيف. وحين تحملت مسؤولية الوزارة صار الاسم الذي أوقع به على الوثائق الرسمية التي تهم السير العام للوزارة في علاقة مع كل المرافق في الداخل والخارج هو ثريا جبران اقريطيف.

س ماذا تجسد بالنسبة لك تجربة مسرح الهواة ؟

ج . يجسد بالنسبة لي محطة الجسر الذي لا بد من عبورها في الطريق إلى الاحتراف. كما أعتبره يمثل جيل اليقظة، فهو المجال الذي يزرع فيك فضيلة الإيمان بالمسرح من باب التطوع، وهو الذي يفتح عينيك على إيجابيات التواصل الإنساني والفني. ولقد كانت دور الشباب تلعب ذلك الدور بامتياز. وبالنسبة إلي شخصيا، ففي هذا الإطار اكتشفت ضمن (فرقة الشهاب) مسرح جون بول سارتر من خلال مسرحيتي “الذباب” و”موتى بلاقبور” اللتين أخرجهما الفنان الصديق محمد التسولي. وكان هو من اختارني للمشاركة في مسرحية “يوسف بن تاشفين” التي نلت عنها جائزة أحسن أداء نسائي في الإقصائيات الإقليمية لمسرح الهواة بالدار البيضاء. وبفضل ذلك التتويج تم اختياري للمشاركة في أحد تداريب الشبيبة والرياضة بغابة المعمورة في صيف 1968 حيث التقيت بمؤطرين كبار، وضمنهم المخرج (فريد بنمبارك) الذي شجعني على المشاركة في مباراة ولوج المعهد الوطني التابع لوزارة الشؤون الثقافية والتعليم الأصلي بالرباط. وذلك ما تم فعلا حيث دامت الدراسة هناك أربع سنوات (من سنة 1968 إلى 1973) تلقيت خلالها دروسا من كبار الأساتذة من أمثال عبد الصمد الكنفاوي وعبد الله شقرون وبعض الأساتذة الجامعيين الذين كانوا يعطوننا دروسا لتعزيز تكويننا الأكاديمي، وللإشراف على عدد من المحترفات.

س. كم سنة دام استنشاقك لغبار الخشبة؟ وما هو رصيد أعمالك المسرحية ؟

ج . منذ فترة التكوين إلى اليوم صار غبار الخشبة جزءا من الهواء الذي أتنسمه صباح ومساء. وهو ما جعل المسرح هوية خاصة بالنسبة لي. أما بخصوص رصيدي المسرحي فهو متعدد والحمد لله. لأعطيك فكرة عن هذا الرصيد أشير إلى أنني بعد التخرج توظفت في وزارة الثقافة لكنني تركتها لينطلق مساري الاحترافي: التحقت بفرقتي المعمورة والقناع الصغير اللتين تعرضتا معا للإجهاض، لذلك عدت إلى الدار البيضاء لأساهم في تأسيس عدد من الفرق الحرة ك(مسرح 80) و(مسرح الشعب)، ثم (فرقة محمد الخلفي) إلى أن كان اللقاء الكبير مع الطيب الصديقي الأب والأخ والمعلم الذي منحني إمكانيات الامتداد، والانفتاح على دول الشرق والغرب. لقد شاركت معه في أعمال خالدة مكنتني من اللقاء بأشهر الفنانين والمؤلفين، وبإشرافه شاركت سنة 1985 في إطار فرقة الممثلين العرب في مسرحية “ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ” والتي كانت من تأليف الدكتور وليد سيف. في هذا العمل الكبير كانت لي فرصة أن أقف إلى جانب عمالقة التمثيل في العالم العربي كنضال الأشقر ورفيق علي أحمد من لبنان ولينا التل من الأردن وسونيا من الجزائر وقاسم محمد وسامي قفطان من العراق.

بعد ذلك جاءت تجربة (مسرح اليوم) التي أعتبرها محطة التتويج بالنسبة لمساري المهني، حيث عملت رفقة الدكتور عبد الواحد عوزري على أن نجعل منها ورشة مفتوحة في وجه الشباب الذين أصبحوا نجوما في ما بعد مثل المرحوم محمد بسطاوي وعبد اللطيف خمولي ورشيد الوالي ومحمد خيي، كما شكل قاطرة لممارسي هذا الفن، خاصة خريجي المعهد العالي للمسرح. حاولنا كذلك أن نجعل منها إطارا لتأسيس مسرح جاد يتجاوب مع هموم الإنسان المغربي والعربي، ومع الإنسان في كل بقاع الكون، ومنطلقا لخلق تقاليد مسرحية جديدة العمل وفق مبدإ الموسم الذي كنا نلتزم فيه بتقديم مسرحية جديدة كل سنة، ولتوسيع دائرة العلاقات مع الجمهور المسرحي في المغرب بحيث خلقنا من حولنا دائرة من الإعلاميين والمثقفين والوزراء، وكذلك الأمر بالنسبة للعالم العربي حيث صرنا نمثل المغرب في أكبر المهرجانات المسرحية العربية حيث نحصد أهم الجوائز. وفي نفس السياق طفنا المغرب بمسارحه وفضاءته الشعبية في المدن والقرى حيث قدمنا عروضنا في الأسواق. كما سعينا من جهة أخرى إلى الإسهام في إغناء تجربة الكتابة المسرحية، فعملنا على التشجيع على مسرحة نصوص الزجل والرواية والشعر من الريبرتوار المغربي والعربي والعالمي ليظل المسرح المغربي مرتبطا بكل مناحي الإبداع، وبكل قضايا الإنسان المعاصر. وبذلك صار مسرح اليوم اسما كبيرا على الخارطة العربية.

المسرح بيتي الأول

س هل تفضلين المسرح أم السينما أم التلفزة، كاختيار فني وجمالي ؟

ج . المفروض نظريا أن كل هذه الفنون تمثل الوجه المتعدد لحياة الفنان، لأنها تعكس وحدة الهدف والرؤية داخل مجالات متنوعة بخصائص يختلف بعضها عن البعض الآخر. لكن الذي يحدث هو أن كل فنان يرتبط بوشائج خاصة، أو لنقل روحية مع أحد هذه الفنون فتحصل بالتالي جاذبية مشتركة بين كل من الفنان ودائرة إشعاعه.

بالنسبة لتجربتي الشخصية فلقد عملت في كل تلك الفضاءات. وعلي أن أعترف أن التلفزة هي التي وسعت دائرة شهرتي لدى عموم المشاهدين. كما كانت لدي مشاركات نوعية في عدد من الأفلام المغربية. لكن، وكما هو معروف، فالمسرح صار مع توالي السنين بيتي الأول، والماء الطبيعي الذي أستحم به يوميا. ولذلك سأظل مدينة إليه. أعطيته القليل فأعطاني كل شيء. وهنا ينبغي أن أؤكد على شيء مهم بالنسبة لي.. إنني أحمد الله أن مساري الفني لم يكن دائما مسارا صعبا، بل كان مفعما بالمحبة والتقدير. ولذلك، وحتى في بعض الظروف الصعبة كنت أحظى بالتضامن. وإذن، ليس من حقي أن أشتكي أو أتظلم. حظيت دائما بالتفاتات كريمة من جمهوري، ومن المجتمع المدني والقوى الديمقراطية ومن جميع المغاربة. كما حصلت على جوائز وأوسمة داخل المغرب وخارجه. كما حظيت بأصناف الاحتفاء من طرف الجامعات والجمعيات وبعض الوزارات. كما تم تكريمي في الجزائر وسوريا وليبيا والأردن وأمريكا الشمالية والصين. وحتى بعد أن اضطررت لمغادرة وزارة الثقافة إثر إصابتي بوعكة صحية ظللت أحظى بتكريم الوزراء الذين أتوا من بعدي، وهذه تجربة فريدة غير مسبوقة، وذلك بالضبط ما حدث مع زملائي الأساتذة بنسالم حميش ومحمد أمين الصبيحي ومحمد الأعرج.

س: ثريا جبران وزيرة الثقافة السابقة، ابنة درب السلطان بالدار البيضاء أو “بنت الشعب” كما تقولين، هل كنت تنتظرين يوما أنك ستصيرين وزيرة في حكومة المغرب ؟

ج . كلما يطرح علي هذا السؤال أجيب بأنني، وعلى امتداد حياتي الفنية، كان أقصى طموحي أن أملك بيتا للمسرح أمارس فيه شغبي وأحلامي، وأفتح من خلاله للشباب آفاقا للإبداع.
إذا كان هذا أقصى أحلامي، فكيف لي أن أتصور نفسي وزيرة في حكومة المغرب؟ والحقيقة أنني لا ولن أنسى ذلك اليوم الذي كرمني جلالة الملك محمد السادس نصره الله تكريما مولويا وازنا حين وضع على كاملي أمانة التدبير الثقافي في بلادنا، بحيث لم أستطع يومها أن أخفي دمعة موزعة بين الاعتزاز بالثقة المولوية الغالية ورهبة تلك المسؤولية. وأشهد أن جلالته ظل طوال مرحلة الوزارة يشملني بالعطف والمؤازرة، وكذلك خلال الوعكة الصحية التي أصابتني.

لقد كان ذلك التعيين محطة أساسية في حياتي، وكذلك الأمر بالنسبة لعموم الفنانين والفنانات في المغرب والعالم العربي، لأنهم اعتبروا ذلك التفاتة كريمة من ملك المغرب تجاه المبدعين والمبدعات. كما أن زميلاتي الفنانات في عدد من دول العالم العربي احتفلوا بحدث التعيين باعتبارها المرة الأولى التي يتم فيها تنصيب فنانة في أعلى هرم المسؤولية الثقافية، ولذلك أشادوا بالقرار الملكي، ووجهوا إلى جلالته عبارات الشكر والامتنان. وسأظل مستحضرة كل ذلك ما حييت. إنه وسام شرف على صدري، فليحفظ الله صاحب الجلالة ولينصره في معركته من أجل بناء مغرب التقدم والحداثة.

س: ما هي أهم التدابير والقرارات التي اتخذتها، ومشاريع القوانين التي قدمتها وأنت على رأس السلطة التنفيذية لوزارة الثقافة؟

ج . رغم قصر الفترة التي توليت فيه المسؤولية (من أكتوبر 2007 إلى يوليوز 2009) تمكنت رفقة مستشاري في الديوان الذين كانوا خيرا سند لي، وبإسهام فعال لأطر الوزارة الأكفاء، من اتخاذ عدد من التدابير والقرارات الحيوية بالنسبة للقطاع، منها مثلا:
– السهر على متابعة الأوراش الكبرى التي كانت تحظى بالإشراف الشخصي لجلالة الملك محمد السادس، وفي مقدمتها المكتبة الوطنية للمملكة المغربية التي افتتحها جلالة الملك نصره الله بحضور كل وزراء الثقافة السابقين الذين كانوا هم أيضا يحلمون بأن تكون للمملكة معلمة في مثل هذا البهاء، وهذه الشساعة المعرفية والإمكانيات التقنية الكبرى. ثم متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط الذي صار يلعب أدوارا كبرى على صعيد حفظ الذاكرة الفنية الوطنية، وعلى ضمان انفتاح المغاربة على محيطهم الثقافي الداخلي والدولي.
– إصدار بطاقة الفنان، وقد تفضل جلالة الملك نصره الله بمناسبة عيد العرش المجيد بأن وزع بيديه الكريمتين خمس عشرة بطاقة على المبدعين الذين كانوا يمثلون خارطة التنوع الفني والثقافي ببلادنا، فيما تم توزيع البطاقات الأخرى بمقر البرلمان بحضور أعضاء الحكومة يتقدمهم الوزير الأول آنذاك الأستاذ عباس الفاسي.
– تابعنا كذلك أوراش دور الثقافة التي كان قد بدأها صديقنا العزيز محمد الأشعري. ولقد كان لي الشرف بأن حضرت مع جلالة الملك وقائع تدشين عدد من هذه الدور في مختلف مدن المملكة إضافة إلى مسرح وجدة، وقاعة العروض التشكيلية والخزانة الوسائطية.
– تهيئ الخطة الوطنية لدعم الكتاب والقراءة العمومية ومواصلة دعم الكتاب والنشر.
– الشروع في إعداد مشروع دعم الأغنية المغربية.
– تقديم الدعم المالي والمعنوي للتعاضدية الوطنية للفنانين.
– الرفع من الإمكانيات المادية والأدبية والفنية للمعرض الدولي للنشر والكتاب.
– تطوير نظام الدفعات والرفع من سقف الدعم المالي المخصص لدعم المسرح.
– الانتقال بالمهرجان الوطني للمسرح من طابعه المغربي إلى طابع عربي عبر إشراك فرق وفنانين عرب في العروض المسرحية وفي لجنة التحكيم. في نفس الإطار جعلنا الدورة الحادية عشرة (3، 11 يوليوز 2009) تحمل اسم القدس احتفاء بهذه المدينة المقدسة، والمترسخة في الوجدان المغربي والعربي.
– توفير ميزانية خاصة لإصلاح الجوانب التقنية في مسرح محمد الخامس.
وكانت لدينا مشاريع أخرى كنا سنواصل العمل على إخراجها للوجود لولا إصابتي بوعكة صحية تعذر معها مواصلة مهمتي الوزارية.


(*) ثريا جبران اقريتيف في اخر حوار لها قبل وفاتها

حاورتها: د.فوزية البيض – مديرة نشر مجلة الفنون الصادرة عن وزارة الثقافة الشباب والرياضة المغربية.

عن إعلام الهيئة العربية للمسرح